سماك العبوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 15:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إستهلال وتوطئة:
سؤال كبير وجوهري يراود أذهان العراقيين بحسرة شديدة: لماذا يتعثر الإصلاح في العراق؟
والجواب المُبَسّط والصريح لهذا التساؤل الكبير والجوهري عن أسباب تعثر الإصلاح في العراق هو: فخ التوافقية الطائفية المقيتة المتمثلة بالمحاصصة السياسية التي استحدثت في العراق منذ 2003 حتى يومنا هذا!!
ثم يقينا وحتما ستتبعه تساؤلات جوهرية آخرى انعكاسا وردا على إجابة التساؤل السابق:
ما تداعيات فخ التوافقية المقيتة المتمثلة بالمحاصصة السياسية!؟، وما تأثيرها على الوضع السياسي العراقي!؟، ولمصلحة من!؟، ومن المستفيد!!؟
جملة من تساؤلات كبيرة جوهرية تراود أذهان الكثيرين منا، ولا أشك لحظة بأن النخبة الصالحة والواعية في العراق تعلم يقينا إجابة لها، كما وأنها تعلم بلا ريب كيفية ووسائل تجاوز تلك التداعيات الخطيرة، وصولا لتحقيق الإصلاح المنشود للعراق، غير أن مقالي المتواضع هذا جاء تذكرة مني تحديدا لمن استسلم لهذا الواقع المزري، غير آبه بما يحيطه من إرباك وتخبط في المشهد السياسي، وانعكاس ذلك سلبا على واقعه ومعيشته ومستقبل أبنائه وأحفاده... وعلى الله التكلان.
تُعَدُ المحاصصة الطائفية والسياسية (المعروفة محلياً باسم "العُرْف السياسي" في توزيع السلطة) المحرك الأساسي للعملية السياسية في العراق منذ عام 2003، وهي المسؤولة المباشرة عن صياغة مشهد معقد تتداخل فيه الأزمات البنيوية، والتي تساهم الى حد كبير بعدم استقرار البلاد وتعثر إصلاحه، وأدناه أبرز تداعيات المحاصصة وتأثيرها السلبي على الوضع السياسي العراقي الحالي:
1-شلل مؤسسات الدولة وضعف القرار السيادي والتي تسببت في الآتي:
• تشتت الهوية الوطنية، حيث حوّلت المحاصصة الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى "إقطاعيات حزبيّة" تديرها الكتل بناءً على مكاسب فئوية، مما أفقد الدولة هويتها الوطنية الموحدة.!!
• غياب المعارضة السياسية الحقيقية، فأغلب الكتل تشترك في الحكومات التوافقية لضمان حصتها من الحقائب، مما يتسبب ذلك في غياب الدور الرقابي والبرلماني الفاعل، ويتحول مجلس النواب كتحصيل حاصل من ساحة تشريع ورقابة إلى ساحة لترسيم الصفقات والترضيات.!!
2- استشراء الفساد المالي والإداري:
لقد وفّرَ العُرْف الطائفي - للأسف الشديد - غطاءً سياسياً لملفات الفساد الكبرى؛ حيث بات يصعب محاسبة أي مسؤول فاسد أو وزير مقصر لأن استهدافه سيُفسّرُ فوراً من قبل حزبه أو كتلته السياسية على أنه استهداف "للمكون" أو أنه جاء لتصفية حسابات سياسية!!
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فقد أدى اعتماد نظام الحصص الحزبية في المناصب السيادية والخاصة (مثل وكلاء الوزارات والمدراء العامين) إلى إقصاء التكنوقراط والخبرات الوطنية لصالح الشخصيات الموالية حزبياً، مما تسبب في انهيار البنية الخدمية والاقتصادية للبلاد، واختفاء وإقصاء الكفاءات عن المشهد برمته!!
3- بروز "السلطة الموازية" وضعف احتكار الدولة للسلاح، حيث سمحت المحاصصة لبعض القوى النافذة ببناء أجنحة مسلحة وفصائل تابعة لها استغلت نفوذها السياسي لتثبيت وجودها على الأرض، مما أعاق خطط الإصلاح الأمني، كما وعرقل فرض سيادة القانون (كما نراه جليا هذه الأيام في تجاذبات خطة الحكومة العراقية الحالية الساعية لحصر السلاح بيد الدولة)!!، ولعل العائق الأبرز لحصر السلاح يكمن بتردد وخشية بعض الأطراف في التنازل عن عناصر قوتها العسكرية خشية فقدان ثقلها في معادلة (التوازن الطائفي)!!
4- فقدان الثقة الشعبية واتساع الفجوة مع الشارع، حيث اتسعت نسبة المقاطعة الجماهيرية للانتخابات التشريعية بعدما أدرك الشارع العراقي أن النظام الانتخابي والسياسي المحاصصي يُعيد إنتاج الوجوه ذاتها بغض النظر عن نتائج الصناديق، مما أدى إلى تراجع نسب المشاركة في الانتخابات وبروز الحركات الاحتجاجية الرافضة لمنظومة الحكم برمتها، وظهور مؤشر رقمي بارز يعكس التشاؤم السياسي والرفض الشعبي؛ حيث سُجّل ارتفاع قياسي في عدد أوراق المقترعين الباطلة في الانتخابات التشريعية الأخيرة ليتجاوز 730 ألف صوت باطل (ما يعادل قرابة 6% من إجمالي أوراق الاقتراع)، مما يؤشر هذا السلوك "احتجاجاً متعمداً" داخل مراكز الاقتراع، لا سيما في التصويت الخاص التابع للنازحين الذين أُجبروا على الحضور، فقاموا بإبطال أوراقهم قصداً لعلمهم بعدم جدوى التغيير!!
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن هذا العزوف الجماهيري سببه قناعة اغلبية المواطنين أن المحاصصة قد جعلت القرار السياسي رهينة وعرضة للتدخلات والتوافقات الإقليمية والدولية بسبب سعي غالبية الكتل السياسية بمختلف انتماءاتها وتوجهاتها للبحث عن (مظلات خارجية!!) لتعزيز موقفها التفاوضي في الداخل عند تشكيل الحكومات أو صياغة القوانين الحساسة!!.
إن المستفيد الأول والمباشر من نظام المحاصصة الطائفية والسياسية في العراق هي النخب الحزبية والسياسية المتنفذة، إلى جانب بعض القوى الإقليمية والدولية، حيث يُوفر هذا النظام للنخب الحزبية والسياسية بيئة مثالية للبقاء في السلطة وحماية مصالحها، وتتوزع المصالح والمنافع من تكريس هذا العرف السياسي على عدة جهات مستفيدة:
1-الأحزاب والكتل السياسية التقليدية، حيث تضمن المحاصصة لكل حزب سياسي (بغض النظر عن حجم مقاعده أو أدائه الخدمي) الحصول على "حصة" من الحقائب الوزارية، أو الهيئات المستقلة، أو مناصب المدراء العامين ووكلاء الوزارات، مما يمنع هذا النظام نشوء معارضة حقيقية، ويضمن بالتالي عدم إقصاء أي قوة نافذة، مع الضمان الأبدي للبقاء في السلطة، وما يعنيه ذلك تحويل المحاصصة للوزارات والمؤسسات الحكومية إلى "إقطاعيات مالية" تابعة للأحزاب المسيطرة عليها تقوم باستغلال هذه المؤسسات في تمرير العقود والمشاريع الاستثمارية لشركات تابعة للحزب، مما يوفر تمويلاً مالياً ضخماً ومستداماً لماكناتهم السياسية والانتخابية!!.
2- أمراء الحرب والفصائل المسلحة (السلطة الموازية)، ولقد استفادت القوى التي تمتلك أجنحة مسلحة أو فصائل موازية من المحاصصة كغطاء شرعي يحمي وجودها، فالاشتراك في الحكومة التوافقية يُعطل تفعيل القوانين الصارمة ضد السلاح المنفلت، ويجعل محاسبة أي فصيل أو إخلاء مربع أمني مغلق (كجرف الصخر على سبيل المثال) خاضعاً للمساومات السياسية بدلاً من سلطة القضاء والدولة!!.
3- تثبيت نفوذ "الولاء قبل الكفاءة"، فالمحاصصة للأحزاب تتيح توزيع الوظائف الحكومية والتعيينات كـ "مكافآت" لجمهورها ومواليها، بدلاً من اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والشهادة والمنافسة العادلة، هذا (التوظيف الزبائني) يحافظ على القاعدة الانتخابية للأحزاب ويضمن استمرار ولائها لها!!، كما أن نظام المحاصصة يحمي الفاسدين؛ لأن استجواب أو محاسبة أي وزير أو مسؤول بتهم فساد يُترجم فوراً من قبل حزبه أو طائفته على أنه "استهداف سياسي أو مكوناتي"، مما يؤدي إلى إغلاق ملفات الفساد الكبرى عبر صفقات تسوية خلفية.!!
4- القوى الإقليمية والدولية (دول الجوار والفاعلون الدوليون) وسهولة التدخل وتوجيه القرار السيادي، فالأطراف الخارجية تجد في نظام المحاصصة والتوافقية بيئة خصبة لفرض نفوذها وتأمين مصالحها الجيوسياسية، كما أن غياب حكومة أغلبية وطنية قوية وموحدة يجعل القرار العراقي رهينة لتوافق كتل ترتبط بـ "مظلات خارجية"، مما يُسهل على تلك الدول ممارسة الضغط والابتزاز السياسي لتعطيل خطط حصر السلاح أو فرض السيادة الكاملة على الثروات والمنافذ والمناطق الاستراتيجية!!
ولما كنا بصدد الحديث عن المحاصصة السياسية وتداعياتها على المشهد السياسي، فمن باب أولى أن نذكر بأن الخاسر الأكبر من هذا "العُرْف السياسي" المعمول به في العراق هو المواطن العراقي البسيط، الذي دفع الفاتورة الأكبر والأقسى من حياته اليومية، ومستقبل أبنائه، بعدما تحول هذا العرف الى جدار عازل حرمه من أبسط حقوقه الأساسية والمشروعة، والتي تجلت على النحو التالي:
1-إنهيار الخدمات الأساسية والبنية التحتية، كأزمة الكهرباء واستفحالها واستمرارها دون حل، مستشفيات حكومية تفتقر للأدوية والمستلزمات الأساسية مما يدفع المواطن العراقي لمراجعة المستشفيات الأهلية باهضة التكاليف، مدارس طينية ومزدوجة تفتقر لأدنى مقومات البيئة التعليمية الصالحة للأطفال!!.
2- غياب العدالة الاجتماعية وتفشي البطالة (الولاء بدل الكفاءة)، ففي ظل المحاصصة، لم تعد "الشهادة والكفاءة والنزاهة" هي المعيار الأساس والوحيد للحصول على وظيفة أو منصب في الدولة، بل أصبحت "المحسوبية والحزبية والتزكية الطائفية" هي المفتاح الأساسي، مما يعمق الفجوة الطبقية وينشر بين صفوف الخريجين الإحباط!!
3- ضياع الهوية الوطنية وبروز التمييز على أساس الهوية، فنظام المحاصصة يرتكز على تغذية الخطاب الطائفي والمكوناتي لإقناع الجمهور البسيط بأن الحزب أو الكتلة السياسية هو "الحامي الوحيد للطائفة"، مما يتسبب هذا السلوك بتمزيق النسيج الاجتماعي العراقي!!
4- الغلاء المعيشي وتبديد الثروات الوطنية، فالفساد المحمي بنظام المحاصصة يؤدي حتما إلى هدر ميزانيات الدولة الضخمة وتبديد الثروة النفطية التي هي ملك للشعب العراقي أولا وأخيرا، فبدلا من استثمار الأموال في تنشيط القطاع الخاص، ودعم المصانع الوطنية، وتطوير الزراعة لتقليل الاعتماد على الاستيراد، فإن تلك الأموال تذهب لجيوب المنتفعين، (وذاك لعمري أمر شهدناه بأم أعيننا عبر ما نقلته وسائل الاعلام العراقية من حجم الأموال المهولة المصادرة في حملة صولة الفجر وما تلاها)، مما يؤثر حتما على المواطن بشكل مباشر ويجعل العوائل ذات الدخل المحدود تحت خط فقر مستمر، من خلال ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية له، وغياب الدعم الحقيقي للمنتج المحلي !!
قد ينبري لنا من يحاول تفنيد ما طرحناه بخصوص المحاصصة السياسية التي تجري في العراق، فيدلو بدلوه قائلا: بأن هناك دولا ديمقراطية كبرى كألمانيا، إيطاليا، أو الكيان الإسرائيلي على سبيل المثال لا الحصر، تعتمد سياقات الائتلافات السياسية!!، فنرد عليه بأن قوله صائب الى حد ما، ولكن مع اختلاف جوهري، وهو أن تلك الدول المذكورة آنفا لا تتبنى محاصصة طائفية أو عرقية (كما هو معمول لدينا في العراق)، بل تتبنى مفهوم "حكومات ائتلافية سياسية" وليست طائفية أو عرقية، فعندما لا يحصل حزب واحد على الأغلبية المطلقة (51%) في البرلمان كي يقوم بتشكيل حكومة، فأن ذاك الحزب يُضْطَر للتحالف مع أحزاب أخرى، ويتم توزيع الوزارات بينها بناءً على حجم مقاعدها السياسية وبرامجها الاقتصادية.
وقد يتبادر إلى الأذهان تساؤل منطقي آخر: لماذا إذن لا تفشل هذه الممارسة في تلك الدول!؟
والجواب ببساطة شديدة وبمنتهى الشفافية والوضوح: أن سبب عدم فشلها في تلك الدول، إنما يعود إلى أن المحاصصة هناك (سياسية قابلة للتغيير) في الانتخابات المقبلة، وليست (طائفية ثابتة) تمنح الحصانة للفاسدين، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فأن القضاء والمؤسسات الرقابية مستقلة تماماً وتستطيع محاسبة أي وزير بغض النظر عن حزبه، وليست خارجة من رحم هذه الأحزاب والكتل السياسية!!
وللحديث بقية ...
وفي الختام نقول:
لئن كشفت لغة الأرقام والتحليلات عن عمق الجُرْح الذي أحدثته المحاصصة والفساد في جسد بلاد الرافدين، فإن الرهان يظل معقوداً على وعي هذا الشعب العظيم وإرادته الحية في التغيير واستعادة ملامح دولته المنهوبة.
وليس لنا أمام هذا الواقع السياسي الراهن، إلا أن نرفع الأكف تضرعاً ودعاءً لهذا الوطن الصابر:
اللهم يا حي يا قيوم، يا مالك الملك، نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، أن تنظر إلى العراق وأهله بنظر الرحمة واللطف والفرج، اللهم فارفع عن بلاد الرافدين هذه الغمة، وبدّل حالها إلى أحسن حال، واجمع كلمة بنيها على الحق والعدل والمصلحة الوطنية العليا.
اللهم طهّر أرض هذا الوطن من ثلاثية (الطائفية، الفساد والمحاصصة)، واقطع اللهم دابر العابثين بثرواته، غير المكترثين بمستقبل أبنائه، واجعل اللهم العراق منارة للأمن والاستقرار، لينعم أهلها بالرفاهية والسلام، وينهضوا ببلادهم مجدداً بين الأمم...إنك على كل شيء قدير.
قال تعالى في سورة ص، الآية 26: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وقال تعالى في سورة النساء، الآية 58: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
#سماك_العبوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟