السلفية والأرثوذكسية.. القطار يتجه للخلف


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 00:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

منذ فجر الوعي الإنساني، كانت المسيرة البشرية محكومة بسعي حثيث وتوق دائم نحو غد أفضل. إذ تحرك الإنسان مدفوعاً بغريزة الاكتشاف والتطوير، لينتقل من بدائية الكهوف والغابات إلى غزو الفضاء، والهبوط على سطح القمر، والاستعداد لارتياد المريخ. هذه القفزات لم تكن لتتحقق لولا الانحياز للمستقبل، والإيمان بقدرة العقل البشري على التجدد والابتكار.
ومع ذلك، وعلى طول هذا المسار الممتد، كان هناك دوماً تيار معاند يسير في الاتجاه المعاكس. تيار يقتات على الحنين الجارف والارتباط المطلق بالماضي؛ بأفكاره، وبأبطاله الحقيقيين أو الأسطوريين على حد سواء. يتجلى هذا التيار في تقديس "الأمس البعيد" والاعتقاد الإيماني الذي يفتقر للمساءلة العقلانية، بأن النماذج الكاملة للحياة والوعي قد شُيدت هياكلها في غياهب التاريخ، وأن النجاة تكمن فقط في محاكاة حياة الأجداد الأقدمين وطرق تفكيرهم.

النوستالجيا من العاطفة إلى الأيديولوجيا:
إن الحنين إلى الماضي (النوستالجيا) يُعد ظاهرة إنسانية وفطرية؛ فلا بأس أن تداعب المخيلة بين الحين والآخر، ولا ضير في تلك الثيمة الأزلية التي تصوّر الماضي بوصفه "يوتوبيا" مفقودة هرباً من ضغوط الحاضر.

لكن المعضلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الأخيلة العاطفية العابرة إلى أيديولوجيا متحجرة، وعندما يتضخم عدد المؤمنين بيقينيتها ليصبحوا كتلة بشرية حرجة تعيش في الحاضر بأجسادها، وتغترب عنه بعقولها.

في الواقع المصري المعاصر، يتبدى هذا المأزق بوضوح؛ حيث يقع قطاع عريض من المجتمع بين فكيْ كماشة قوامها: "السلفية الإسلامية" و"الأرثوذكسية المسيحية" (بمعناها العقائدي والفكري المحافظ).
هذا التمترس خلف الهويات القديمة أنتج حالة من الارتداد الحضاري والأخلاقي، حيث يبدو المشهد كأن المجتمع ينكفئ على ذاته نحو الخلف، مدفوعاً بجمود الخطاب الديني بشقيه، مما يعوق حركة التقدم ويغرق المجال العام في قضايا وهواجس ماضوية لا صلة لها بتحديات العصر الراهن.
مظاهر المأزق الوجودي
يمكن رصد تجليات هذا المأزق الوجودي في عدة نقاط محورية:
• تغييب العقل النقدي: إحلال النقل محل العقل، والاعتماد على الفتاوى والتعاليم القديمة كحلول جاهزة لمعضلات حديثة ومعقدة.
• الانفصال عن الواقع العالمي: العيش في معزل عن المكتسبات العلمية والقيمية الإنسانية الحديثة، والنظر إليها بعين الريبة والوجل. بل وبالتجريم والتأثيم ووهم الاستعلاء الأخلاقي.
• الهبوط القيمي والحضاري: تراجع الإنتاج الفكري والمعرفي، واستبداله بجدليات طائفية وفقهية وتاريخية عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع.

مآلات الانكفاء ومخرج الطوارئ
إن المأزق الذي تواجهه الهوية المصرية اليوم ليس مجرد تراجع مؤقت. بل هو مأزق وجودي يهدد البنية الثقافية والاجتماعية للبلاد. فالأمة التي تزيد عن مائة مليون نسمة لا يمكنها قيادة مستقبها وهي تنظر في مرآة الماضي فقط.
إن الخروج من هذا "الحضيض الحضاري" يتطلب ثورة ثقافية شاملة، تعيد الاعتبار لقيم العقلانية، والتنوير، والمواطنة، وتفكك سلطة الوصاية الفكرية التي يفرضها الفكر المتشدد بجناحيه. وبغير ذلك، ستبقى السفينة تراوح مكانها، أو تبحر إلى الخلف أو تهبط إلى القاع، في وقت يتسابق فيه العالم نحو آفاق معرفية غير مسبوقة.