أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ















المزيد.....

قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 11:59
المحور: الادب والفن
    


لم يكن ثمة خيار. فمنذ طفولتهم لم تكن الأشياء تأتي إليهم كما ينبغي. لم يحلموا كما ينبغي للأطفال أن يحلموا، ولم يكبروا بالطريقة التي يكبر بها الصغار حين تكون الحياة واسعة بما يكفي لتمنحهم فسحة من اللهو والدهشة، رغم تباعد مناطق سكناهم في قرى شتى. إلا أنه كانت الطفولة عندهم فترة انتظار طويلة، كأنها ممر ضيق بين خوفين.
حتى ألعابهم كانت تشبه الحرب. كان الواحد منهم يمسك عوداً يابساً ويتخيله بندقية، وآخر يصنع من غصن مستقيم سيفاً، فيركضون خلف بعضهم بين الأزقة والتراب، يتوارون خلف جدار طيني أو شجرة، ثم يخرج أحدهم صارخاً:
- استسلم.
فيضحكون. لم يكونوا يعرفون يومها أن العود الذي يرفعونه في الهواء لن يبقى عوداً إلى الأبد، وأن اللعبة التي تنتهي عند غروب الشمس قد تكبر معهم، وتلاحقهم حين يصبح الغروب نفسه موعداً للخوف.
كبروا. لكن اللعبة لم تنتهِ، فهم يمشون الآن وسط الألم نفسه، ينتقلون من صورة منه إلى أخرى، ومن خيبة إلى خيبة، وفي غمرة الاندفاع وراء أبسط الأشياء؛ أن تبقى الأنفاس متوالية، وأن يظل القلب قادراً على النبض.
قبل المساء، وجدوا أنفسهم عند مفترق طرق. كان أمامهم طريق معبّد طويل، لكنه صار فخاً مفتوحاً. القذائف تهبط من السماء، والطائرات المعادية تمشط الطريق كأنها تبحث عن آخر ما تبقى من أثر للجنود، أضافة إلى وجود قاعدة جوية كما ذكر أحدهم لا زالت تُقصف.
نظر أحدهم إلى الطريق ثم قال في سره:
- إلى أين نمضي؟
لم يجد جواباً. لكن ثمة ممر آخر ينعطف على جهة اليمين، أكثر ضيقاً وأشد خطراً؛ جسر انهارت بعض أركانه وأعمدته، لكنه ما زال يسمح بمرور العجلات الصغيرة.
لم يكن أمامهم سوى ذلك. عبروا الجسر مشياً، واحداً وراء الآخر. كانت المياه الضحلة على جانبيه ساكنة إلا من تموجات خفيفة.
كان أحد الجنود يحدق في الماء ويتساءل مع نفسه: لو سقطت الآن، هل سيبحث عني أحد؟ ثم ابتسم في داخله ابتسامة مرة. أم أن الماء سيحتفظ باسمي أكثر مما ستحتفظ به الحرب؟
عبرت العجلة العسكرية من نوع إيفا، فتزاحموا عليها. لم يكن أحد يسأل عن مكانه أو عن راحته. صار الجسد كله يبحث عن مساحة صغيرة، عن موضع قدم، عن يد تمسك بجانب العجلة.
كان الغروب يقترب، والطريق الوحيد فوق سدة ترابية، على الجانبين هناك مياه ضحلة تسمى هور الحمّار الذي كان قد درسوه في مادة الجغرافيا. القصب يتهادى مع الريح كأنه لا يعرف أن الحرب تعبر من جواره. قرص الشمس بدا كأنه يغرق ببطء في شقوق حمراء بعيدة، والسماء تأخذ لوناً يشبه الجرح القديم.
لم تعد الملامح واضحة، لا الطريق واضح، ولا المصير، ولا حتى معنى الاستمرار. كان أحدهم يحدق في قرص الشمس ويقول في نفسه:
- لماذا يبدو الموت الآن قريباً إلى هذا الحد؟
ثم يرد عليه صوت داخلي آخر:
- لأنك للمرة الأولى تراه بلا أوهام.
أغلبهم كانوا قد جاؤوا إلى الحياة بلا مخطط واضح، وربما كانوا سيغادرونها في أرض لم تطأها أقدامهم من قبل.
حل الظلام. وفجأة صار الزمن نفسه عبئاً. الدقائق لا تمر، والساعات لا تتحرك، والليل يبدو أطول من أعمارهم كلها.
ثم ظهرت المدينة. مدينة غارقة في العتمة، تتناثر في نوافذها فوانيس قليلة، وتظهر بين حين وآخر أضواء سيارة منفردة تجوب الشارع ثم تختفي. عرفوا أنهم في سوق الشيوخ. توقفوا. لم يعرفوا ماذا يفعلون، بعضهم جلس على الأرض، وبعضهم بقي واقفاً، وآخرون أخذوا يبحثون بعينين متعبتين عن وجه يعرفونه.
الجوع كان قد أخذ مأخذه منهم. كانت المعدة فارغة إلى الحد الذي جعل رائحة السمك القريب تكاد تقلب ما تبقى في الجوف. حاول بعض أهل المكان أن يقدموا لهم شيئاً يأكلونه، كأس ماء، أرغفة خبز، أو ما تيسر من الطعام. لم يكن أحد يسأل عن الثمن، كان الناس يعرفون أن أمامهم بشراً عادوا من مكان لا يعرفون كيف خرجوا منه.
في الصباح، بدأ السؤال. هذا شيخ يسأل عن ابنه، وتلك عجوز تسأل عن ولدها، وشاب يبحث عن أخيه، وآخر يقف عند طرف الشارع ويرفع رأسه كلما لمح سيارة قادمة. كان السؤال واحداً، وإن اختلفت الوجوه:
ـ هل سمعتم بهذا الاسم؟
وكانت الإجابة التي يكررها الناس، كأنهم يحاولون صناعة طمأنينة لا يملكونها:
ـ سيعودون... الجميع سيعودون.
لكن أحداً لم يكن يصدق الجملة تماماً. كان الشك جالساً في أعماق الجميع، صامتاً، لا يراه أحد، لكنه يثقل الصدور.
كانت هناك مدرسة كبيرة، وعلى جدارها شعارات كثيرة تدعو إلى الصمود. قرأ أحد الجنود الكلمات طويلاً بصوت مرتفع. ثم وكأنه بدأ يهمس:
- أي صمود هذا؟ أصمود أمام الجوع؟ أم أمام الخوف؟ أم أمام معركة كانت خاسرة قبل أن نعرف نحن أنها بدأت؟
ثم التفت إلى ما يحمله على كتفه. كانت معه بعض من معداته العسكرية، ومنها قناع الوقاية من الأسلحة الكيماوية. ظل يمسك به فترة، إذ كان بعض الجنود يتمسكون بمعداتهم خوفاً من المحاسبة إذا تخلوا عنها.
لكن المشهد كان أكبر من المحاسبة. كانوا يرون الخذلان يتكاثر حولهم، ورأوا جنوداً يلقون بعض معداتهم على جانب الطريق، لا رغبة في العصيان، بل لأن الإنسان حين يصل إلى حافة الجوع والخوف يبدأ بالتخفيف من كل شيء لا يراه ضرورياً لبقائه.
نظر إلى القناع مرة أخرى:
- هل سيحاسبونني لأنني تركته؟
ثم جاءه صوت داخلي ساخر:
- ومن سيحاسب الحرب نفسها؟
في الصباح أخذوا يجوبون الشوارع بحثاً عن سيارة تقلهم، كان لكل واحد منهم بيت بعيد، أم تنتظر، زوجة لا تعرف إن كان زوجها حياً، طفل ربما ظل طوال الليل يسأل:
- متى يعود أبي؟
كانوا يريدون سيارة بأي ثمن. ليس لأنهم يريدون الوصول إلى مكان آمن فقط، بل لأنهم يريدون أن يقولوا لأهلهم: نحن أحياء.
وبينما كانوا واقفين، تقدم شاب من أهالي المدينة. نظر إليهم طويلاً، ثم قال:
ـ أنتم أناس طيبون، وبحاجة إلى سيارة؟
لم يجب أحد.
كرر:
ـ سنخرج لكم حافلة عرفاناً.
نظر بعضهم إليه غير مصدق.
قال الشاب:
ـ لا أعرف كيف سنصل، فالطريق صعب، لكن ابقوا هنا.
ثم مضى، مرت دقائق ثقيلة، كانوا ينظرون إلى آخر الشارع، لا شيء. ثم ظهر شيء بعيد، حافلة طويلة تشق الشارع ببطء.
وفجأة أخذ الناس يهرولون خلفها، توقفت الحافلة بجانبهم. فتح السائق الباب وصاح:
ـ اصعدوا بسرعة.
لم يحتج أحد إلى تكرار النداء، صعدوا جميعا. ثم امتلأت المقاعد من غيرهم، ثم الممرات، ثم وقف بعضهم متشبثاً بأي شيء يمكن أن يمسكه.
بعد ذلك، تحركت الحافلة. كانت سوق الشيوخ تبتعد خلفهم، نظر أحد الجنود من النافذة، لم يعد يرى سوى أضواء متقطعة.
قال في نفسه:
- هل هذه هي النجاة؟
ثم نظر إلى زملائه.
لم يجد على وجوههم جواباً. كان الطريق إلى بغداد طويلاً ومظلماً، وفي السماء كانت الطائرات الحربية تجوب الفضاء، ثم ترسل حمولتها من النار إلى أماكن لا يرونها. كلما دوى انفجار، ارتجت الحافلة، تسمر الخوف في الحناجر. ثم، بعد لحظة، يعود الصمت.
كان أحدهم يغمض عينيه. ففي الظلام عاد إليه مشهد بعيد من طفولته، رأى نفسه صغيراً، يمسك عوداً طويلاً، ويصوب به نحو صديقه. صرخ يومها:
ـ أنت ميت.
ثم ضحك. فتح عينيه، لم يضحك هذه المرة. كان العود الذي حمله في طفولته قد صار بندقية، وصار الموت حقيقياً، وصارت اللعبة أطول من أن تنتهي عند غروب الشمس.
أغمض عينيه من جديد. كان يريد أن يصدق أن الفجر القادم سيكون مختلفاً. أما في مقدمة الحافلة، ظل السائق يقود وسط الظلام. كلما ابتعدت الحافلة عن سوق الشيوخ، ظهرت في البعيد نقطة ضوء صغيرة، ثم ثانية، ثم ثالثة.
لم يعرف أحد أكانت أضواء بغداد، أم مصابيح سيارة بعيدة، أم مجرد وهم صنعه التعب. لكنهم ظلوا ينظرون إليها، وظل الضوء يكبر.
أما الحرب، فكانت خلفهم... أو هكذا أرادوا أن يصدقوا. ففي آخر الحافلة، كان ذلك أحدهم يحدق في النافذة. خارجها، كانت المدن والقرى تختفي في الظلام. وفي يده ظل كأنه يتخيل العود الذي كان يحمله في طفولته. ينظر إليه طويلاً، ثم فتح النافذة قليلاً، دخل هواء الليل، رفع يده نحو الخارج وكأن العود الذي ما زال يتخيله يمسكه الآن... تركه بين أصابعه، كأن شيئاً في داخله كان يقول إن اللعبة لم تنتهِ بعد.
تقدمت الحافلة في العتمة، نحو ضوء لا يعرفون إن كان نجاةً أم بدايةً أخرى. وفي مكان ما خلفهم، ظل الليل يحتفظ بأصوات أطفال صغار يركضون بين البيوت وهم يلعبون لعبة الحرب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...


المزيد.....




- مختبر الأفكار.. كيف تصنع الكتابة التفكير وتكشف حقائق ذواتنا؟ ...
- ديمة قندلفت تخوض -كواليس-.. حكاية غامضة بين الصحافة وعالم ال ...
- طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يوظّف أدوات يومية في صورغير ...
- حكايات شعوب روسيا تتحول إلى مسلسل رسوم متحركة جديد
- -موسكونسيرت- تختتم احتفالاتها بالذكرى الـ95 بحفل في قصر الكر ...
- من الخرافة إلى رمز الأولمبياد.. كيف أصبح الدب وجها لروسيا؟
- -وقال (ت) نسوة في المدينة- تقتنص جائزة يحيى الطاهر عبد الله ...
- -النورس- يحلّق من جديد.. تشيخوف برؤية مسرحية مختلفة في بطرسب ...
- لإضافة اسم ترمب.. مجلس إدارة مركز كينيدي يلتف على القضاء ويع ...
- غدا السبت .. افتتاح مهرجان القلعة الدولى للموسيقى


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ