من السيف إلى السيليكون: كيف تعيد التكنولوجيا صياغة الهياكل الإجتماعية
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 21:48
المحور:
قضايا ثقافية
لطالما نظرت الأدبيات السائدة إلى قضية المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة بوصفها معركة "أخلاقية" في المقام الأول. أو نتاجاً لصحوة ضمير حقوقية قادتها الحركات النسوية عبر العصور. ورغم نبل هذا الطرح الإنساني، إلا أنه غالباً ما يتغافل عن المحرك الأساسي للتاريخ: الواقع المادي وأدوات الإنتاج.
الواقع أن القيم الأخلاقية لا تهبط من السماء لتغير الواقع، بل إن علاقات الواقع ونظمه الاقتصادية والتقنية هي التي تتشكل وتتحول، لتتبعها القيم الأخلاقية وتبررها لاحقاً. واليوم، مع تسارع التيار التكنولوجي الجارف الذي يستبدل القوة العضلية بالإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، نشهد التصدع الحتمي والنهائي للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والـدينية الذكورية، ليس لأن البشر أصبحوا "أكثر طيبة"، بل لأن "الذكورة العضلية" فقدت وظيفتها الحمائية والإنتاجية.
أولاً: التاريخ بوصفه صراعاً بين العضلات والآلة
تأسست السلطة الذكورية تاريخياً على حقيقة بيولوجية ومادية بسيطة: تفوق متوسط القوة البدنية للرجل. في مجتمعات الصيد، ثم المجتمعات الزراعية، وصولاً إلى العصر الصناعي الأول، كانت القوة العضلية هي العملة الأساسية للبقاء والإنتاج.
كان الرجل هو من يستطيع حرث الأرض، وقطع الأشجار، وحمل السلاح للدفاع عن القبيلة أو الدولة. من هذا الامتياز البيولوجي المادي، نبعت النظم "البطريركية" (الأبوية)، حيث تُرجمت القوة الفيزيائية إلى سلطة سياسية واقتصادية ودينية. واعتُبرت المرأة - في تلك العلاقات الإنتاجية - طرفاً تابعاً يحتاج إلى الحماية، وبالتالي جرى تبرير إقصائها أخلاقياً ودينياً وتشريعياً تحت مسميات "الضعف" أو "التكامل الوظيفي".
جاءت الثورة التكنولوجية المعاصرة لتقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فالآلة لم تعد مجرد أداة مساعدة للعضلة، بل بديل كامل عنها. في المصانع الحديثة، لا يتطلب تشغيل خط إنتاج ضخم بنية جسدية قوية، بل يتطلب انتباهاً وإدارة رقمية. وفي قطاعات الاقتصاد الحديث (الخدمات، البرمجية، البحث العلمي، الإدارة)، تساوت الفرص البيولوجية تماماً، بل إن المهارات الناعمة والقدرة على التواصل المتعدد - وهي سمات تُظهر الدراسات تفوقاً أو تعادلاً نسوياً فيها - أصبحت هي الأكثر طلباً.
ثانياً: حروب الإلكترونيات وعسكرة الذكورية
لعل الساحة الأكثر راديكالية في هذا التحول هي ساحة الحرب. لعقود طويلة، كانت الحرب هي الحصن الأخير للشرعية الذكورية المطلقة؛ فالرجل هو "المحارب" الذي يضحي بدمه لحماية الأرض والعرض، ومن هنا استمد حقه التاريخي في قيادة الدولة وصياغة قوانينها.
أما الآن، فقد تحولت الحروب من صدام الأجساد والسيوف والبنادق إلى حروب الطائرات المسيرة (Drones)، والهجمات السيبرانية، والأنظمة الدفاعية المدارة بالذكاء الاصطناعي، والضغط على أزرار غرف التحكم عن بعد.
إن الجندي في الحرب الحديثة لم يعد بحاجة إلى صدر عريض أو سواعد مفتولة، بل إلى عقل تحليلي، وسرعة استجابة، وقدرة على التعامل مع الأجهزة المتطورة.
هذا التحول التكنولوجي في بنية الحرب أسقط "الحجة الحمائية" التي تذرع بها الفكر الذكوري؛ فلم تعد إدارة المعركة حكراً على جنس دون آخر بناءً على تكوينه البيولوجي. ونتيجة لذلك، نرى جيوش العالم اليوم تدمج النساء في الوحدات القتالية والنخبوية ليس كـ "منحة حقوقية"، بل كضرورة كفاءة استراتيجية فرضها واقع الحرب الرقمية.
ثالثاً: تصدع البنى الفوقية (السياسة، الاقتصاد، الدين)
في الفلسفة المادية، يُطلق على القوانين والأديان والأعراف اسم "البنية الفوقية"، بينما تُسمى وسائل الإنتاج والتكنولوجيا "البنية التحتية". عندما تتحرك البنية التحتية، تتشقق البنية الفوقية حتماً.
1. التصدع الاقتصادي: مع تراجع أهمية القوة البدنية، دخلت المرأة سوق العمل بقوة، وأصبحت شريكاً مناصفاً أو حتى معيلاً أساسياً في الكثير من الأسر. الاستقلال المادي للمرأة نسف مفهوم "الهيمنة الذكورية" الاقتصادية التقليدية.
2. التصدع الاجتماعي والسياسي: لم يعد بإمكان القوانين السياسية أن تحرم المرأة من القيادة أو التشريع بناءً على أوهام "عدم الأهلية"، لأن الواقع أثبت كفاءتها في إدارة أعقد المنظومات التقنية والإدارية.
3. التصدع الديني والثقافي: تواجه المنظومات التقليدية للأديان (التي صيغت في عصور سيادة العضلات) مأزقاً حقيقياً. فالخطاب الذي يربط طاعة المرأة بإنفاق الرجل أو بحمايته لها، يصبح غريباً وغير واقعي في بيئة تكنولوجية تحمي فيها القوانين والأنظمة الجميع بالتساوي، وتكسب فيها المرأة كفايتها بنفسها.
رابعاً: الأخلاق كـ "تأثير رجعي" للواقع المادي
هنا نصل إلى جوهر الأطروحة: المساواة بين الجنسين ليست فكرة خيرة انتصرت أخلاقياً، بل هي واقع تقني فرض نفسه، فلحقت به الأخلاق لتبريره.
عندما كانت المجتمعات تحتاج إلى العضلات للبقاء، كانت "الأخلاق والسلوكيات القويمة" تنص على بقاء المرأة في المنزل وتبعية الرجل. كان هذا النظام أخلاقياً بمعايير عصره لأنه كان يضمن بقاء الجماعة. أما اليوم، وفي ظل اقتصاد المعرفة والإلكترونيات، فإن إقصاء نصف المجتمع (النساء) من الدورة الاقتصادية والإنتاجية يُعتبر غباءً استثمارياً وهدراً للموارد، ولذلك تحولت المنظومة الأخلاقية لترى في التمييز الجنسي "جريمة وتخلفاً".
إن المجتمعات لا تغير قيمها لأنها قررت فجأة أن تصبح أكثر إنسانية، بل لأن استمرار القيم القديمة يصبح عائقاً أمام التطور المادي والتكنولوجي. فالرأسمالية الحديثة والدول التكنولوجية لم تبنِ سياسات المساواة حباً في النساء، بل لأنها بحاجة إلى عقولهن، وضرائبهن، وقدرتهن الشرائية في عالم لم يعد للعضلات فيه قيمة سوقية تذكر.
إن التحول نحو المساواة الكاملة بين الجنسين وتفكيك البنى الذكورية هو تيار تاريخي يسري بقوة دفع التطور العلمي ذاته، ولا سبيل لإيقافه بواسطة الفتاوى، أو القوانين الرجعية، أو التمسك العاطفي بالماضي.
لقد نزعت التكنولوجيا من الذكورة التقليدية سلاحها الوحيد الذي تفوقت به تاريخياً: العضلة. ومع تحول العالم إلى قرية رقمية تدار بالسيليكون والإلكترونيات، تصبح المساواة الجنسية مجرد نتيجة حتمية لمعادلة مادية بسيطة:
حين تتساوى الأدوات، يتساوى الفاعلون حتماً. والقيم الأخلاقية الجديدة ليست سوى صدى هذا الارتطام المعرفي بالواقع.