إسرائيل. . ذلك الكيان الدخيل!!


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 22:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

معجزة الواحة: كيف صنعت الحداثة واقعاً جديداً في قلب البيئة الصعبة؟

في فلسفة التاريخ، لا تُقاس عظمة المشاريع السياسية والحضارية بمدى سهولة الظروف التي نشأت فيها، بل بقدرتها على تطويع تلك الظروف وخلق واقع متطور من نقطة الصفر.

إن إقامة دولة في بيئة جغرافية قاسية ومحيط جيوسياسي مركب لم يكن مجرد استجابة لنزعة عاطفية أو نوستالجيا تاريخية، بل كان اختباراً حقيقياً لقدرة الإرادة البشرية على تحويل "الصحراء القاحلة" إلى واحة نابضة بالحداثة والتقدم العلمي وسط محيط كبّلته قرون من الركود والتخلف.

1. ما وراء الرمزية: تحويل التاريخ إلى وقود للمستقبل
لقد منحت العودة إلى الأرض التاريخية هذا المشروع رافعة دعائية وروحية هائلة، دغدغت المشاعر العميقة للشعب المنتشر في "الشتات"، وصنعت هوية جامعة ومحفزة. لكن العبقرية الحقيقية لم تقف عند حدود استغلال "النوستالجيا"، بل تمثلت في تحويل تلك الطاقة الروحية العاطفية إلى طاقة إنتاجية وعلمية هائلة.
الشرعية الروحية لم تُستخدم كأداة تخدير. بل كانت المحرك النفسي الذي جعل شعباً بأكمله يتقبل التحدي، ويصر على بناء دولة ديمقراطية ومؤسساتية متطورة في بقعة جغرافية اعتقد الكثيرون أن الحياة الحديثة فيها شبه مستحيلة.

2. قهر الجغرافيا: صناعة واحة الحداثة من العدم
هو الوصف للصورة المجازية لبيئة أشبه ب "صحراء مليئة بالأخطار". يعكس هذا حجم التحدي الطبيعي والبشري. لكن ماحدث أنه بدلاً من الاستسلام لهذا الواقع، وفشل المشروع بكامله كما أراد محيطه، تم التعامل مع عناصر المقومة كحافز للجهد الاستثنائي وللابتكار:
تطويع الطبيعة: تحولت الشواخص الصحراوية القاحلة بفضل تكنولوجيا الزراعة المتقدمة، وتحلية المياه، وإدارة الموارد الشحيحة إلى أراضٍ خضراء تصدّر الغذاء والمعرفة للعالم.
الريادة التكنولوجية: ندرة الموارد الطبيعية دفعت بالدولة للاستثمار في "رأس المال البشري"، لتتحول إلى قطب عالمي في مجالات الطب والزراعة والبرمجيات، الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني (تأصيل مفهوم دولة الشركات الناشئة).

إن هذه "الواحة الحضارية" لم تكتفِ بالكفاح من أجل مجرد البقاء. بل قدمت نموذجاً حداثياً صارخاً يثبت أن العقل والتنظيم هما الثروة الحقيقية، وليس النفط أو المساحات الشاسعة أو مئات الملايين من البشر.

3. الاستنفار الدفاعي كدرع للتميز وبناء القوة
صحيح أن الوجود في محيط مشحون برفض أيديولوجي ومقدس، يفرض حالة استنفار دائم وتكلفة دفاعية باهظة، إلا أن هذا التحدي الوجودي يدار بكفاءة استثنائية. لم يتحول الاستنفار إلى أداة لإنتاج نظام عسكري شمولي، كذاك الذي يمسك بين أنيابه برقاب شعوب الجوار. بل ظل متوازناً مع صيانة الحريات المدنية، والتعددية السياسية، والتفوق العلمي.
علاوة على ذلك، تحول هذا العبء الدفاعي إلى قاطرة للاقتصاد؛ فالحاجة الابتكارية العسكرية ولّدت صناعات تكنولوجية مدنية فائقة التطور، مما جعل منظومة الدفاع درعاً لحماية نمط الحياة الحديثة المتطورة ووسيلة لفرض الاعتراف بالدولة كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.
الخلاصة
لقد أثبتت التجربة أن الحداثة قادرة على فرض شروطها، وأن "واحة التطور" لا تحمي نفسها بالسلاح والتحصينات فحسب، بل بكونها منارة علمية واقتصادية تصنع المستقبل، بينما لا يزال محيطها غارقاً في أوهام الماضي وصراعاته المعطلة للتنمية.