الحرية لماذا ليست الفوضوية


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 00:58
المحور: قضايا ثقافية     

"الحرية لا تعني الفوضى إلا عند الفوضويين. فهي محكومة بالقوانين الطبيعية والبيولوچية. وبالقوانين الاجتماعية التي تمنع حريتك من الجور على حرية من حولك."

منذ فجر التاريخ، كانت "الحرية" هي الكلمة الأكثر سحرًا وإثارة للجدل في القاموس الإنساني. لأجلها خيضت الحروب، وسُطّرت الدساتير، وقُدّمت التضحيات. ومع ذلك، فإن هذا المفهوم النبيل غالبًا ما يتعرض للتشويه أو إساءة الفهم، حيث يخلط البعض—عن قصد أو دون قصد—بين الحرية المطلقة والفوضى العارمة.
الحقيقة الراسخة هي أن الحرية لا تعني الفوضى إلا عند الفوضويين. فالحرية الحقيقية ليست حالة من الانفلات السلوكي الأخلاقي، بل هي منظومة واعية محكومة بضوابط صارمة تضمن استمراريتها؛ منظومة تحكمها القوانين الطبيعية من جهة، والقوانين الاجتماعية والتشريعية من جهة أخرى، لكي تمنع حرية الفرد من الجور على حرية الآخرين.

أولاً: الحرية والقوانين الطبيعية (الخضوع لنواميس الكون)
قبل أن يتحدث الإنسان عن حريته في المجتمع، هو محكوم أولاً بـ القوانين الطبيعية والبيولوجية التي لا يملك الفكاك منها. فالكون لا يعيش حالة من الفوضى، بل يتحرك وفق نظام دقيق وصارم.
الحدود الفيزيائية والبيولوجية: الإنسان حر في تفكيره واختياراته، لكنه ليس حرًا في الطيران بجسده دون أدوات، أو العيش دون أكسجين، أو تجاهل جاذبية الأرض.
حرية الاختيار لا تلغي النتيجة: أنت حر في أن تقفز من مكان مرتفع، لكنك لست حرًا في تجنب النتيجة الحتمية للسقوط. هنا تخبرنا الطبيعة بأن كل فعل له رد فعل، وأن "الحرية" تقع دائماً في مساحة الاختيار الواعي، بينما "النتيجة" تخضع لقوانين صارمة لا تحابي أحداً.
وبالتالي، فإن فكرة التحرر الكامل من كل قيد هي وهم يتناقض مع طبيعة الوجود نفسه.

ثانياً: القوانين الاجتماعية والتشريعية (حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين)
إذا كانت القوانين الطبيعية تحكم الجسد والكون، فإن القوانين الاجتماعية والتشريعية هي التي تحكم العلاقات بين البشر. لولا هذه القوانين، لتحولت المجتمعات إلى "غابة" يلتهم فيها القوي الضعيف تحت مسمى "الحرية المطلقة".
لقد صاغ الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو مفهوم "العقد الاجتماعي"، والذي يتنازل فيه الأفراد عن جزء من حريتهم المطلقة (البدائية) لصالح سلطة مشتركة، مقابل الحصول على الأمان والعدالة وحماية حقوقهم.

القاعدة الذهبية للحرية: "تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين".

أنت حر في الاستماع إلى الموسيقى في بيتك، لكنك لست حرًا في رفع صوتها ليلاً لإزعاج جيرانك. أنت حر في قيادة سيارتك، لكنك مجبر على الالتزام بإشارات المرور لكي لا تودي بحياة الآخرين. هنا نرى كيف أن القانون لا يأتي ليخنق الحرية، بل ليحميها ويمكّنها.

ثالثاً: المغالطة الفوضوية (لماذا يخطئ الفوضويون؟)
يرى الفوضويون (أو أصحاب النزعات الراديكالية في التحرر) أن أي شكل من أشكال القوانين أو السلطة هو أداة للقمع. وينطلقون من فرضية خاطئة مفادها أن الإنسان يولد خيِّراً بالمطلق، وأنه لو تُرِك بلا ضوابط لعاش في سلام تام.
إلا أن التاريخ والواقع يثبتان العكس:
1. غياب القانون يعني سيادة القوة: في غياب التشريعات، لا تتحقق حرية الجميع، بل تتحقق "حرية الأقوياء والبلطجية" فقط في اضطهاد الضعفاء.
2. تحول الحرية إلى عبودية: الفوضى تؤدي إلى الخوف، والخوف يدفع البشر في النهاية إلى التخلي عن كل حرياتهم مقابل الحصول على الأمان (كما يحدث في الحروب الأهلية والدول الفاشلة).

رابعاً: المسؤولية هي الوجه الآخر للحرية
لا يمكن فصل الحرية عن المسؤولية. هما وجهان لعملة واحدة؛ فالحرية دون مسؤولية هي مراهقة فكرية وسلوكية. عندما تملك خيار الفعل، فأنت تتحمل عواقب هذا الفعل أخلاقياً وقانونياً.
المجتمعات المتقدمة لا تُقاس بمدى غياب القوانين فيها، بل بمدى وعي أفرادها بـ الرقابة الذاتية. فعندما يصبح احترام حق الآخر نابعاً من وعي داخلي وليس فقط خوفاً من عقاب الشرطة، نكون قد وصلنا إلى أرقى درجات ممارسة الحرية.

إن الحرية ليست هدمًا للأسوار لكي يهيم الإنسان على وجهه في صحراء التيه، بل هي القدرة على الحركة بأمان داخل إطار يحمي الجميع. هي نهر يتدفق بعذوبة بفضل ضفافه؛ فإذا هدمنا الضفتين بحجة "تحرير النهر"، تحول إلى فيضان مدمر يغرق الأرض ويفقد النهر هويته.
الحرية الحقيقية هي حرية مسؤولة، واعية، ومحكومة بالمنطق. هي التي تبني الأوطان وتصون كرامة الإنسان، أما الفوضى فليس لها من نتيجة إلا الهدم، ولا يطالب بها إلا من عجز عن فهم عمق المسؤولية الإنسانية.