صمود التنين وتبخر آمال الحداثة


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 10:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

شهدت الحقبة الأخيرة تدفقاً من الأطروحات والنظريات التي بشرت بـ "شرق أوسط جديد". شرق أوسط يتجاوز إرث الصراع والحروب، ويستبدل خنادق المواجهة بجسور التجارة، والتكامل الاقتصادي، والتعاون الإقليمي الشامل.
كانت الآمال معقودة على أن الإنهاك الطويل من الصراعات والعداء، سيقود في النهاية إلى تغليب لغة العقل والمصلحة المشتركة، لبناء بيئة مستقرة تليق بالإنسان في هذه المنطقة.
لكن القراءة الواقعية للمشهد الراهن، وصمود نظام الملالي في إيران أمام ضربات الخارج وثورات الداخل، تصدم هذه التطلعات. وبدلاً من الانطلاق نحو آفاق مستقبل واعد لشعوب المنطقة، نجد أنفسنا أمام حقيقة قاسية: الآمال تتبخر، والمنطقة تنزلق مجدداً نحو مربع التوجس الدائم، ويعود ضخ الدماء في شرايين تيارات الكراهية والتعصب، وتجد التنظيمات المتطرفة بيئة مثالية للمزيد من النمو والانتشار.

وراء تبخر حلم التكامل وتكريس عقلية "البلطجة الإقليمية"، ليس غياب الرغبة في السلام لدى شعوب المنطقة. بل هو إصرار بعض القوى الإقليمية المتعاطفة والمتحالفة مع نظام الملالي في إيران، على مداومة حالة العداء والصراع الصريح أو المضمر، وتبني إستراتيجية "فرض النفوذ بقوة السلاح" وزراعة التنظيمات العميلة، كمنهج أساسي في التعامل مع الجوار.
عندما تُدار العلاقات الدولية بعقلية الميليشيات والوكلاء، وبثقافة الابتزاز والتهديد المستمر للأمن القومي والبحري والمائي للجيران، يسقط مفهوم "الجوار الاستراتيجي"، ليحل محله مفهوم "البلطجي الإقليمي"، الذي يفرض سطوته بالخوف والتخويف.

هذا السلوك لا يُنتج استقراراً، بل يفرض "أمر واقع" مشوهاً، ويجبر بقية الأطراف، وفي مقدمتها دول الخليج، على البقاء في حالة استنفار وتوجس مستمر، مما يجعل الاستثمار في مشاريع التكامل الاقتصادي أو الثقافي مجازفة غير محسوبة العواقب.
كما أن التوجس الدائم يخلق تربة خصبة للكراهية والتعصب. فغياب الردع الحقيقي لهذه القوى وتخاذل المجتمع الدولي عن صياغة معادلة توازن واضحة، يخلق فراغاً أمنياً ونفسياً خطيراً. وفي ظل هذا الفراغ، يصبح التوجس والخوف والاستنفار الدائم هو الحاكم لوعي الشعوب وصناع القرار على حد سواء.
هذا الخوف المستدام يؤدي حتماً إلى نتائج كارثية على البنية الفكرية والاجتماعية للمنطقة:
- انتعاش الخطاب الشوفيني والديني المتطرف:
عندما يشعر الإنسان بالتهديد الوجودي المستمر، يميل غريزياً إلى التقوقع داخل هوياته الفرعية (الطائفية، العرقية، أو القومية المتعصبة)، مما يضعف تيار العقلانية والاعتدال.
- تغذية تيارات الإرهاب:
تعيش التنظيمات الإرهابية والمتطرفة على الصراعات والاضطرابات. فكلما زادت حدة الشعور بالظلم، والتهديد، وغياب الأفق السياسي والتنموي، سهُل على هذه الجماعات تجنيد العقول ونشر أدبيات الكراهية والتعصب، مستغلة رغبة البعض في الانتقام أو البحث عن حماية واهمة تحت رايات متطرفة.

هو الصراع المحتدم بين ثقافتين.. ثقافة الموت، وثقافة الحياة.
المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط اليوم ليست مجرد صراع على حدود سياسية أو حقول غاز. بل هي أعمق من ذلك بكثير. إنها معركة ثقافية وفلسفية بين مشروعين:

أولاً: مشروع نظام الملالي وأذرعه (ثقافة الموت وفكر الهيمنة)
المرتكزات: يقتات هذا المشروع على صناعة الأزمات، والحروب، وصناعة الرهائن، وترويج نزعات الكراهية والابتزاز السياسي والعسكري المستمر. وذلك لما يسمية في استراتيجيته تصدير الثورة الإسلامية لمحيطه.
أدوات التنفيذ: يستثمر بشكل كلي في السلاح، وتمويل المليشيات، وتأجيج الأحقاد والنزاعات الطائفية لزعزعة استقرار المجتمعات.
النتائج على الشعوب: يستبد بالشعب الإيراني في الداخل ويصادر حرياته، ويبدد مقدراته وثرواته الوطنية لتدمير الخارج ونشر القلاقل.

ثانياً: مشروع البناء والسلام واستقرار الإنسان (ثقافة الحياة)
المرتكزات: يسعى هذا المشروع لتهيئة بيئة حقيقية قائمة على التنمية، والابتكار، والتعليم، والانفتاح على العصر.
أدوات التنفيذ: يرتكز على رؤية حديثة ترى أن قوة الأوطان الحقيقية لا تُقاس بترسانات السلاح، بل بجودة حياة مواطنيها وازدهارهم واستقرارهم. وعلى سيادة السلام والتعاون والتكامل بين جميع دول المنطقة، عبر ماصار يعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية.
النتائج على الشعوب: يهدف إلى جعل المنطقة بأسرها مركزاً حيوياً للتكامل الحضاري والاقتصادي والتعاون المشترك.

إن استمرار وصمود نظام الملالي الإيراني بعقليته الحالية، يعني حكماً بالإعدام على أي بارقة أمل لشرق أوسط جديد. حيث تُسحق كرامة الإنسان وتتبدد ثروات الشعوب في معارك عبثية لا تخدم سوى بقاء سلطة أيديولوجية معزولة.

إن الرهان على تغلب العقلانية على المشهد، أو إمكانية التعايش والتكامل مع نظام الملالي قد أثبت عقمه. فالأمل في ولادة شرق أوسط جديد، يسوده التعاون والتكامل، كان ولا يزال رهناً بـ "قتل هذا التنين" من خلال تحرير الشعب الإيراني من الاستبداد، وتجفيف منابع تمويل أذرعه الإرهابية في الدول المحيطة.

إن السلام الحقيقي لن يصنعه تقديم التنازلات لـ "بلطجي المنطقة"، واللجوء إلى مهادنته لاتقاء أو لتخفيف حده شره وعدائه، بل يصنعه إعلاء "ثقافة الحياة والبناء"، ودعم حق الشعوب في الحرية والاستقرار، ليكون دحر هذا الفكر التوسعي هو البداية الحقيقية لإنقاذ المنطقة من الغرق في ظلام الحروب الأبدية.