خواطر طارقية عابرة


طارق حجي
الحوار المتمدن - العدد: 7896 - 2024 / 2 / 23 - 16:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

سمعتُ فيلسوفَ مهازلستان وهو يقول : أصبحتُ شديد الحماس لرؤية دولة فلسطين إرتسمت علاماتُ الدهشةِ على وجوه تلاميذِه ومريديه لعلمِهم بأنه ليس ذا هوى فلسطيني ! فما أكثر ما سمعوه يتحدث عما تكبدته مصرُ بسببِهم ، وما أكثر ما سمعوه وهو يتحدث عن عدمِ عرفانهم بما تسبب فيه لمصرَ وقوفها معهم طيلة أكثر من سبعةِ عقود. لذلك سأله أقربُ مريديه له : لماذا يا أستاذنا ؟ فإرتسمت علاماتُ الدهشة بدرجةٍ أشد وهم يسمعونه يقول : ليكون بأسهم بينهم !
ثلاث كلمات يمكن شرحها فى مقالٍ !






خلال تسعينيات القرن الماضي قام Aspin Institute فى ولاية كولورادو (بغرب الولايات المتحدة) بدعوتي للمشاركة فى مؤتمر لمدة خمسة أيام عن المستقبل السياسي لدول الشرق الأوسط الناطقة باللغة العربية - وفى الجلسة الأفتتاحية وجدتُ نفسي جالساً بين برنارد لويس و أسامة الباز ! وكم كنت محظوظاً إذ أتاحت لي هذه الفرصةُ أن أكون مع د. الباز معظم ساعات اليوم. وأشهد أنني إكتشفت خلال تلك الأيام الخمسة أن د. الباز هو أكثر رجال حقبتي السادات ومبارك قيمة ! فهو يسبقهم جميعاً علماً وثقافةً وخبرةً بما فيهم السادات ومبارك وكل رؤوساء الحكومات المصرية والوزراء منذ 1952 ولليوم (وجل هؤلاء هم بمقياسي مجرد موظفين ، وأكثرهم ثقافة هم بالمعايير العالمية "محض أطفال فى عوالم الموسوعيبن !). وأشهدُ أنني لم أعرف مصرياً واحداً يملك موهبة د. أسامة الباز فى الكتابة باللغة الإنجليزية بأسلوبٍ أدبي رفيع المستوى. وقد عرفتُ عمق وسعة محصوله المعرفي عندما قادنا الحوار ذات يوم للحديث عن برتراند رسل وعن مؤلفاته والتى أظن أنه قرأها كلها … ولازلت أذكر كلماته المعجونة بالإعجاب بكتاب رسل الأشهر "لماذا أنا لست مسيحياً". ذات يوم ، وقفنا (أسامة الباز و برنارد لويس وأنا) نتحدث عن القرن الأخير من عمر الدولة العثمانية ، فوجدتُه (أسامة الباز) عارفاً بأهم مؤلفات برنارد لويس … سألتُه فى يومنا الأخير فى Aspin "كيف تتحمله ؟؟!! وهو ربع متعلم و عشر مثقف ؟" فضحك ولم يجب !






من أوراق (يوميات) شهر فبراير 2012.

عندما وقفتُ منذ ساعاتٍ فى قاعةٍ كبيرةٍ بالبرلمان البريطاني ، منعتُ نفسي بمعجزةٍ من الضحك ! فقد لاحظتُ أنني لم أكن أحمل أيّ همٍ ولم تكن بداخلي ذرةُ قلقٍ لأنني سأقف أمام مئات من أعضاء مجلس العموم ومجلس اللوردات وأحدثُهم بلغتهم ، وهم من هم فى الشعور بالتميّز عن "الآخرين" : كل الآخرين ! لماذا لم أشعر يومها بأيّ قلقٍ ؟ هل كان ذلك من قبيل الثقة الزائدة بالنفس ؟ قطعاً : لا السبب ببساطة انني لم أبدأ حياتي بهذه الكلمة التى إرتجلتُها بأعرقِ برلمانٍ فى العالمِ يومها (فى شهر فبراير 2012). فقد سبقت هذه الجلسة مسيرةُ سنواتٍِ من الخبرة ِوالمحاضرات والندوات والإجتماعات بهذه اللغة التى قررتُ فى يومٍ من أيام سنة 1979 أن أتقنها أضعاف إتقاني للغةِ العربية ! ولم يكن ذلك من باب الترفِ وإنما كان ذلك من باب الضرورة ! فمنصب رئيس الشركة العالمية الذى كان هدفي كان يتطلب عشرات الأمور من بينها أن أكتب وأتحدث بالإنجليزيةِ بمنتهى الإتقان. يومها وأنا واقفٌ بالبرلمان البريطاني مرت بخاطري تجربتي (فى سنة 1979) قبيل أن أقوم بإلقاء أول كلمة لي بالإنجليزية فى مبني شركة شل العالمية للبترول على الضفة الأخرى من نهر التيمز !





لو جئنا بمجموعة من البشر يفتقدون تماماً للحس التاريخي والثقافي وعهدنا لهم بوضع السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية لما إقترفوا الحماقات : كل السياسات المتعلقة بإيران واليمن ولبنان ، ولن أتحدث عن صمتهم أمام حقيقة أن رئيسهم الحالي يجب أن يكون فى دار للمسنين وليس فى البيت الأبيض





أرقى رجال مبارك تعليماً وأكثرهم ثقافةً وأخفهم دماً هو د. أسامة الباز ! ذات يوم كنا د. الباز و رؤوساء تحرير الاهرام و أخبار اليوم و الأخبار و الجمهورية و أنا نتعشى معاً ليلتها ذكر د. أسامة كلمة َ ال عروض بفتحِ العين وتعني أوزان الشعر فتساءل الكاتبُ الكبير إ.ن عن المقصود بال عروض ونطقها بضم العين فإذا بالدكتور أسامة ينظر لي وهو يقول : سمعت أبن ال …. بيقول إيه ؟! فكدت أموت من الحرج والضحك !






كان بيرم التونسي مولعاً بالتهكم على الملك (السلطان وقتها) احمد فؤاد وعندما ولد الأمير فاروق أبن فؤاد فى أوائل 1920 أطلق عليه بيرم التونسي هذا الصاروخ/القصيدة فأصدر فؤاد أمره بنفي بيرم التونسي وهو ما أبعده عن مصر لمدة 16 سنة ! إذ لم يعدّ لمصر إلا بعد وفاة الملك فؤاد

الْـبِـنْـتِ مَـاشْـيَـةْ مِـنْ زَمَـانْ تِـتْـمَـخْطَرْوِالْغَفْلَة زَارْعَةْ فِي الدِّيوَانْ قَرْعَ اخْضَرْ تِـشُـوفْ حَـبِـيـبْـهَا فِي الْجَاكِتَّة الْكَاكِيوِالـسِّـتَّـة خِـيـلْ وِالْـقَـمْـشَجِي الْمَلَّاكِي تِـــسْــمَــعْ قُــولِــتْــهَــا … يَــا وْرَاكِــيوِالْـعَـافْـيَـة هَـبْـلَـةْ وِالْـجَـدَعْ مِـتْـشَـطَّرْ الْــوِزَّة مِــنْ قَــبْــلِ الْــفَــرَحْ مَـدْبُـوحَـةْوِالْـعَـطْـفَـة مِـنْ قَـبْـلِ الـنِّظَامْ مَفْتُوحَةْ وِالـدِّيـكْ بِـيِـدَّنْ وِالْـهَـانِـمْ مَـسْـطُـوحَةْتِــقْــرَا الْــحَــوَادِثْ فِــي جَـرِيـدَةْ كَـتَّـرْ يَــا رَاكِـبِ الْـفَـيْـتُـونْ وِقَـلْـبَـكْ حَـامِـيحَــوِّدْ عَــلَــى الْــقُـبَّـةْ وِسُـوقْ قُـدَّامِـي تِـلْـقَـى الْـعَـرُوسَـةْ شِـبْـه مَحْمَلْ شَامِيوَابُـوهَـا يِـشْـبِـهْ فِـي الـشَّـوَارِبْ عَـنْـتَـرْ وِحُــطِّ زَهْــرِ الْــفُــلِّ فُـوقْـهَـا وْفُـوقَـكْوِجِـيـبْ لَـهَا شِبْشِبْ يِكُونْ عَلَى ذُوقَكْ وَنَــزِّلِ الــنُّــونُـو الْـقَـدِيـمْ مِـنْ طُـوقَـكْيِــنْـزِلْ فِـي طُـوعَـكْ لَا الْـوَلَـدْ يِـتْـكَـبَّـرْ دَا يَـــامَـــا مَـــزَّعْ كُــلِّ بَــدْلَــه وْبَــدْلَــهْوِيَــامَــا شَــمَّــعْ بِــالْــقِـطَـانْ وِالْـفَـتْـلَـةْ وِلَــمَّــا جِــه الْأَمْـرِ الْـكَـرِيـمْ بِـالـدُّخْـلَـةْقُـلْـنَـا اسْـكُـتُـوا خَـلُّـوا الْـبَـنَـاتْ تِـتْسَتَّرْ نِــهَــايْــتُــه يِــمْــكِــنْ رَبِّــنَـا يْـوَفَّـقْـكُـمْمَـا دَامْ حَـفِـيـظَـة الْـمَـاشْـطَة بِتْزَوَّقْكُمْ دِي سُـكَّـرَةْ مَـالْـطِـي دَاهْيَةْ مَا تْفَوَّقْكُمْبَـسِّ ابْـقَـى سِيبَكْ مِ اللِّي فَاتْ دَا مْقَدَّرْ





من روايتي
مهازلستان :

تخيلتُ أنني توفيت وأنني كنت جالساً فى حديقة أمام الله. وقيل لي : مسموح لك بأن تقول ما تشاء ! فتخيلتُ نفسي اقول ما يلي : لاشك عندي أنك سمعت كثيراً كلمات تعبر عن دهشة الكثيرين من تعدد المخلوقات والكائنات والنباتات والمشاهد الجغرافية وأنا لا أحب أن أُكرر ذلك فإسمح لي بأن أكون مختلفاً وأتحدث عن شيء آخر وأقصد أن أتحدثُ عن دهشتي من رأيّ كل إنسان فى نفسه ! وعن ذلك الشيء الذى نسميه ال "أنا" ! تريليونات من ال أنا وكل "أنا" منهم مختلفة ! بعضها "واقعي" و بعضها "شبه واقعي" و بعضها "واهم" و بعضها "شديد الوهم" و بعضها "مضحك" !




قال فيلسوف مهازلستان :

جل الإعلاميين فى مهازلستان بهم هذه المكونات : معظم ما طالعوه كان بلغتهم فقط ، فسوادهم الأعظم ليس بمقدوره القراءة بأية لغة أوروبية. ومعظمهم لا يمكن وصفهم باكثر من : أنهم أصحاب محصول ثقافي محدود جداً. حتى تعليمهم كان فى مدارس وكليات لا علاقة لها بالتعليم العصري. وإذا بحثنا عنهم وعن أعمالهم خارج بلدهم : فلاشك أنهم "غائبون" ! وهم كذلك لأن كل ما يكتبوه أو يقولوه هو متواضع القيمة الثقافية والمعرفية والفكرية .


قضيتُ معظم سنوات عقد السبعينيات فى شمالِ أفريقيا ومن بينها ثلاث سنوات فى واحدةٍ من أروعِ مدن العالم وهى مدينة فاس والتى كنت مدرساً بكليةِ الحقوق بجامعتِها. ومن أفضال فاس عليّ أنها قدمتني لعالمِ الصوفيين المسلمين. وأذا كانت الوهابيةُ هى (فى نظري) أقل الفرق الإسلامية إنسانية ، فإن الصوفيين المسلمين هم أرق و أرقي الفرق الإسلامية. فى فاس عكفتُ على دراسةِ الصوفية مع تركيزٍ شديدٍ على إثنين من أقطابِها : أحمد الرفاعي (العراق) و أبي الحسن الشاذلي (إسمه الأصلي : عليّ بن عبدالله بن عبد الجبار) وهو تلميذ مولاي عبدالسلام بن مشيش (والشاذلي وإبن مشيش من شمال المغرب ، من نواحي تطوان). وقد قرأتُ عن عشرات شيوخ الصوفية الآخرين. وحفظتُ معظمَ أورادِهم والتى ترد ببعضها مفرداتٌ آرامية وعبرية وسريانية. وكثيراً ما أقولُ أنه بينما تقوم معظم الفرق الإسلامية على "الترهيب والترغيب" ، فالصوفية تقوم علاقتُهم باللهِ على الحبِ … كان أبوالحسن الشاذلي يهتف : اللهم فإشهد أننا ما عبدناك عن خوفٍ أو طمعٍ ! وهى كلمات تزلزل الحنابلة وأتباع إبن تيمية وإبن القيم والوهابيين وكثيرين غيرهم.



الضربات التى توجه لأذرع إيران تؤكد أن الغرب إما أنه لا يفهم إيران وأذرعها , وإما أنه يريد بقاء إيران كما هى لأن ذلك يسمح بحدوث أمور يرغب الغرب أن تحدث.





سؤال وجهته منذ 7 أكتوبر الماضي لمئات المصريين :

ترى ، لو قامت حماس بما فعلته يوم 7 أكتوبر الماضي ولكن ضد مصر : فماذا كنتم ستتمنون أن تفعله الدولة المصرية وجيش مصر ؟ وبينما رد نحو ثلث من وجهتُ لهما هذين السؤالين بما يلي : * كنت سأطالب الدولة والجيش المصريان بسحق ومحق حماس فقد أعطاني الآخرون إجابات غير محددة !






أمس وأثناء وجودي بمكتبتي وقعت عيناي على مؤلفات تولوتسي أكثر من عشرين من روائعه باللغة العربية لحظتها قلت ُ : كم كنتُ محظوظاً ففى صغري كانت معظم الأعمال الأدبية الأوروبية متوفرة فى ترجمات عربية رائعة ! اليوم المتوفر هو ما أصفُه ب القيء الديني الذى لا يزيد من يطالعوه ألّا تخلفاً و جهلاً و بُعداً عن مسيرة التمدن والتحضر






خلال مقابلة أجريت معي مؤخراً (الأسبوع الماضي) سئلت عن بنيامين نتنياهو، وهذا كان ردي : بنزيون نتانياهو & زئيف جابوتنسكي هما الشخصيتان اللتان يظل من المستحيل فهم عقلية رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي ما لم يعرف المرء (بقدر الإمكان) أفكارهما.