أزمة الشفاهية وبنية الوعي اللغوي


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 09:31
المحور: قضايا ثقافية     

مقدمة: في إبستمولوجيا الكلمة
لعل أبرز عوائق التطور المعرفي والاجتماعي لشعوب المنطقة العربية لا يكمن في البنى السياسية أو الاقتصادية الفوقية فحسب، بل في بنية أداتية أعمق: اللغة وآليات اشتغالها داخل الوعي الجمعي.
إن الإشكالية الحقيقية تتمثل في العجز عن الانتقال الجذري من "الثقافة الشفاهية" بكل حمولتها الانفعالية، إلى "الثقافة الكتابية" القائمة على التفكيك والمراجعة.
العقلية الشفاهية عقلية "سمعية" بالدرجة الأولى؛ تختزن المعلومات عبر التلقي الارتدادي، لتعيد إنتاجها بالتكرار والترديد، وغالباً ما ينتهي بها الأمر إلى الانحراف عن الأصل نتيجة غياب آلية التثبيت.
إن طبيعة الكلمة المنطوقة، بوصفها حدثاً زمنياً يتبدد في الهواء بمجرد ولادته، لا تترك للمتلقي سوى هامش ضيق جداً للتأمل والفحص والمساءلة النقدية. علاوة على ذلك، يقتات الخطاب السماعي على المؤثرات الخارجية: الشحنات العاطفية، الحماسة المنبرية، لغة الجسد، والجرس الموسيقي للعبارات. هذه العناصر السمعية تعمل على تمرير الرسالة أو رفضها بناءً على جاذبيتها الحسية، بمنأى تام عن محتواها الفكري والمادي الموضوعي.

المنهج لا الوسيلة:
تفكيك العقلية الكتابية
في المقابل، لا تتأسس "العقلية الكتابية" على مجرد امتلاك الأبجدية والتدوين بحبر وورق. بل على ما تتيحه التكنولوجيا الكتابية من إمكانيات مادية للانفصال عن النص وتأمله كموضوع مستقل. الكتابة تُثبّت الفكرة في المكان بعد أن كانت هاربة في الزمان، مما يؤهل العقل لممارسة النقد، التحليل، والتدبر الهادئ. من هنا، يظهر فارق جوهري: ليست كل رسالة مدونة على الورق أو الشاشات هي رسالة كتابية بالضرورة.
العبرة هنا تكمن في منهج إنتاج الخطاب وليس في وسيط إرساله:
الخطاب الشفاهي المدون: يحتفظ بملامحه الشفاهية البسيطة والإنشائية حتى لو كُتب بحبر على ورق؛ ورواية "البؤساء" لفيكتور هوجو مثلاً، تجسد هذا التدفق العفوي المسترسل بأدوات الحكي الشفاهي المتوارث.
الخطاب الكتابي المنطوق: يظل كتابياً في بنيته التركيبية والتحليلية المعقدة حتى لو أُلقي كخطبة مسموعة أو محاضرة ارتجالية. كمثال رواية "عوليس" لجيمس جويس التي تمثل عملاً كتابياً تركيبياً من الدرجة الأولى، يستحيل استيعابه بالمرور السمعي العابر.
هذا التمايز يمتد بدوره إلى آليات الاستقبال. فالمتلقي ذو التكوين الشفاهي يقرأ النص المكتوب بذات الآلية السماعية المستعجلة، يمر فوق الكلمات دون تمهل، ولا يرتد إلى السطور السابقة ليقارن، يفكك، أو يربط السياقات ببعضها.
الازدواجية اللغوية (Diglossia) كعائق إدراكي
إذا كانت درجة حداثة المجتمعات تقاس بمدى تحول أفرادها نحو العقلية النقدية الكتابية، فإن الطفل في المنطقة العربية يرتطم بعائق بنيوي فريد: اللغة العربية الفصحى.
إن العربية الفصحى ليست "اللسان الأم" (Mother Tongue) لأي شعب من شعوب المنطقة. فالطفل ينشأ حتى سن السادسة في حضن لغة طبيعية، حية، وشفاهية (تُسمى تبسيطاً باللهجة المحلية أو العامية)، وهي لغة تمتلك أنساقها الإدراكية الخاصة. خذ "العامية المصرية" كمثال: هي لغة تستعير مفرداتها الأساسية من العربية، لكنها تُخضعها لقواعد التركيب الجملي والبنية العقلية المستمدة من الإرث الجيولوجي للغة المصرية القديمة. هذا يفسر لماذا قد يعجز الإنسان غير المتعلم عن فهم جملة فصحى مركبة، رغم أنه قد يعرف معاني مفرداتها بشكل منفصل؛ فالأزمة هنا أزمة تركيب وسياق، وليست أزمة قاموس.
عندما يلج الطفل السلم التعليمي، يُطلب منه فجأة أن يمارس تكنولوجيا الكتابة عبر لغة ثانية بديلة ومختلفة. اللغة ليست وعاءً محايداً للأفكار، بل هي التي تشكل الفكر وتحد دلالاته. المشكلة الأعمق هنا ليست مجرد فك الخط، بل في "البنية المعرفية" المختزنة داخل مفردات الفصحى، والتي تطالب التلميذ بتبني أنماط فكرية ومفاهيم تجريدية تفترق -هامشياً أو جذرياً- عن المفاهيم السائدة في مجتمعه الشفاهي الذي يرى الحياة من خلاله.

مبدأ الجهد الأقل (The Principle of Least Effort):
بما أن العقل البشري يميل طبيعياً إلى سلك المسار الإدراكي الأسهل، فإن المتعلم -خاصة في بيئة تغلب عليها الأمية الشفاهية- ينحو إلى الإبقاء على مفاهيمه القديمة المستمدة من لسان أمه. هنا يتجلى "سر" لاجدوى النظم التعليمية السائدة. إذ تظل المعارف الملقنة حبيسة الدفاتر والامتحانات، بينما يمارس الفرد حياته اليومية والاجتماعية بذات المفاهيم الشفاهية البدائية التي نشأ عليها.

تجليات العقلية الشفاهية: من السحر إلى "السوشيال ميديا"
يتضاعف مأزق الشفاهية جراء طبيعة المناهج التعليمية في المنطقة، والتي تقوم أساساً على "الاستظهار" والتلقين لنصوص هُضمت شفاهياً قبل تدوينها. النتيجة المباشرة هي تجريد تكنولوجيا الكتابة من ميزتها الثورية الأولى: صياغة العقل النقدي.
تتعامل العقلية الشفاهية مع الكلمات بوصفها "أجراماً مادية" ذات قوة سحرية، وليست رموزاً اعتباطية دالة على معانٍ. ومن هنا تظهر السلوكيات التالية:
1 القتال بالكلمات: الاكتفاء بالهجاء والمديح، والاهتزاز طرباً للوعود الإنشائية، والجزع المفرط من الكلمات الناقدة.
2 التابوهات اللفظية: التخوف من نطق أسماء الأمراض المستعصية، توهماً بأن الكلمة تحمل ذات طاقة المرض المادية.
3 التحصيل النصي لا الواقعي: بناء الحجج والبراهين على أقوال مأثورة أو نصوص مروية بدلاً من الوقائع المادية والمشاهدات التجريبية.
4 التفكير السحري (الأحجبة والتعاويذ): استخدام الكلمات كأدوات ميتافيزيقية للسيطرة على الطبيعة؛ والتحجيب ليس سوى محاولة لـ "تدوين" الفكرة الشفاهية للاستحواذ على قوتها الكامنة عبر التمائم والرموز.
إن نيل الشهادات الأكاديمية العالية لا يحمي الفرد من "الأمية الفكرية" ما لم يحدث انتقال إبستمولوجي حقيقي نحو الوعي الكتابي؛ فالعقلية الشفاهية تعجز عن تفكيك الأفكار المركبة، وتفتقر لأدوات التحليل، فتختزل الأحداث والظواهر في ثنائيات ضدية حادة وبسيطة: (خير/شر، أسود/أبيض، مع/ضد). وإذا ما واجهت فكرة معقدة، تعمد فوراً إلى إخضاعها لأقرب قالب فكري نمطي مخزّن لديها، مما يفرغ الفكرة الجديدة من محتواها الخلّاق.
ويتضح هذا العجز الإدراكي بجلاء عند تأمل فضاءات التواصل الاجتماعي اليوم. إذ يندر أن نجد تعليقاً يستوعب النص المكتوب برؤية تركيبية شاملة؛ فالقراء الشفاهيون يعمدون إلى اقتطاع جزء صغير صادف هوى أو أثار قالباً مشحوناً في ذاكرتهم، ليصبوا جام غضبهم أو ثنائهم عليه، متجاهلين بقية السياق الفكري كأنه لم يُكتب أصلاً.
خاتمة: الرهان الثقافي القادم
إن معركة التحديث والحرية في المنطقة ليست معركة سياسية لتغيير نظم الاستبداد الفوقية فحسب، ولا هي مجرد خطط اقتصادية لتحسين شروط المعيشة المادية. إن الرهان الحقيقي والجذري يكمن في ثورة البنية الذهنية للوعي: بتجاوز حالة العقلية الشفاهية البسيطة والارتدادية، والعبور نحو نضج العقلية الكتابية التحليلية المعاصرة.
بدون هذا التحول الإدراكي، ستبقى كل مظاهر الحداثة قشوراً تكنولوجية تدير عقلاً شفاهياً قديماً.