أسطبلات أوجياس الحديثة: عندما يصبح -الروث الفكري- مقدساً


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 09:51
المحور: قضايا ثقافية     

"مِنْ لَا يَتَخَلَّصُ بِاسْتَمْرَارِ،
ممَّا صَارِ نَفَايَاتُ فَاقِدةُ الصَّلَاحِيَّةُ،
يُصِيْرُ هُوَ ذَاتهُ مَعَ الْوَقْتِ بَعْضًا مِنَ النَّفَاياتِ."

مدخل: عن مسرحية "هرقل في الحظيرة"
تدور أحداث مسرحية "هرقل في الحظيرة" للكاتب السويسري فريدريش دورينمات حول البطل الأسطوري "هرقل" الذي يتم استدعاؤه لتنظيف حظائر الملك "أوجياس" التي تراكم فيها الروث لسنوات طويلة. لكن المفاجأة الصادمة هي أن هرقل، بكل قوته الخارقة، يقف عاجزاً ومشلولاً تماماً؛ ليس بسبب ثقل القذارة، بل أمام جدار البيروقراطية، واللجان السياسية، والمصالح الحزبية التي ترفض التغيير، حيث استمرأ الناس والسياسيون العيش في تلك القذارة وتحولت لديهم إلى "وضع راهن" يُمنع المساس به.

في هذه المفارقة الساخرة التي قدمها دورينمات، نجد التشخيص الأدق للواقع السياسي والفلسفي الذي تعيشه المجتمعات البشرية عندما تفقد أفكارها وعقائدها صلاحيتها التاريخية، وتتحول إلى عبء مادي ونفسي يُعيق أي بادرة للتقدم.
1. القمامة التاريخية: العقائد منتهية الصلاحية
في المسار الفلسفي لتطور المجتمعات، تولد الأفكار والعقائد السياسية والاجتماعية كأدوات استجابة لتحديات زمنية معينة. كانت فكرة ما قد تشكل حلاً عبقرياً في القرن الثامن عشر أو العشرين، لكن إعادة إنتاجها اليوم دون تغيير يحولها تلقائياً إلى "نفايات فكرية".
إن تكدّس الأفكار القومية الشوفينية، أو النماذج الاقتصادية البالية، أو التفسيرات الدينية القروسطية في فضاء العصر الحديث يشبه تماماً تراكم الفضلات في حظائر "أوجياس". مكان هذه الأفكار الطبيعي هو سلة مهملات التاريخ، لأنها لم تعد قادرة على إنتاج حلول، بل أصبحت هي نفسها "المشكلة" التي تسمم الهواء السياسي وتعيق التفكير العقلاني.
2. دهاقنة المعبد وسدنة القذارة
لماذا تفشل المجتمعات في رمي هذه القمامة الفكرية؟ هنا يظهر دور من يمكن تسميتهم بـ "كهنة وسدنة الأفكار البالية".
إن أي منظومة أفكار منتهية الصلاحية تُنتج خلفها طبقة مستفيدة؛ دهاقنة سياسيون، ومؤسسات تقليدية، ومنظرون يعتاشون على بقاء الوضع الراهن. بالنسبة لهؤلاء، فإن عملية "التنظيف" أو التجديد الفلسفي ليست مجرد تغيير في الأفكار، بل هي تهديد وجودي لمكتسباتهم وسلطتهم المادية والمعنوية.
لذلك، يمارس هؤلاء الكهنة عملية "تسامٍ زائف" للقمامة الفكرية، فيقومون بـ:
تقديس المتهالك: إحاطة الأفكار الميتة بهالة من القداسة الوطنية أو الدينية، بحيث يصبح انتقادها أو محاولة التخلص منها "خيانة" أو "كفراً".
صناعة الخوف: إيهام الجماهير بأن التخلص من هذا الروث الفكري سيؤدي إلى انهيار السقف فوق رؤوس الجميع، وأن "القذارة المألوفة أفضل من النظافة المجهولة".
3. معضلة "هرقل" الحديث: شلل أدوات التغيير
فلسفياً، تعاني قوى التغيير الحديثة من نفس الأزمة التي واجهها هرقل في المسرحية. يمتلك المصلحون أو المفكرون التنويريون "الإرادة والقوة" لتجريف الأفكار البالية، لكنهم يجدون أنفسهم محاصرين بآليات النظام القديم: بقوانينه البيروقراطية، وإعلامه الموجه، وجماهيره التي تم غسل دماغها لتدافع عن قيودها.
عندما تُقاد المجتمعات بعقائد انتهت صلاحيتها، يتحول الفعل السياسي من أداة لبناء المستقبل إلى عملية "إدارة للأزمة" ومحاولة تجميل للروث بدلاً من إزالته. تصبح الدولة والمجتمع في حالة شلل، تُهدر فيها الطاقات في نقاشات بيزنطية حول قضايا ماتت إكلينيكياً منذ عقود.

خاتمة:
إن مواجهة أزمات العصر الحديث بأدوات فكرية وعقائدية متوارثة ومنتهية الصلاحية هي انتحار حضاري معلن. لن ينظف "هرقل" الحظيرة ما دام الكهنة يمتلكون سلطة إعلان الروث مقدساً. التغيير الحقيقي لا يبدأ من تجريف النفايات السياسية والاجتماعية فحسب، بل من نزع القداسة عن "الأفكار الميتة" وجرأة المجتمعات على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية: فما شاع واستقر وفسد، مكانه الطبيعي هو القمامة، وليس سدة الحكم أو منابر التوجيه.