تجريم فقه الموت وبطولة الفناء


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 00:35
المحور: قضايا ثقافية     

يغرق الشرق الأوسط في مستنقع فكري وأيديولوجي سحيق، يتمثل في هيمنة ثقافة جمعية خطيرة: تقديس الموت وتمجيد الفناء.

لقد تحولت المنطقة، على اختلاف أديانها وطوائفها وتوجهاتها السياسية، إلى مصنع لإنتاج "أيقونات الموت". حيث تُقاس الوطنية أو الإيمان بمدى رغبة الفرد في أن يُقتل، وبمدى زُهده في الحياة، وتطلعه لعالم آخر، وإن اختلفت معالمه وإغراءاته ومظاهر نعيمه من دين إلى آخر!!
وطبيعي أن من يقدسون الموت أن تتحول بلادهم لمقابر وخرائب!!
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب ثورة فكرية وتشريعية جريئة، تبدأ من تجريم تمجيد ثقافة الموت بجميع أشكالها الرمزية، والفنية، والخطابية.

1. تجريم الشعارات السياسية الانتحارية. فلعقود طويلة، ترصعت المناهج الدراسية، والخطابات الحماسية، والهتافات الثورية بشعارات تلغي قيمة الإنسان ككائن حي منتج.
نموت نموت ويحيا الوطن: شعار تردده الأجيال بحماس أعمى، دون الالتفات إلى المفارقة الصارخة: كيف سيحيا الوطن إذا مات مواطنوه؟
الوطن ليس تراباً قاحلاً أو حدوداً وهمية، بل هو الإنسان. تجريم مثل هذه هذا الهتافات هو خطوة أولى لإعادة تعريف الوطنية.
فالوطن يحتاج إلى أحياء يبنونه، يبتكرون فيه، ويعمرونه، لا إلى جثث توارى تحت ثراه. يحتاج لمزارعين وعمال مهرة ومدرسين. وليس إلى قتلة وانتحاريين!!
القتال حتى آخر رجل: هذه العبارة العدمية التي يرددها القادة من خلف مكاتبهم المُكيفة، تحول الشعوب إلى وقود لمعارك صفرية. إنها دعوة صريحة للإبادة الجماعية الذاتية، وتحويل المدن إلى مقابر مفتوحة، بدلاً من البحث عن حلول سياسية ودبلوماسية تحقن الدماء.

2. تفكيك "رومانسية الموت" في الفن والثقافة الشعبية
لم تكن السياسة وحدها من رَوَّج للموت، بل شارك الفن بوعي أو بدون وعي في صياغة "رومانسية الفناء". امتدت هذه الثقافة لتتغلغل في الوجدان الشعبي عبر الأغاني والأشعار.

لعل أبرز تجليات هذا الشحن العاطفي هو ما غناه عبد الحليم حافظ في واحدة من أشهر أغانيه الوطنية:
"لو مت يا أمي ماتبكيش، راح اموت علشان بلدي تعيش، وإن طالت يامه السنين، خاللي اخواتي الصغيرين يكون زيي فدائيين"!!

هذا النص يمثل خطراً فكرياً ممتداً. إنه يورّث الموت للأجيال القادمة، ويجعل من "الفداء بالدم" هو مستقبل ووظيفة الطفل العربي.
يجب تجريم وتفكيك هذا الخطاب الذي يحرم الأمهات من حق الحزن، ويُجنّد الأطفال -حتى في الخيال الفني- ليكونوا مشاريع جثث مؤجلة.
وعندما يُسَخَّر صوت فيروز الملائكي لنشر ثقافة الحرب والقتل لتقول:
"أصبح عندي الآن بندقية. أصبحت في قائمة الثوار. . إلى فلسطين خذوني معكم"!!
وها نحن نرى نتائج هذه البندقية ورحلتها إلى فلسطين ولبنان، في مقابر وخرائب غزة وجنوب لبنان!!
ولدينا أيضاً الأناشيد والحماسيات الإيديولوجية الحديثة التي تتردد في أروقة الفصائل والمليشيات الشرق أوسطية (مثل أناشيد "عشاق الشهادة" أو "سوف نخوض معاركنا معكم")، والتي تغسل أدمغة الشباب وتصوّر لهم أن أشلاءهم المتناثرة هي بوابة العبور للمجد.
وهكذا يُربط الشرف بالبندقية والرصاص فقط. وتُهمش أقلام العلماء، ومشرط الطبيب، وفأس الفلاح.

3. مواجهة الخطاب الديني "اللزج" والزاهد في الحياة
لا يقتصر مستنقع الموت على الأيديولوجيات السياسية والقومية العدوانية. بل يجد مسانداً له أيضاً في الخطابات الدينية السلبية والانسحابية من الحياة. التي تنظر إلى الأرض كـ "دار ممر قذرة"، أو "دار غُربة"، وإلى الموت كـ "غاية المبتغى".
في الفكر المسيحي الوعظي يبرز الخطاب اللزج والمفرط في في السلبية والانسحابية للوعاظ، الذين يرددون بحماس مفتعل ولزج مقولة بولس الرسول: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً".
تحولت هذه الآية إلى دعوة للزهد السلبي في الحياة، والهروب من مسؤوليات إعمار الأرض، وانتظار الموت بشغف مرضي. وكأن الوجود الإنساني خطأ يجب التعجيل بالخلاص منه. أو أن الموت هو الهدف الذي نسعى إليه في حياتنا!!
في الفكر الإسلامي الحركي: تبرز المقابل الموضوعي لهذا الخطاب في أدبيات جماعات الإسلام السياسي والمجموعات المتطرفة التي رفعت شعار: "صناعة الموت" أو "نحن قوم نحب الموت كما تحبون أنتم الحياة". هذا الخطاب يحول الانتحار والإرهاب إلى "فقه" يُدَرَّس، ويعد الشباب بالحور العين والجنة فور تخلصهم من أجسادهم.
وسواء كان الموت الذي يتم تجميله هو أن تكون "قاتلاً ومقتولا"، أو أن تكون فقط "مقتولاً" سلبياً، فان الخطابان يلتقيان في تمجيد الموت!!

4. تجريم العداء اللدود والحرب إلى الأبد.
ارتبطت ثقافة الموت بـ تخليد الصراعات. في الشرق الأوسط، يُنظر إلى السلام كأنه "خيانة" وإلى التسوية كأنها "ضعف". هناك رغبة عارمة في استدامة الحروب إلى الأبد، ورفض قاطع لغلق دفاتر الدم القديمة.
إن تجريم خطاب "الحرب الأبدية" و"العداء الوجودي غير القابل للحل" هو السبيل الوحيد لإعطاء فرصة للأجيال الحالية والقادمة لكي تتنفس وتستقر.

خاتمة: ثورة من أجل "الحياة"
إننا موجودون في هذه الحياة لنعيشها، لنكتشفها، لنبنيها، ولنترك بصمة حضارية فيها، وليس لنموت وتأكل أجسادنا الديدان، تحت شعارات رنانة لم تطعم جائعاً ولم تبنِ مدرسة.

إن تجريم تمجيد ثقافة الموت ليس تقييداً لحرية التعبير، بل هو دفاع مشروع عن حق الإنسان الأول: الحق في الحياة. يحتاج الشرق الأوسط إلى قوانين صارمة تُجرّم تحبيذ الفناء، وإلى مناهج تعليمية تحتفي بالعالِم، والمبتكر، والفنان، والمهندس. يجب أن ننتهي من ثقافة "مات بطلاً". لنبدأ ثقافة "عاش بطلاً وصنع الحياة".