أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طيب تيزيني - الموت الكيميائي والمصير التاريخي














المزيد.....

الموت الكيميائي والمصير التاريخي


طيب تيزيني

الحوار المتمدن-العدد: 4273 - 2013 / 11 / 12 - 08:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كم هو مذهل وغير مسبوق أن تعيش سوريا تجربة السلاح الكيميائي. ومن الصعب أن نتصور أن هنالك في سوريا من الناس (السوريين) مَن أشعل سلاحاً كيميائياً، فقتل من الأطفال والنساء والرجال من قتل، وأحرق من أحرق، ودمّر ما دمّر من العمران، والحق أن هذا الذي حدث يضع السوريين والعالم أجمع أمام سؤال، ربما اعتقد البشر أن طرحه أصبح نافلاً، إلا في مواضع التأريخ، لماذا حدث القتل بالسلاح الكيماوي في سوريا، ولم تنشأ عليه ردود فعل محلية أو دولية بمستوى الحدث، كيف ذلك؟! فمن المعروف أن استعمال هذا الحدث إنما يمثل خطاً أحمر حسب القانون والعرف الدوليين. ولكن اتضح أن المصالح الفردية المتفردة يمكن أن تجبّ وتتجاوز كل مبادئ وحقوق الإنسان، مهما سمت وارتقت إلى مستوى القيم الكونية. لقد ظهر السلاح الكيماوي في سوريا مخزَّناً بكثافة، ومدمراً ما أنشأه السوريون من عمران، وقاتلاً لأطفال سوريا ونسائها ورجالها (في الواحد والعشرين من أغسطس من عام 2013 خصوصاً).

وخرج من ينددون بالكيماوي، الذي قتل في ليلة واحدة ألفاً وستمائة إنسان. لقد قال هؤلاء: الكيماوي خط أحمر، وظهر أنه على العكس من ذلك، باب مفتوح، ولكن بكيفية مواربة! ثم حُسم الأمر بأن قيل: إن فتيان الثورة خطفوا أطفالاً من اللاذقية، وألقوا عليهم الكيماوي! بهذه الطريقة، غيّب القاتل، إن أقصى تسويغ لا يمكنه أن يحوّل الزلزال إلى وهم أو إلى حلم أو شبه حلم، لقد عاشت سوريا في أيامنا هذه العار الأكثر إجراماً. إنه تسونامي عصرنا، رغم أنه مرّ مُلوِّحاً للدول العظمى ولدول أخرى بالعار.

وفوق ذلك، أعلن الإعلام الدولي والمحلي، مصاحباً بصور أقمار صناعية ومعززاً بتقارير استخبارية، إن السلاح الكيماوي الذي أطلق في سوريا وأُريد لما تبقى منه أن يدمرها، يواجه مشكلة معقدة، وهي ذات وجهين: الوجه الأول منها يتمثل في أن البعثة الدولية لهذه المهمة لم تجمع من المال ما يكفي لإنجازها. أما الوجه الثاني فيقوم على الاعتقاد بأن النظام ربما يخفي قسماً من الكمية الكلية للسلاح المعْني، الكيماوي والذي يزن من 140 إلى 150 طناً. مما يبقي الحالة تحت خط الخطر.

إذ في هذا يظل الخطر قائماً، سواء كان كبيراً أم صغيراً، فهو خطر ذو نوعية يُبقي على سوريا ملغَّمة وقابلة للاشتعال. وقد ارتاحت أطراف دولية من إعلان النظام عن تسليمه للأسلحة المتبقية، متناسية خطورة الأسلحة التقليدية التي استُعملت قبل ذلك، وأدت إلى تدمير مساحات ليست قليلة من سوريا، إن الواقعتين المذكورتين، فتح النظام السلاح الكيماوي ضد سوريا وقتل 7800 ألفاً من السوريين أولاً، ومحاولة إخفاء قسم مما تبقى من هذا السلاح ثانياً لاستخدامه في مناسبة أو مناسبات أخرى قادمة، إنما يفصحان عن مآرب خفية يمكن العمل على تحقيقها في مثل تلك المناسبات. وهذا بدوره، يمثل إصراراً على إبقاء نظام الفساد والإفساد والاستبداد «أبدياً». وإذا كان الأمر كذلك، فإن على سوريا أن تتماهى مع ذلك النظام الأبدي وتعبيراً وحيداً عنه. في هذا وذاك يصبح النظام المذكور تجسيداً لسوريا، وهذا ما بشّر به كتّاب وسياسيون في سوريا وفي بلدان أخرى، كما هو الحال في لبنان.

إن ذلك يقارب الرؤية الفوكويامية في نهاية التاريخ، فإذا كانت أميركا هي التجسيد الوحيد والأخير لعصر «نهاية التاريخ»، التي تأتي بدورها تعبيراً عن «العولمة» المعيشة، مع الفارق الحاسم بينهما، إن المنظومة العولمية تقوم على ابتلاع الطبيعة والبشر وعلى هضمهم وإخراجهم سلعاً، في حين يقوم النظام السوري على ابتلاع وهضم ما لا يتوافق معه، والمرتكز إلى قانون الفساد والإفساد.

في ذلك وفي سياقه وبمقتضاه يسقط «التاريخ»، ليبقى ما يجسده الآن وغداً، وكذا «مصيره»، أي مصير التاريخ، الذي يتحول إلى نوع من تناوب قيادته، ومن الطريف ما قد نراه تجسيداً لهذا الموقف التناوبي، فالقيادة هنا مفتوحة في توجهاتها وكذلك في تجلياتها، كما هو الحال في الثنائي السلطوي الروسي، تبدأ العملية بالرئيس بوتين، وتنتهي برئيس الوزراء ميدييديف، ثم تبدأ بالرئيس ميدفيديف، لتنتهي برئيس الوزراء بوتين، وهكذا حتى حين تتحول الثنائية إلى ثلاثية وغيرها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,280,416
- العلمانية ليست لاهوتاً
- مرحلة العدالة الانتقالية
- مشروع لإصلاح مجلس الأمن
- الثورة السورية والمجتمع المدني
- الاستبداد السياسي وانفراط العقد
- حياة السوريين وثمن الحقيقة
- المجتمع: الديني في مواجهة المدني
- لبنانُ الحضارة المقلوبة
- الضربات الكيميائية والتدخل العسكري
- سوريا والحرب النفسية
- حرب على قاعدة الحرب!
- سوريا وحكمة «سنوحي»
- سوريا: الطريق من أوِله!
- سوريا: السياسي والاعتقادي
- جيوش العالم الثالث
- سُلّم الأخطار
- الثورة السورية والمشهد المصري
- الطائفية والثأرية... موقف واحد
- من مؤامرة كونية إلى ثورة
- اقتراحان لإخماد حرب القرن


المزيد.....




- -إيرباص- تكشف النقاب عن تصميم أطول مدى في العالم لطائرة ذات ...
- منها الإمارات ومصر وسلطنة عمان.. تصنيف -ناشيونال جيوغرافيك- ...
- تشي جيفارا في ربوع مصر وسوريا والسودان مرورا بغزة!
- سان فرانسيسكو تتجه لمنع بيع السجائر الالكترونية
- ما علاقة جريمة قتل فتاة في تايوان باحتجاجات هونغ كونغ؟
- سان فرانسيسكو تتجه لمنع بيع السجائر الالكترونية
- بعد الأمر الملكي... توجيه أميري بشأن -شهداء السعودية-
- إيران: لن نمدد مهلة الـ60 يوما للتخلي عن بعض التزامات الاتفا ...
- السجن 4 سنوات لشاب وصف الأمير هاري أنه -خائن لعرقه-
- إيران: وفاة محمد مرسي -مشبوهة-


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طيب تيزيني - الموت الكيميائي والمصير التاريخي