إشكالية استقلالية العلم
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 09:00
المحور:
قضايا ثقافية
معضلة التمويل، الضغط المؤسسي، والانحياز الأيديولوجي
تتأسس الموثوقية المعرفية للمنهج العلمي على ركيزة بنيوية واحدة: الموضوعية الإبستمولوجية؛ أي دراسة الظواهر الطبيعية بناءً على رصد الأدلة التجريبية الخاضعة للتكرار والقياس الكمي، بمعزل عن الغايات السياسية، المنظومات الأخلاقية، أو الضغوط الثقافية السائدة في عصر ما.
ومع ذلك، فإن العلم لا ينشأ في فراغ معزول؛ فالعلماء أفراد يتأثرون ببيئاتهم، والمؤسسات البحثية تعتمد ماليًا ووظيفيًا على منظومات تمويل وإشراف حكومية أو خاصة. عندما تصبح الأبحاث العلمية أداة لتبرير أو دحض قضايا أيديولوجية (سواء كانت يمينية محافظة أو يسارية لبرالية)، فإن المنهج التجريبي يتعرض لعملية "توجيه" تؤدي إلى خلل في نزاهة النتائج وتضر بثقة المجتمعات في العلم كمرجعية معرفية.
1. التنوع الجيني البشري ومحددات السلوك: بين التصنيف البيولوجي والصوابية السياسية
شهدت دراسة الاختلافات البيولوجية بين المجموعات البشرية تاريخاً طويلاً من الأدلجة؛ بدأت في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين بمحاولات حثيثة لتبرير التفوق العرقي عبر قياسات جمجمية وأبحاث تفتقر للصرامة (مثل حركة التحسين النسيلي Eugenics).
وفي المقابل، يواجه البحث العلمي المعاصر ضغطاً أيديولوجياً معاكساً ينطلق من "الصوابية السياسية" (Political Correctness) التي تدفع نحو الإنكار المطلق لأي تمايز بيولوجي بين المجموعات السكانية، واعتبار "العرق" مجرد وهم أو بناء اجتماعي خالص.
2. الواقع التجريبي والمحددات الجينية:
بنية السلف الجغرافي (Biogeographic Ancestry): يثبت علم الجينات والطب الجينومي الحديث وجود اختلافات بنيوية صلبة ومقيسة بين المجموعات البشرية بناءً على أصولها الجغرافية التطورية. هذه الاختلافات تظهر في تباين الطفرات الوراثية، ومستويات التعرض للأمراض، والاستجابات الحيوية للأدوية (Pharmacogenomics).
3. إشكالية الفروق المعرفية والسلوكية: عند دراسة المتغيرات المعقدة مثل القدرات الإدراكية أو الذكاء عبر المجموعات البشرية، تبرز معضلة منهجية كبرى؛ وهي استحالة عزل "المتغير الجيني الصافي" عن المتغيرات البيئية، والسياقات الاقتصادية، والتعليمية، والصدمات التاريخية. الصرامة العلمية تقتضي الإقرار بأن البيانات الحالية لا تتيح الجزم بتفوق أو تدني جيني بنيوي لمجموعة على أخرى في الخصائص المعرفية، كما أنها في الوقت ذاته لا تسمح بالادعاء الأيديولوجي بأن جميع المجموعات البشرية متطابقة بيولوجياً في سائر الصفات السلوكية والنفسية.
ومع ذلك فالانتاج الحضاري متعدد المستويات، لمختلف الأجناس والأعراق، يعطي مؤشرات لا يمكن تجاهلها لتباين ذكاء وقدرات مختلف الشعوب. رغم تدخل عوامل بيئية وجغرافية وغيرها.
4. السلوك الجنسي البشري: معضلة النمذجة البيولوجية والقرار المؤسسي
تُمثل دراسة السلوك والتوجّه الجنسي، وتحديداً المثلية الجنسية، نموذجاً صارخاً لكيفية تداخل الضغط السياسي والاجتماعي مع الصياغة العلمية والطبية، حيث يسعى كل تيار فكري لانتزاع "صك شرعية علمي" يدعم موقفه.
مراجعة البيانات والمنهجية:
البنية الجينية والبيئية المعقدة: حسمت الدراسات الجينية واسعة النطاق (مثل الدراسة الشاملة المنشورة في مجلة Science عام 2019 والتي حللت بيانات حوالي نصف مليون فرد) عدم وجود ما يسمى بـ "جين المثلية الواحد" (No single gay gene). وأظهرت النتائج أن السلوك يتأثر ببنية وراثية متعددة العوامل (Polygenic) تساهم بنسب تتراوح بين {8%} إلى {25%} فقط من التباين في السلوك الجنسي، بينما تظل النسبة الأكبر خاضعة لعوامل بيئية، هرمونية أثناء التكون الجنيني، وسياقات نمائية واجتماعية معقدة لم يتم فك شفرتها بالكامل بعد.
مغالطة الاحتكام إلى الطبيعة (Appeal to Nature): يستشهد الخطاب الأيديولوجي السائد برصد سلوكيات جنسية مثلية لدى بعض الأنواع الحيوانية كدليل على "طبيعية السلوك". من الناحية المنهجية، يُعد هذا توظيفاً أيديولوجياً مجتزأً؛ إذ إن رصد سلوك في الطبيعة لا يحمل في ذاته أي قيمة أخلاقية أو تبريرية (إيجاباً أو سلباً) للسلوك البشري، فالطبيعة الحيوانية تحتوي أيضاً على سلوكيات كافتراس المواليد وإبادة الجماعات المنافسة، وهي سلوكيات لا يمكن اتخاذها مرجعية قيميّة للبشر.
تسييس الإجراء الإكلينيكي: إن قرار الجمعية الأمريكية للطب النفسي {APA} عام 1973 بإلغاء المثلية الجنسية من دليل الاضطرابات النفسية {DSM} لم يكن نتاج تحول مختبري مفاجئ أو أدلة تجريبية حاسمة ظهرت في ذلك العام، بل جاء سياقاً لضغوط سياسية، واحتجاجات حقوقية، وصراعات فكرية حادة داخل أروقة الجمعية نفسها. الإقرار بهذه الخلفية التاريخية لا يعني بالضرورة خطأ القرار أو صوابه طبيّاً، ولكنه يكشف زيف السردية التي تصوّر المؤسسات الطبية ككيانات معزولة تماماً عن الحراك السياسي والفكري لعصرها.
5. آليات الفلترة والأدلجة في الأكاديميا الحديثة
تتخذ الأدلجة في العلم المعاصر شكلاً هيكلياً غير مباشر، يتمثل في منظومة الحوافز والقيود التي تحكم مجتمع البحث العلمي:
انحياز النشر (Publication Bias): تميل الدوريات العلمية الكبرى إلى قبول الأبحاث التي تتماشى نتائجها مع السرديات الثقافية والسياسية المهيمنة، بينما تواجه الأبحاث التي تسفر عن نتائج "غير مريحة" سياسياً رفضاً أو تدقيقاً تعجيزياً.
التمويل المشروط: توجه الجهات المانحة —حكومية كانت أم تابعة لمنظمات ومؤسسات معينة— تمويلها نحو مشاريع بحثية تخدم أجندات أو توجهات اجتماعية واقتصادية محددة، مما يدفع الباحثين تلقائياً لتكييف فرضياتهم لتأمين البقاء الوظيفي لمختبراتهم.
ثقافة الإلغاء الأكاديمي (Cancel Culture): يتعرض العلماء الذين يتوصلون إلى بيانات تخالف "الإجماع الأيديولوجي المعاصر" لضغوط مهنية تصل إلى سحب التمويل، أو المنع من النشر، أو الإقصاء من المناصب الأكاديمية، مما يخلق مناخاً من "الرقابة الذاتية" (Self-Censorship) تدفع الباحثين لتجنب الخوض في قطاعات بحثية معينة.
خلاصة
إن الصرامة العلمية تقتضي التمييز الحازم بين العلم كوصف وتقصٍّ للواقع الطبيعي، وبين الأيديولوجيا كصياغة لما يجب أن يكون عليه المجتمع. عندما تتحدث المؤسسات العلمية بلغة السياسة، أو عندما تُصاغ المراجع العلمية لتلائم اتجاهات ثقافية معينة، يفقد العلم أثمن ما يملك: القدرة على مراجعة الذات وتصحيح المسار بناءً على الدليل وحده. إن حماية استقلالية البحث التجريبي تتطلب تفكيك هذه الضغوط المؤسسية والمالية، وإبقاء باب النقد المعرفي مفتوحاً دون خوف من الوصم الفكري أو الإقصاء الوظيفي.