أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الحركة الاسلامية الاخوانية بتونس ( 5 )















المزيد.....



الحركة الاسلامية الاخوانية بتونس ( 5 )


سعيد الوجاني
(Oujjani Said)


الحوار المتمدن-العدد: 3942 - 2012 / 12 / 15 - 21:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



من كان يعتقد ان الحركة الاخوانية حزب النهضة المتحالفة مع الحركة السلفية ستصل الى الحكم في تونس ، رغم ان من قام بالثورة هم شباب لا علاقة لهم لا من بعيد ولا من قريب بالتيارين الاسلامويين . ان الجواب لا يمكن بلوغه اذا نحن لم نرجع الى التاريخ المرتبط بالحاضر حتى نعرف التطور الموضوعي الذي مرت به الحركة الاخوانية التي انتقلت من المعارضة الراديكالية للنظام التونسي ، وبالضبط لنظام زين العابدين بن علي ، الى ممارسة الحكم من موقع القائد الموجه للساحة السياسية ، وفي غيبة الاحزاب الوطنية التي وجدت نفسها في آخر المطاف امام خطر فاشي يهدد بابتلاع الدولة التي ستصبح في الامد المتوسط دولة النهضة التي تطبق سياسة الخطوة خطوة ، و المتحالفة مع الحركة السلفية المتعجلة من امرها ، وهو ما يعني ان الوضع الحالي لمن الخطورة بمكان ، والوضع المستقبلي لتونس قاتم بما يبشر بالانقلاب على الدولة لتصبح دولة ثيوقراطية يذوب فيها الجميع الذي سيتحول الى عبيد للنهضة وليس مواطنين تونسيين . وحتى لا يفوتنا المقام ، نؤكد على المسؤولية التاريخية لليسار بشقيه الشيوعي والماركسي الذي ارهقته هراوة بنعلي ، كائنة ومباشرة من خلال الافلاس التاريخي لمنظمات الحركة الماركسية اللينينية التونسية والحزب الشيوعي التونسي ، اللذين لم يطورا ايديولوجياتهم وأفكارهم ، وظلوا ’متقوقعين تنظيميا في حلقات زادت غربتهم عن الجماهير التي يتحدثون باسمها رغم انها تجهلهم ، في الوقت الذي استفادت النهضة والحركة السلفية من هذا الفراغ الذي عم الساحة ، ومن ثم العمل الدءوب ليل نهار للتوغل وسط الجماهير ، خاصة وسط الفئات الاجتماعية التي كانت مشتلا يزود اليسار بالمناضلين من صفوف اليرجوازية الصغيرة ، والبرجوازية المتوسط ،وما فوق المتوسطة ، وهو ما مكّن التيار الاخواني والسلفي من السيطرة على الاتحاد الطلابي وباقي الاتحادات التي كانت معروفة بيساريتها مثل المحامين والمهندسين والأطباء والصحافيين . فإذن كيف نشأ وتطور الاتجاه الاخواني والسلفي في تونس ؟
1 ) نشأة وتطور الاتجاه الاخواني ( النهضة ) السلفي بتونس : انطلق نشاط الجماعة السلفية في تونس ، التي ستطلق على نفسها اسم حركة الاتجاه الاسلامي سنة 1970 ، في صورة دروس ومحاضرات تلقى في المساجد من طرف النواة الاولى المؤسسة والتي يمثل راشد الغنوشي ، وعبد الفتاح مور ،و واحميدة النيفر ، ثم صلاح الدين الجورشي من بعد ابرز رموزها . ومع الدروس والمحاضرات الاولى ، كما الكتب والأدبيات المتداولة على الوافدين لهذه الحلقات ، بدأ المشروع يتضح شيئا فشيئا : انه تأسيس تنظيم اخواني في تونس على غرار الاخوان المسلمين في مصر ، وهو نفس الاسلوب نهجه عبدالاله بنكيران الذي كان يعمل مع عبدالكريم مطيع ، اي استعمال المساجد وسيلة وليس غاية في بلوغ القصد الاهم الذي هو بناء دولة الخلافة التي تنكر لها بنكيران مؤخرا عندما اصبح موظفا ساميا في الحكومة .
يمكن ان نقسم تاريخ التيار السلفي في تونس الى ثلاث مراحل او محطات اساسية في تاريخ التيار : المرحلة الاولى وهي مرحلة الدعوة والإعداد التي تمتد من 1979 الى 1981 ، والتي شهدت انتقال الاتجاه الاسلامي من مرحلته ( المكية ) الى العمل السياسي المباشر ، هذه المرحلة التي توّجتها المحاكمات الواسعة التي شملت قيادته وإطاراته في صيف 1981 . والمرحلة الثانية ، وهي التي تمتد من 1981 الى ما قبل استيلاء وسرقة حزب النهضة للانتفاضة الجماهيرية وسيطرته على اركان الدولة ، وهذه المرحلة كانوا يطلقون عليها ب ( مرحلة الهجرة ) التي عزم عليها التيار الاخواني .
ففي المرحلة الاولى ، ركز الاتجاه الاخواني والسلفي كباقي التيارات الاخوانية العربية على بناء تنظيم سياسي ’محكم البناء على الصعيد التنظيمي ، ومتماسك على الصعيد الايديولوجي . لهذا الغرض ، ارتكز عمله بالأساس على التثقيف وتوسيع نطاق عمل الحلقات المسجدية ، كما ايضا توزيع الكتابات السلفية على الوافدين الجدد الى الحلقات . وابتداء من سنة 1972 ، بدأ الاتجاه الاخواني بإصدار مجلة " المعرفة " الى مثلت الى حد ايقافها من طرف السلطة سنة 1979 ، الاداة الاعلامية للحركة ، وهي نفس الطريقة ونفس الاسلوب اتبعه عبدالكريم مطيع عندما اصدر من باريس جريدة " المجاهد " الناطقة باسم تنظيم ( الشبيبة الاسلامية الاخواني ) واتبعها عبدالعزيز النعماني عندما اصدر بدوره من باريس مجلة " السرايا " الناطقة باسم تنظيم ( الجهاد – فرع المغرب ) ، كما انه نفس الاسلوب اتبعه الشيخ عبدالسلام ياسين الاب الروحي والكاريزمي ( لجماعة العدل والإحسان ) عندما اصدر في نفس السنة مجلة " الجماعة " الداعية الى ضرورة توحيد مختلف مكونات " الحركة الاسلامية المغربية " في افق بناء حركة الاسلاميين كقوة تتهيأ وتتأهب لاستلام السلطة بالمغرب ، وبالطبع كان هذا الاجراء قبل ان تقلب الثورة الاسلامية في ايران بنظام الشاه المتخندق امريكيا ، وتؤسس بدله الجمهورية الاسلامية بإيران المناهضة لمشاريع واشنطن والغرب الامبريالي .
في هذه المرحلة بالذات من الضروري التوقف عند المظاهر التالية بالساحة التونسية : فخلال تسع سنوات تقريبا ، انغلق الاتجاه الاسلامي على نفسه ، وكان على هامش الاوضاع السياسية العديدة الملتهبة التي عايشتها تونس من محاكمات سياسية تعرض لها اليسار الشيوعي والماركسي اللينيني ، الى مشروع الوحدة الاندماجية المجهضة بين تونس وليبيا ، وهي ( الوحدة ) التي لعبت الجزائر دورا رئيسيا في اجهاضها بدعوى انها تشكل خطرا على الامن القومي الجزائري الذي كان يتوجس من كافة المبادرات الصادرة عن القدافي ، مرورا بالنضالات التي كانت تخوضها الحركة الماركسية اللينينة التونسية والحزب الشيوعي بالجامعة ، والمعاهد العليا ضد السلطة والحكم القائم ، وضد الامبريالية ومناصرة القضية الفلسطينية ، والقضايا القومية العربية والأممية ، وصولا الى النضالات التي بدأ يخوضها الشغالون والعمال منذ سنة 1976 ، والتي تصاعدت عموديا الى حدود الاضراب العام الذي دعت اليه النقابة العمالية سنة 1978 ، هذا الحدث الهام الذي كان الاتجاه الاسلامي الاخواني على هامشه ، حيث اعتبره صيحة مفتعلة لإجهاض التجربة الديمقراطية الفتية في تونس ، والواقع ان الهدف من معارضة التحركات العمالية هو الخوف من سيطرة اليسار كليا على الساحة السياسية التي يراهن عليها الاخوانيون لإنجاح مشروعهم الانقلابي حين تنضج الظروف لذلك ، لهذا فان الاخوان التونسيون ومعهم السلفيون الرجعيون اعتبروا النظام التونسي المهلهل يشكل عدوا ثانويا ، اما العدو الرئيسي فهو منافسهم من الاحزاب الشيوعية والماركسية والاتحادات العمالية والأحزاب الاشتراكية من قومية وبعثية . ومن وجهة اخرى فان الحركة الاخوانية عملت خلال هذا المرحلة على خلق مجتمع صغير تتمثل فيه القيم البالية والرجعية التي تطرحها ، مجتمع شكلته العناصر النشيطة والمتعاطفة ، له عاداته الخاصة وعلاقاته وتقاليده الممسوخة ، سواء في الحفلات او في المآتم ، في اللباس والمظهر وفي طريقة العيش ، مجتمع يعيش القرون الغابرة ، وعلى هامش المجتمع القائم الذي يقيم معه علاقة اتصال / انعزال .
واذا كان بعض الماركسيين والتروسكيين المغاربة والتونسيين يعتبرون ، ان الاتجاه الاخواني لا علاقة له بالاتجاه السلفي الاسلاموي ، فان هذا التحليل يبقى خطأ ، لأنه بالرجوع الى التاريخ الحديث لنشأة الحركة الاسلامية في المغرب او تونس سيتبين جليا ان الاطروحات الاخوانية كانت هي المنهل الايديولوجي لمناضلي الاتجاه السلفي الرجعي . وهنا الم يخرج الجهاديون المصريون من عباءة المدرسة الاخوانية ؟ الم ينسق اليوم الاخوانيون المصريون مع السلفيين في مواجهة القوى التي ترفض الانقلاب على مبادئ الجمهورية التي دشّنها محمد مورسي ومن وراءه الاخوان والسلفيون ؟ الم يتحالف الاخوان والسلفيون في تونس للتأسيس لدولة الاخوان ومجموع الرجعيين ، وليس لدولة تونس والتونسيين ؟ ألا يتحالف تنظيم الجهاد في الضفة والقطاع مع حركة حماس لمواجهة باقي الفصائل منظمة ( التحرير ) ؟ . يعبر عن هذا التحالف بين الاخوان والسلفيين صلاح الدين الجورشي عندما قال " كان الاخوان في حلمنا يمثلون جيل الانقاذ ، وطالما وقفنا طويلا امام بطولاتهم في ساحات القتال بقناة السويس وسيناء وداخل اسوار الجامعات " . كما ان المادة المنشورة بمجلة " المعرفة " التونسية ومجلة " الجماعة " المغربية خلال تلك السنوات تتضمن اطروحات التيار الاخواني ومواقفه بالكامل .
في الواقع مثلت هذه المرحلة الاولى الفترة الذهبية في تاريخ التيار الاسلامي ، حيث استطاع استقطاب اعداد هامة من الشباب الى صفوفه ، كما استطاع بناء تنظيم ’محكم معبأ ايديولوجيا ومعنويا ، يتخذ من النواة المسجدية الوحدة العضوية لنشاطه ، تنظيم استطاع ان ’يثير فزع جميع القوى السياسية بدون استثناء بما فيها السلطة .
اما المرحلة الثانية الممتدة من 1979 الى 1981 ، فهي التي شهدت دخولا قويا للتيار الاسلامي لساحة العمل السياسي المباشر ، بعد فترة طويلة من الانغلاق في الكهوف والأقبية المظلمة . ويمكن تحديد ثلاث عوامل دفعت التيار الاسلامي الى " الهجرة " :
العامل الاول هو المتمثل بالصعود الذي شهدته الحركة الجماهيرية في تونس والذي شمل اغلب القطاعات متركزا على العديد من المحاور الاجتماعية والديمقراطية . ففي خضم هذا الصعود ، وفي مقابل هامشية الاتجاه الاسلامي ، كانت تلك النضالات ’تشتم منها رائحة التأثير اليساري الماركسي والشيوعي والاشتراكي ، كما كان العديد من التيارات الاصلاحية والبرجوازية قد اخذت موقعا في الفسيفساء السياسية ، وبدأت بتوظيف ظروف التجذر الجماهيري باتجاهها . من ناحية اخرى ، يمكن ان نضيف الدور المؤثر الذي لعبته الثورة الايرانية في عام 1979 ، هذه الثورة التي دفعت المد الاسلامي بالمغرب وبتونس كما كان عليه الامر في سائر البلدان العربية ، والتي حفزت الاتجاه الاسلامي الى بدء خوض ( الجهاد ) ودخول معترك الحياة السياسية ، وهنا لابد من الاشارة الى ان جماعة العدل والإحسان التي تأثرت كثيرا بالثورة الايرانية ، تبنت نفس الاسلوب الذي اتبعه الشيعة الايرانيون في قلب نظام الحكم الملكي الشاهنشاهي . ان المقصود بالقومة التي تعني في الادبيات الماركسية الثورة ، ليس له من دليل ، وحين تنضج الظروف المادية والمعنوية ، غير النزول الى الشارع لاحتلاله ، والدعوة الى العصيان المدني تهيئا للزحف على القصر لتعويضه النظام الملكي ، بنظام الجمهورية الاسلامية المستمد في عمومه من نظام ( الخلافة الاسلامية ) ، اي المزج بين شروط الدولة الاسلامية في القرن الواحد والعشرين ، وشروط الخلافة الاسلامية في عهد الخفاء الراشدين .
اما العامل الثالث ، فهو المتمثل بتنامي جسم الحركة وبلوغها مرحلة متقدمة من الاعداد ، مما جعلها تعزم على المرور الى المرحلة الثانية ، علاوة على الحماس الذي بدأ يطرأ على قاعدة الحركة المتأثرة بالعوامل المذكورة اعلاه .
هكذا افتتح الاتجاه الاسلامي هذا المرحلة بالاحتفال الضخم بتوديع القرن الرابع عشر للهجرة ( في ذكرى الهجرة ) في صورة استعراض هائل للقوة ، نظمته في الجامعة والمعاهد العليا وفي المساجد ، احتفال تم تنظيمه تحت شعار " القرن الخامس عشر للهجرة امل الشعوب المستضعفة في الثورة الاسلامية " . لقد مثلت سنوات 79 و 80 و 81 السنوات الخصبة للنشاط السياسي للاتجاه الاسلامي . ففي تلك الفترة ، طغت المسائل السياسية على الاعداد الاخيرة لمجلة " المعرفة " التي كانت الى ذلك الحين منبرا دعويا ، كما تم اصدار جريدتي " الحبيب " و " المجتمع " وهما اسبوعيتان سياسيتان . من جهة اخرى فان الخطب والدروس المسجدية التي اصبح يحضرها المئات من الانصار والوافدين الجدد ، صار خطابها موجها ضد السلطة ، وضد الحكم ، وضد الامبريالية والغرب والصهيونية ، وقد تركز نشاط وخطاب الاتجاه الاسلامي على المحاور التالية : محور الحريات السياسية والنقابية ، مساندة الثورة الايرانية ، المسألة الاجتماعية من بطالة وفوارق اجتماعية ، المعاداة للغرب التي اعطتها الثورة الايرانية زخما ملحوظا ، هذا زيادة على اعمال التمرد على المناسك الرسمية ، والتقاليد المرعية للنظام ، مثل اتباع الرؤيا في صوم رمضان ، ومحاولات اغلاق المطاعم والمقاهي المفتوحة في شهر رمضان ، والتصدي لتنصيب أئمة رسميين في المساجد . ولقد كان ربيع سنة 1981 – التي وافقت السنة الاولى من سنة التفتح السياسي الذي بدأته حكومة مزالي -- اهم فترة تجلى فيها ضغط الاتجاه الاسلامي . ففي تلك الفترة شهدت حركة التلاميذ اقوى تحرك نضالي في تاريخها ، لعب فيه الاتجاه الاسلامي دورا هاما ، كما قام الطلبة بالجامعة ، وعلى اثر تحرك طلابي باحتجاز عميد كلية العلوم من قبل طلبة الاتجاه الاسلامي مع التهديد بتفجير مختبر الكلية . في تلك الفترة ايضا ، وعلى اثر اعلان السلطة عن عزمها القيام بانتخابات تشريعية سابقة لأوانها ، قام الاتجاه الاسلامي بتنظيم ندوة صحفية سنة 1981 ، وأعلن عن انشاء حزب سياسي هو حركة ( الاتجاه الاسلامي ) ، وعن استعداده لخوض الانتخاب التشريعية . هكذا كان الاعلان عن هذا التأسيس ، تتويجا لمرحلة من العمل السياسي خلال تلك الفترة من الشروع في العمل في السياسة ، اتضح فيها قوة الاتجاه الاسلامي وتأثيره المتنامي في الساحة التونسية . وأمام الخطر الذي اصبح يمثله الاتجاه لم تجد السلطة ’بدّا من ان تتدخل وتهاجم التيار الذي غضّت عنه الطرف لمدة طويلة وشجعت نشاطه ، فتبدأ حملة اعتقالات تواصلت كامل صيف 1983 ، وانتهت بمحاكمة قيادته وإطاراته .
ومنذ تلك السنة سيشهد الاتجاه الاسلامي تراجعا ملحوظا وعودة الى الانغلاق على نفسه خاصة اثناء فترة السجن التي امتدت الى سنة 1984 ، وسيركز جهوده من جهة على تنظيم حملة مساندة وتضامن لإطلاق سراح مناضليه ، ومن جهة اخرى على اعادة بناء هياكله التي شتتها السلطة ، وبصورة متوازية اصدار بعض البيانات عن القضايا الساخنة التي تحدث في البلاد .
ولم يدم سجن مناضلي الحركة طويلا ، فلقد ’منحوا عفوا جماعيا سنة 1984 ، ’اطلق على اثره سراح قيادييها ، وسمح بعودة مناضليها من الغربة ، كما صدر عفو على الفارين منهم داخل تونس . ومع خروج القيادة التاريخية للاتجاه الاسلامي من السجن ، ستبدأ عملية بناء الحركة من جديد ، خاصة على اثر ظهور بوادر ازمة داخلية ، تمثلت خصوصا بظهور تيارين منشقين : الاول ، هو تيار الاسلاميين ( التقدميين ) ، والثاني تيار الاسلاميين المستقلين . لقد فجرت مرحلة العمل السياسي كما المرحلة اللاحقة العديد من الاشكاليات النظرية والسياسية والعملية داخل صفوف التيار الاخواني ، وهو ما سيكون له العديد من الانعكاسات على وضعه في فترة ما بعد السجن ، وفي الفترة التي تبعتها .
2 ) الاتجاه الاسلامي تيار برجوازي صغير : يمثل الاتجاه الاسلامي من وجهة نظرنا تيارا برجوازيا صغيرا ، سواء من زاوية برنامجه او من زاوية قاعدته الاجتماعية والفئات التي يحاول التأثير ضمنها . ذلك ان الاتجاه الاسلامي و الاتجاهات الاخوانية ، اذ يأخذ موقفا معاديا من الرأسمالية الطفيلية والاحتكارية ومثل مطالبه بالحد من الملكية الزراعية ، فان هذا لا يعني معاداته للنظام الرأسمالي ، فهو لا يرى في الاستغلال ظاهرة تنتج بصورة موضوعية عن الملكية الرأسمالية ، بل تنتج عن الابتعاد عن الاخلاق الاسلامية والقيم الدينية التي تدعو الى التكافؤ والتكافل والتضامن بين المسلمين . وهكذا فالاتجاه الاسلامي يرفض القضاء على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج ، كما يرفض الملكية الرأسمالية الكبيرة ، وبالتالي يرفض النظام " الرأسمالي " والنظام " الاشتراكي " ، كما يرفض قطبي المجتمع ، البروليتارية والبرجوازية ، وهو يحاول صياغة نموذج يسود فيه المالكون الصغار والفئات الوسطى ، ويتم فيه تفادي الاستغلال ومنعه ، عبر امتلاك هؤلاء المالكين للقيم الاخلاقية والأخلاق الاسلامية التي " تحرم " عليهم هذا الصنيع ، وتحثهم على التكافل والتضامن ، اضافة الى قوانين تحريم الربا وفرض الزكاة . هكذا مجتمع " وسط " يلبي الرغبة الفطرية للإنسان في الملكية ، ويحافظ على التضامن بين الفئات المكونة للمجتمع .
ان التيار الاخواني السلفي ليس إلا واحدا من التيارات البرجوازية الصغيرة الكثيرة التنوع ، خاصة في البلدان المتخلفة حيث هناك كثافة سكانية برجوازية صغيرة . ان هذه التيارات وان تلتقي في موقفها من الملكية ، اي الدفاع عن الملكية الصغيرة والمتوسطة ، يحاول كل واحد منها ان يضفي سماته الايديولوجية الخاصة به على هذا الطرح . وفي المنطقة العربية ، نجد العديد من التيارات البرجوازية الصغيرة التي يمثل بعضها تيارات تقدمية ومعادية للامبريالية مثل التيار القومي الناصري ، كما يمثل بعضها الاخر تيارات رجعية مثل التيار السلفي والاخواني .
ومن الواضح ان تحقيق مجتمع الملاكين الصغار ، لا يعدو ان يكون في الواقع سوى رجعية من وجهة نظر الحركات الماركسية والشيوعية المناهضة للتيار الاسلامي الاخواني . ان الضوابط الاخلاقية والدينية لن تمنع ابدا التحول الموضوعي للإنتاج الصغير والملكية الصغيرة الى ملكية كبيرة ، وبالتالي لن تمنع استغلال العمل المأجور الذي هو نتاج موضوعي كامن في نمط الملكية الخاصة لوسائل الانتاج نفسه .ان انكشاف طوباوية وزيف المشروع البرجوازي الصغير ، يتم حال استيلاء جماعة من البرجوازية الصغيرة على السلطة ،اذ تصبح مجرد طبقة اسناد ، في حين يكون محتوى الدولة برجوازيا .
ان العداء الظاهري والمموه للسلفية والاخوانية للغرب الامبريالي لن يمنعها من الارتهان بالسوق الرأسمالية ، ذلك ان قوانين الرأسمالية اقوى من رغبة الاخوانيين والسلفيين ، ومن ثم فان غاية ما سيؤدي اليه المشروع السلفي الاخواني البرجوازي الصغير ، هو اعادة انتاج النمط الرأسمالي التابع ، ولكن بخصائص ايديولوجية وسياسية ، وأشكال حكم خاصة بهذه التيارات ، رجعية بالتحديد ، هذا على الصعيد البرنامجي . اما على صعيد القاعدة الاجتماعية للاتجاه الاسلامي الاخواني ، والفئات التي يؤثر داخلها ، فيمكن تحديدها في عيّنتين : الاولى هي الهيئة المؤسسة للتيار الاسلامي ، والثانية هي القواعد الملتفة حول التنظيم والتيار ، وهي تتكون من رجال التعليم ، وفئة الموظفين والإطارات العليا من مهندسين ومحامين وأطباء ، وأصحاب المهن الحرة . وهنا لا يجب ان ننسى انتشار التيار الاسلامي والاخواني داخل الاوساط التلميذية والطلابية ، وكذلك داخل فئات الموظفين والتجار وأصحاب المؤسسات الصغيرة والبروليتارية الرثة من جزارين وحلاقين وبائعي المتلاشيات وفراشة يفترشون الارض لبيع الخضر والملابس البالية ، والحدادين والنجارين ... الذين جاؤوا الى المدينة من البادية في اطار الهجرة للبحث عن مصدر عيش .
وما دمنا قد تناولنا الطبيعة الفئوية الاجتماعية للاتجاه الاسلامي ، نجد من الضروري التعرض الى الاطروحة القائلة ، بان التيار الديني الاخواني هو ذو طبيعة اقطاعية ، وهي مقولة سائدة في الاوساط اليسارية والشيوعية الراديكالية . لكن من وجهة نظرنا تبقى هذا المقولة مردود عليها ، لان الطبيعة الطبقية ’تحدد انطلاقا من وجهة نظر كل تيار تجاه نظام الملكية اساسا ، ومن هذا الاطار لا نجد كتابات من داخل السلفية والاخوانية تدعو الى نمط ملكية اقطاعي . من الاكيد ان المشروع السلفي يحمل على مستوى اشكال الحكم والبنية الفكرية التي يدعو اليها ، اطروحات رجعية جدا ، مثل الحكم المستمد من الشريعة ، والتشريعات الاجتماعية الموغلة في التأخر . ولكن هذه السمات لا تحكم على هذا التيار بأنه اقطاعي ، انما هو تيار برجوازي صغير رجعي يحمل اشكالا سياسية وقوانين اجتماعية جد متخلفة يمكن نعتها بالسلفية الظلامية .
3 ) ازدهار السلفية الدينية في المغرب وتونس : في البداية ، لا بد من ان نضع هذا الازدهار في حجمه الحقيقي ، اذ ان الاتجاه الاسلامي الاخواني بالرغم من قوته ، لا يمكن القول انه استطاع ان يكون ذا نفوذ جماهيري كبير . فإذا كان حزب العدالة والتنمية المغربي قد احرز على عدد من الاصوات متقدما عن الاحزاب الاخرى التي شاركت في العملية الانتخابية ، فان فوزه الذي مكن عبدالاله بنكيران من الدخول كموظف سامي الى الوزارة الاولى ، لا يمكن اعتباره فوزا كبيرا ، بل هو فوز نسبي فقط مقارنة مع غيره من الاحزاب ، اي ان الحزب لو لم تشاركه الاحزاب التي كانت مشاركة في الحكومة السابقة ، فانه لن يستطيع ان يكون حكومة بمفرده ، كما ان تواجده بالبرلمان لن يؤثر في شيء على سير العملية التشريعية ، لأنه لا يمكنه مثلا ان يتقدم بملتمس رقابة او سحب الثقة عن الحكومة ، لان الاحزاب الاخرى التي تكون الاغلبية ستكسر محاولته بإسقاط الحكومة ، بل وابعد من ذلك فان انسحاب بعض الاحزاب التي تجلس معه في الحكومة وتغيير تحالفها مع احزاب اخرى ، يعني خروج حزب العدالة والتنمية من الحكومة ، وانتقاله الى ممارسة المعارضة البناءة .
اما في تونس فان ضعف التيار الاخواني السلفي لم يصل الى درجة وقوة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان ولا يزال يمثل القوة الاساسية في مواجهة السلطة ، حيث نجد ان جميع التيارات السياسية بقيت شبه هامشية من حيث التأثير على الاحداث . كما ان هذا الازدهار هو محدود ايضا اذا ما قارناه بالتيارات السلفية والاخوانية في بلدان عربية اخرى ، فالاتجاه الاخواني السلفي لم يبلغ قط حجم وتأثير السلفية والاخوانية في مصر وسورية ولبنان ، وبالتالي يمكن القول ان هذا الازدهار يبقى محدودا ، لان حزب النهضة كما حزب العدالة والتنمية وحزب الحرية و العدالة في مصر لم يصلوا الى الحكم عن جدارة واستحقاق ، بل جاؤوا بواسطة سرقة ( الربيع العربي ) الذي ركبوا عليه للوصول الى الحكم الذي يريدون الاستئثار به من خلال تعديل الدستور بما يقيد من تحرك احزاب المعارضة ، والحكم عليها بالبقاء خارج دائرة التقرير الذي سيحتكره الاخوانيون لوحدهم ( مصر سورية تونس ) .
ان صعود الاخوانية والسلفية يجد تفسيره في المقام الاول في الارضية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، كما ايضا الثقافية ، الملائمة لنشاط وتأثير هكذا تيار برجوازي صغير . فلقد وافق ظهور الاتجاه الاسلامي في بداية السبعينات ظهور اول ازمة للنظام البرجوازي التابع في تونس منذ نجاحه في تركيز نفسه في اواخر الخمسينات ، هذه الازمة التي كان من نتائجها ، الاتجاه نحو نهج اقتصادي ليبرالي بعد هيمنة البيروقراطية البرجوازية طيلة فترة الستينات . هكذا بدأ يظهر استقطاب طبقي يسير نحو المزيد من الاثراء للبرجوازية ، ومزيدا من الافقار للطبقات الشعبية ، ونحو تدمير وسحق قطاعات هامة من البرجوازية الصغيرة ، ذلك الاستقطاب الذي سيشكل وقود النضالات الاجتماعية التي بدأت بالنمو منذ منتصف السبعينات ، والتي خاضتها الطبقة العاملة ’مؤطّرة في الاتحاد العام التونسي للشغل . وبصورة متوازية ، تواصلت سيطرة حزب الدستور الحاكم على الحياة السياسية ، كما تواصل التعسف السياسي الذي تجسد في العديد من المحاكمات التي شملت تيارات اليسار الثوري ، كما ايضا في القمع الذي شمل الحركة الطلابية . وقد ولد هذا التعسف تدريجيا حركة ديمقراطية متنامية مطالبة بالحريات السياسية والنقابية . وعلى صعيد اخر ، تدعّم الحضور الامبريالي خلال حربي 1967 و 1973 ، والمناورات التي اعقبتهما والهادفة الى تمرير سياسة الامبريالية بالمنطقة .
لقد كان تأثير ذلك مأساويا على الفئات البرجوازية الصغيرة ، خاصة منذ نهاية السبعينات التي شهدت صعود التيار السلفي الاخواني . فقد تعرض الفلاحون الصغار لهجمة شرسة منذ الستينات ، على اثر التجميع القسري للملكيات الصغيرة في اطار التجربة التعاضدية ، مما دفع الجماهير الفلاحية الفقيرة والمفقرة الى النزوح الى المدن ، هذا وقد تواصل تفقير الفلاحين الصغار في السبعينات بفعل تشجيع البرجوازية الفلاحية من طرف الدولة . اما صغار الحرفيين فهم ايضا شهدوا تقهقرا في اوضاعهم منذ نهاية السبعينات ، ذلك ان المواد المصنّعة المستوردة او تلك المصنوعة محليا ، تنافس الصناعات الحرفية والتقليدية . وأما التجار الصغار الذين يمثلون كثافة هامة في جميع المدن ، فيتعرضون هم ايضا الى هجوم الرأسمال التجاري ، ويتحملون تبعات تدني الاوضاع المعيشية للجماهير، والارتفاع المجحف للأسعار الذي يفرضه الصناع وكبار التجار . لقد شهدت العاصمة اضرابات في ثلاث مناسبات قام بها التجار الصغار احتجاجا على سياسة الدولة تجاههم .
ويمكن ان نضيف الى هذه الفئات البرجوازية الصغيرة ، الفئات الاخرى التي خرجت لتوها من الطبقات المتوسطة ، النازحون الى المدن بحثا عن عمل ، والعمال الذين لا تزال تربطهم اواصر كبيرة بالبادية التي ينحدرون منها ، وجماهير البطالين وأصحاب الاعمال الهامشية الذين جردتهم الرأسمالية من ملكياتهم الصغيرة . الى هؤلاء كذلك يمكن اضافة فئات الموظفين والأطر المتوسطة ( معلمون ، المستخدمون بالبنوك وبالشركات .. ) . ان هذا الفئات التي تشكل بالدول العربية جميعها 40 في المائة من السكان العاملين ، وكذلك الطلبة والتلاميذ المنحدرين اساسا من الفئات البرجوازية الصغيرة المدينية والريفية ، والذين ينتظرهم في اغلب الحالات مستقبل مهني غير مضمون البتة . ان هذه الفئات البرجوازية الصغيرة والفئات المنحدرة منها توا ، التي تتعرض للسحق والتدمير ، مؤهلة للاتجاه نحو التيارات ذات الايديولوجية الدينية ، حيث يعبر الاسلام ملاذا ملائما لها .
ان اللجوء الى الاسلام كملاذ تساعد عليه هيمنة الفكر الديني في جميع البلدان العربية ، ذلك انه لا يزال يحافظ على دور هام في حياة المجتمع ، كما هو الدين الرسمي للدولة . وقد شهدت سنوات السبعينات البورقيبية تراجعا للسلطة عن نهج شبه علماني ميّزها في البداية ( تمثل خاصة في قانون الاحوال الشخصية ، وتحدي المناسك التقليدية والتقاليد المرعية ) ، تراجعا في اتجاه تدعيم المؤسسة الدينية ، وتدعيم حضورها الثقافي والاجتماعي ، هذا فضلا عن هيمنة الفكر الغيبي ، وتقلص دور العلم ، هذه الظاهرة التي تبرز بصورة اهم في الاوساط البدوية التي كوّنت احزمة الصفيح حول المدن الكبرى .
ان ربط معظم شرور التخلف والفقر بهيمنة الاستعمار الغربي ’يحدث لدا قطاعات هامة من البرجوازية الصغيرة ، ردة فعل تجاه هذا الغرب ، والبحث عن الذات المسلوبة ، والتمسك بالتراث الحضاري ، والهوية في وجه هيمنة الاجنبي والسلطات الموالية له ، وفي هذا الارث الايديولوجي يلعب الاسلام دورا مهما . كما ان الهجوم على القيم الاجتماعية التقليدية والعلاقات التقليدية ( الاسرة والمرأة ) ، هذا الهجوم الناتج عن التغريب الواسع والمتميز في تونس اكثر مما في البلدان الاخرى ( على هذا المستوى يمكن تشبيهها بلبنان ) ، وكذلك انتشار العديد من القيم الوافدة من الغرب ،،، ’تحدث كلها لدا تلك القطاعات من البرجوازية الصغيرة ردة فعل الى الوراء ، الى التمسك بالقيم القديمة البالية ، ومحاربة الجديد الوافد من الغرب ، والعودة الى القيم والأخلاق التي كان ( الاسلام ) قد ارساها .
ان الاسلام التقليدي لا يوفر للبرجوازي الصغير الذي يتعرض للخراب الاقتصادي ، وهجوم الحياة العصرية وهيمنة الغرب ، ما يصبو اليه من حلول شاملة لجميع مآسيه . ان ذاك الاسلام لا يمنحه إلا حلا فرديا لتلك المشاكل ، كما انه عاجز ، في صورة المناسك والعبادات ، عن ان يوفر له شروط تغيير لأوضاعه . ان هذا يمكننا من تفسير عزلة التيارات والمجموعات الاسلامية التي تكتفي بالدعوة الى تطبيق المناسك الاسلامية والعودة الى القيم والأخلاق الاسلامية ( وهي مجموعات منعزلة في بعض المدن تكتفي بالوعظ والإرشاد ) ، في مقابل الازدهار الذي عرفه الاتجاه الاسلامي باعتباره مشروعا سياسيا ، يقدم نفسه كتيار يسعى الى التغيير الجذري للأوضاع ويشكل استجابة راديكالية ، يمينية ، للرفض البالغ والواسع الذي تبديه تلك الفئات ، والفئات الشعبية عموما ، ازاء الوضع القائم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا .
لقد تمكن الاتجاه الاسلامي من استغلال العديد من الجوانب الكامنة في الاسلام بشكل يتجاوب مع تلك المآسي التي تتعرض لها الفئات البرجوازية الصغيرة . وان المتأمل في محتوى هذا الخطاب الاسلاموي ، سيلاحظ تمحوره حول مشكلة الهوية دون تحديد مضمون واضح لها ، والاكتفاء بالإثارة والدعوة الى التمرد على واقع الازدواج اللغوي والثقافي ، وحالة التسيب الاخلاقي والقيمي ، والتأكيد على عنصر الاعتزاز ، والانتماء لتخليص الفرد من عقدة الدونية تجاه الغرب ، وربطه بالتاريخ والتراث والجذور .
ولا يفوتنا ان نشير الى ما احاط هذا التوظيف من شحن ايديولوجي مميز للاخوانية والسلفية عموما ، حيث وقع تصوير هؤلاء في مجابهة دائمة مع المجتمع القائم الذي يحاول ان يحاصرها ويضربها على غرار ما حاول ان يقوم به كبار مكة مع النبي والمؤمنين به ، وهو ما يوفر للحركة امكانية الانصهار التام التنظيمي والإيديولوجي للعناصر الملتحقة بها ، اضافة الى ما يوفره المجتمع الصغير للتيارات الاسلامية من طمأنينة وأمن حيث ينعزل عن " مجتمع الجاهلية " ويمارس ذلك المجتمع الصغير بقيمه وطقوسه وعلاقاته وعاداته .
تلخيصا يمكن القول ان ازدهار التيار الاسلامي الاخواني يعود بجزء هام الى تجاوب المشروع الذي يطرحه مع ازمة فئات هامة من البرجوازية الصغيرة التي تتعرض للسحق والتدمير والخراب ، والتي وجدت في ذلك المشروع ملاذا ايديولوجيا وتنظيميا وسياسيا ملائما لها .
4 ) وضع الحركة العمالية : ولا تتجه الفئات البرجوازية الصغيرة والمهمشة والعمال المنحدرين منها الرافضة لدكتاتورية السلطة الحاكمة باتجاه السلفية الاسلامية والاخوانية ، إلا اذا لم تجد خيارا سياسيا آخرا امامها . ان هذه الحقيقة تكشف لنا سبب هام من اسباب صعود الحركة الاسلامية والاخوانية ، ألا وهو غياب التيارات الثورية القادرة على توظيف الرفض الجماهيري في وجهة ثورية . في تونس كما في المغرب مثّل واقع الحركة اليسارية وضعا ملائما بالفعل لصعود الاتجاه الاسلامي بتنظيماته المختلفة ، علما بان هذا الصعود قد حد منه بصورة هامة وجود الاتحاد المغربي للشغل بالمغرب والاتحاد العام التونسي للشغل في تونس اللذين لعبا دور الحزب العمالي الطليعي الاصلاحي خلال سنوات الحراك السياسي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي .
فعلى صعيد الحركة اليسارية ، تجدر الملاحظة في البداية ان الحزب الشيوعي التونسي مثل حزب التقدم والاشتراكية ( شيوعي سابق مزور ) لم يستطيعا تاريخيا اكتساب اي نفوذ جماهيري نتيجة لسياستهما الذيلية تجاه البرجوازية ، وعدم رسم خط نضالي مناهض لسياستها ، الامر الذي جعلهما عاجزان الى حد كبير عن قيادة الرفض ومواكبة التطورات الحاصلة بالساحة الوطنية بسبب فقدانهما لأية مصداقية نضالية .اما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كان خرج مرهقا من انقسام 1972 ، فانه بدوره ظل متأخرا عن النضال الوطني الذي عرفته الساحة ، وزاد من هذا التهميش المحاكمات التي عرفها المغرب على اثر احداث 3 مارس 1973 ، وما دفعت به تلك الاحداث من توجهات جديدة بلغت قصويتها في المؤتمر الارتدادي سنة 1975 . كما ان الانكباب لإنشاء نقابة جديدة باسم ( ك د ش ) قد جعل التنافسية بين المركزيتين معطلا لمواكبة التطورات التي كانت تأتي فجأة وبسرعة .
اما اليسار الجديد الذي تعود ارهاصاته الاولى الى بداية السبعينات فهو كان مكونا من تنظيمين بالمغرب هما ( منظمة الى الامام ) و( منظمة 23 مارس ) و ( حركة لنخدم الشعب ) الماوية التي انفصلت عن المنظمة الثانية . اما في تونس فان هذا التيار كان يكونه تنظيمين ماويين وستالينيين هما منظمة ( الشعلة ) و ( العامل الشيوعي ) ، فانه على الرغم من النفوذ الذي اكتسبه في البداية داخل الاوساط الشبابية ، فانه دخل طور ازمة حادة منذ 1973 . وتعود اسباب هذه الازمة الى انعزاله داخل الحركة الطلابية ، والقصوية التي ميزت اطروحاته ، كما ايضا غيابه عن نضالات الطبقة العاملة والأوساط الشعبية الكادحة ، خاصة في بداية نهوضها ، وعدم قدرته على الالتحام بها ، هذا علاوة على تناقضاته السياسية والنظرية . كل هذه العوامل بالإضافة الى القمع الشرس الذي ’سلط على منظمات اليسار الثوري ، جعلت وضعه هامشي خاصة داخل نضالات الطبقة العاملة التي يدعي دفاعه عنها ، مع محافظته على تواجد هام داخل الحركة الطلابية والحركة التلاميذية . وليس بالصدفة ان تترافق ازمة اليسار الثوري النظرية والتنظيمية مع صعود الحركة الاسلامية في اواسط ونهاية السبعينات ( الشبيبة الاسلامية ، تنظيم الجهاد وجماعة العدل والإحسان ) ( حركة الاتجاه الاسلامي التي اصبحت حركة النهضة ) ، إلا انه مع ذلك لا يمكن القول ان نفوذ التيار الديني كان ضاربا . فعلى الرغم من غياب منظمات سياسية يسارية قوية ، وبالرغم من هيمنة التشتت والعمل الحرفي داخل اوساط اليسار ، فان هذا الاخير كان ولا يزال يحافظ بمواجهة الحركة الاسلامية ، على تأثير هام سواء في صفوف الحركة الشبابية او على صعيد الحركة النقابية الطلابية التي انتعش تأثيره فيها خلال السنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي .
وبخلاف الوضع النقابي في المغرب الذي يتسم بالتفرقة ووجود اطارات نقابية متعددة ( الاتحاد المغربي للشغل ، ك د ش ، الاتحاد العام للشغالين ) مما كان يؤثر سلبا على نضالات العمال التي كانت قطاعية حتى داخل النقابة الواحدة ، فان الوضع بالنسبة للاتحاد العام التونسي للشغل كان مغايرا بحكم وجود نقابة واحدة تمثل العمال ، وهو الامر الذي جعل من الاتحاد التونسي يلعب دورا مشابها لحزب عمالي اصلاحي . ذلك انه بالإضافة الى النضال المطلبي الذي كانت تخوضه النقابة العمالية ، فهي كانت تعبر عن العديد من المواقف السياسية سواء الداخلية ، ازاء المخططات الاقتصادية ، والانتخابات التشريعية والبلدية ومسألة الحريات السياسية ، او الخارجية ازاء فلسطين وإسرائيل والاجتياح الصهيوني للبنان ، وغيره من الاحداث . وقد تمكن الاتحاد العام التونسي للشغل من ان يستقطب اعدادا هامة من الطلائع العمالية التي افرزتها سنوات النضال الطبقي في تونس ، كما استقطب العديد ايضا العديد من المثقفين التقدميين ، واستطاع ان يرسخ تقاليد النضال النقابي في اغلب القطاعات والجهات ، حتى غدا ابرز قوة جماهيرية على صعيد تونس ، القادر وحده للتصدي لاختيارات السلطة ، بحيث شكل منافسا بارزا لسائر الحركات السياسية المعارضة والاتجاه الاسلامي من ضمنها . لقد مثّلت النقابة العمالية ذات طابع الحزب العمالي الذي اخذه نشاطها ، حاجزا امام صعود الحركة الاسلامية والاخوانية ، و اعاق امكانيات إنغراسها في صفوف الشغيلة ، وهو ما يفسر لنا ، اضافة الى العوامل الاخرى ، غياب اي تأثير للاتجاه الاسلامي داخل اوساط العمال كما ذكرنا ذلك سابقا .
وتجدر الاشارة الى ان الاتجاه السلفي الاخواني اظهر في البداية عداوة للحركة النقابية ، مواجها اياها ببرنامجه السلفي الذي يدعو الى استئناف العمل بالشريعة الاسلامية . لكن بعد فترة السجن ، يبدو ان هذا التيار قام بنقد ذاتي ، وانتقل الى محاولة خلق وجود له داخل المنظمة النقابية ، باعتبارها منظمة قد تمكنه من موقع تأثير داخل الحركة الجماهيرية . نفس الشيء يلاحظ عند حزب العدالة والتنمية ، وجماعة العدل والإحسان اللذين انخرطا في العمل النقابي بالقطاع الطلابي كما في قطاعات مختلفة مثل المهندسين والأطباء والمحامين والأساتذة . ومع ذلك فلا يجب ان نصدق البتة دموع التماسيح التي يذرفها الاتجاه الاسلامي على عملية التصفية التي تتعرض لها الحركة النقابية منذ تسعينات القرن الماضي ، بل وحتى ادعاءه الدفاع عنها في وجه هجوم السلطة ، ذلك ان وجودها في حد ذاته مناهض لمشروعه في الفترة الراهنة وفي المستقبل ، لأنه سيكون المستفيد الاول من اي خلل قد يصيب الاطارات النقابية التي تحمل مشروعا متصادما لمشروع الحركة الاخوانية والإسلامية .
5 ) دور السلطة : فالى جانب الطبيعة الطبقية البرجوازية الصغيرة للاتجاه الاسلامي الاخواني ، وتجاوب المشروع الذي كان يطرحه في العديد من جوانبه ، مع حالة تلك الطبقة والوضع الذي تعيشه في تونس كما في المغرب ، والى جانب ازمة اليسار الثوري في كلا البلدين ، هناك عامل مهم ايضا في ازدهار الحركة الاسلامية والاخوانية في هاذين البلدين ، ألا وهو الدور الذي لعبته الدولة من خلال وزارة الداخلية في تدعيمها . ان هذا يظهر جليا في الفترة الاولى ، فترة الدعوة والإعداد ( 1970 – 1979 ) من تاريخ الحركة الاسلامية . ففي هذه الفترة غضت السلطة النظر عن نشاطه ، بل سمحت له باستعمال القنوات القانونية لنشاطه مثل المساجد لإلقاء الدروس والمحاضرات ( هذه المساجد التي شكلت حولها البنية التنظيمية للاتجاه الاسلامي في الدارالبيضاء والرباط حيث كان يحاضر عبدالكريم مطيع والعديد من رموز التنظيم ) ، والتغاضي عن نشر جمعيات حفظ القرآن وفتح دوره في العديد من المدن المغربية كما في تونس العاصمة ، وهنا لابد من التذكير ان الترخيص لحركة الشبيبة الاسلامية جاء مباشرة من الجهات الرسمية حيث تشرّف عبد الكريم مطيع بوضع القانون الاساسي للجمعية مباشرة لدا وزير الداخلية آنذاك السيد حدو الشيكر ، وبتدخل من السوري بهاء الدين العامري المكلف بمهمة بالديوان الملكي . وهنا تجب الاضافة الى ان السلطة في تونس سمحت طيلة ثماني سنوات تقريبا بصدور مجلة ( المعرفة ) التي كانت تطبع بمطابع حزب الدستور الحاكم ، في حين سمحت السلطة في المغرب بصدور مجلة ( الجماعة وجريدة الفتوة ) التي اشرف على اصدارهما الشيخ عبدالسلام ياسين مؤسس جماعة العدل والإحسان ، هذا علاوة على التشجيعات المادية والأدبية التي كانت السلطة تقدمها للجماعات المعتدلة مثل الجماعة الاسلامية التي تطورت لتصبح ، ومن خلال المرور بعناوين كثيرة ، حزب العدالة والتنمية .
لقد كانت السلطة في كلا البلدين في بداية السبعينات بحاجة الى طرف سياسي يقف امام الصعود المدوي والقوي لليسار الثوري والشيوعي والاشتراكي القومي ، خاصة داخل اوساط الشبيبة ، طرف كالاتجاه الاسلامي والشبيبة الاسلامية’يصنف اليسار الملحد على راس قائمة اعداءه ، ويمكن ان يلعب باستحقاق دور الاجسام المضادة . ومن جهة ثانية وفي فترة تنامت فيها النضالات الجماهيرية والشعبية ، كانت السلطة تحتاج الى قوة تعتمد على الدين تدغدغ الشعور والوجدان الشعبي الهائم في الاركاييكية والخرافة ، فتقدر من ثم على امتصاص الغضب الجماهيري بإيجاد منافذ دينية له ، قوة تلعب دور الطابور الخامس للسلطة خلال الازمات الاجتماعية والسياسية المحدقة بالبلد .
اما الحركة الاسلامية ، فقد كانت ترى هذا التحالف مع السلطة من زاوية اخرى . ان اغلب التيارات الاسلامية الاخوانية تستعمل تقريبا التكتيك نفسه في مواجهة السلطة القائمة . ويعتمد هذا التكتيك على قاعدتين : الاولى متمثلة باتخاذ شتى التدابير في فترة بناء التنظيم الاخواني الاسلاموي ، لتفادي التصادم مع السلطة واجتناب المعارك معها ، بل ومغازلتها وكسب ’ودها ، كما يفعل عبدالاله بنكيران ومن معه في حزب العدالة والتنمية ، ويفعل الشيخ الفزازي وابو حفص ومن وولاّهم من الشيوخ المتأسلمين ، حتى تقدر على بناء نفسها بهدوء ، وبعيدا عن المعارك السياسية السافرة . ويعبر عن ذلك رفعت السعيد في حديثه عن الاخوان المسلمين في مصر بقوله " لكن الشيخ البنّا يتباعد عن السياسة عشر سنوات كاملة يعزز فيها صفوف جماعته وينتقل بها في هدوء ويسر وبلا ضوضاء من مرحلة لمرحلة ، محققا نجاحا كبيرا ليس فقط في اقامة بناء تنظيمي ’محكّم ، وإنما ايضا في اخفاء هويته عن الجميع متباعدا عن اي اشتباك محاذرا من ان يعادي احدا او يعاديه احد " ( نفس الشيء يقوم به حزب العدالة والتنمية ، وتقوم به جماعة العدل والإحسان ، وشيوخ السلفية الذين خرجوا مؤخرا من السجن ) . ان اخفاء الهوية السياسية عن الجميع ، ’موظّف بالضبط لبناء التنظيم المحكم . وبالفعل وخلال تسع سنوات من 1967 الى 1975 تباعدت الحركة الاسلامية عن العمل السياسي ، وعن الدخول في اشتباك مع السلطة كما اوضحنا اعلاه .
اما القاعدة الثانية فهي المتمثلة بمساندة السلطة ضمنيا وفعليا في اي عمل تقوم به ضد الاعداء الرئيسيين للاتجاه الاسلامي ، اي التيارات اليسارية والشيوعية والاشتراكية القومية . وبالفعل ، لازم التيار الاسلامي صمتا ، لا بل سرورا وترحيبا ، امام الضربات الموجعة التي كانت السلطة توجهها للتيارات السياسية التي تعرضت الى عنف شديد خلال السبعينات ( اليساريون الماركسيون من منظمة الى الامام ومنظمة 23 مارس وحركة لنخدم الشعب ، والاشتراكيون التقدميون من خلال المحاكمات التي تعرض لها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . وفي تونس اليسار الماركسي ’مكون من تنظيم الشعلة وتنظيم العامل التونسي اضافة الى البعثيين والقوميين والوحدة الشعبية ، بل حتى النقابيين على اثر اضراب 1978 ) . لقد استمر هذا التحالف الى حدود سنة 1979 في تونس ، في حين استمر في المغرب الى حدود 1976 على اثر اغتيال عمر بنجلون من طرف عصابة الشبيبة الاسلامية التي انتمى اليها عبدالاله بنكيران . وقد ساهم هذا الخط بالفعل في صعود الحركة الاسلامية ، سواء بالسماح له بالنشاط الذي امتد منذ التسعينات الى الاطارات النقابية ، او من خلال تدمير اعداءه السياسيين من رموز اليسار كافة .
ومع دخول التيار الاسلامي العمل السياسي المباشر ، بدأت العلاقة تتوتر بينه وبين السلطة ، خاصة في ظروف تصاعد فيه التوتر الاجتماعي والسياسي ، وتأثير الثورة الايرانية على الاوضاع في العديد من الدول العربية . ففي تونس جاءت الاعتقالات والمحاكمات الواسعة التي شملت التيار الاسلامي في صيف 1981 ، لتنتهي فترة الود ثم فترة التنافر من 1979 الى 1981 اللتين ميزتا علاقته بالسلطة . اما في المغرب فقد شهدت سنة 1984 ذروة الحملة القمعية الشديدة ضد أنوية الاتجاه الاسلامي الرجعي وكشفت المحاكمات التي تلتها عن تنظيمات سرية بدأت نشاطها منذ 1978 – 1979 مثل " فصيل الجهاد " الذي اسسه عبدالعزيز النعماني عند انفصاله عن " منظمة الشبيبة الاسلامية " و " الحركة الثورية المغربية " و " حركة المجاهدين بالمغرب " حيث بلغ عدد الماثلين امام المحكمة 71 متابعا ينتمون الى مختلف هذه التنظيمات والى منظمة " الشبيبة الاسلامية " ، ومثل تونس فقد جرت محاكمتهم بتهمة توزيع المناشير في المساجد بالدارالبيضاء والمحمدية ، وحيازة السلاح . كما في شهر غشت 1975 مثل 26 عضوا من اعضاء منظمة " الشبيبة الاسلامية " امام المحاكم بتهمة التزود بالأسلحة من الجزائر والعمل لإرساء نظام حكم اسلامي اخواني ، وقد ’حكم على عبدالكريم مطيع قائد المجموعة بالإعدام .
6 ) هل وصول الحركة الاخوانية الى الحكم صدفة ام انه نتيجة عمل دءوب : مما لا جدال فيه ان وصول الحركة الاخوانية الى الحكم في العديد من الاقطار العربية مثل مصر ، تونس وليبيا واليمن وسورية على الابواب ، لم يكن عمل دءوبا ، لكنه حصل صدفة بسبب سرقة ( الربيع العربي ) الذي لم يحسن فن ادارة الصراع بما يؤسس لتغيير جذري وحقيقي . هكذا تراجع المنتفضون الى الوراء ، فاسحين المجال امام الحركات الاخوانية لتنقضّ على السلطة بواسطة انتخابات حسمت نتائجها صناديق خضعت للتقاليد الغيبية المدغدغة للحواس والوجدان الشعبي الذي تسيطر عليه الامية والجاهلية بمختلف صورها وألوانها ، فكان الحسم ليس للعقل والمستقبل ، بل كان للرجعية والفاشية وتجار الدين . واذا كانت الامور تسير الى اللاّعودة في بناء ما نظر له الاخوان منذ الاربعينات ، فان استعمال الديمقراطية كتكتيك في الوصول الى مرحلة تصادر فيها الديمقراطية والحقوق ، يبقى امرا مؤكدا عرّى عنه انقلاب الاخوان في مصر من خلال التحضير لمشروع دستور يؤسس الأبدية الاخوانية ، من خلال سيطرة حزب الحرية والعدالة ، وحلفاءه من حزب النور وجميع التنظيمات الاسلاموية على الحكم في مصر، لتحويل الدولة ، من دولة المصريين الى دولة الاخوان ومن لف لفهم من التنظيمات الاسلاموية التي تسير في ركابهم . ومما يؤكد ان وصول الاخوان الى الحكم في مصر وتونس ، كان صدفة ولم يكن عملا دءوبا ، هو ان المسار الذي سلكته الحركة الاخوانية منذ نشأتها ، كان يفتقد في كثير من الاحيان الى منهجية مدروسة وخطة عمل محددة المعالم وواضحة الاهداف ، بل كان عليها خاصة في تونس السير بصعوبة والانسياق وراء الاحداث والانفعال بها بدون التأثير الايجابي فيها ، وهو ما يمكن تلخيصه بأزمة الحركة الاخوانية والإسلامية في جميع البلاد العربية ، لان التجارب التي قامت بها في مجال العمل السياسي لا تكاد عناصرها تتكامل حتى تأخذ بالتآكل ، وانه لا تكاد امكانياتها تتجمع وتتهيأ حتى تأخذ بالتداعي والانفراط قبل ان تحقق الهدف الرئيسي من وجودها بإقامة المجتمع الاسلامي ، اي دولة الخلافة كما تبشر بذلك جميع الحركات الاسلامية ايا كانت العناوين التي تتحرك تحتها .
فهل سيقبل الغرب ب " خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سيعود " ؟ وهل ستقبل الجيوش بالتأسيس لنظام فاشي غارق في الرجعية والظلامية ، ام ان فترة الاخوان هي مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الصراع بين الاحزاب القومية واليسارية والعلمانية والليبرالية وبين الاتجاه الاسلامي بجميع اطياف منظماته من سنية مختلفة وشيعة متعددة ؟ انه صراع بين التقدم وبين الماضي يمر امام انظار الغرب الذي يراقب الوضع عن كثب ولن يتركه يخرج عما تم رسمه في كبريات العواصم الاوربية وبأمريكا ، وهو ما يدلل عليه قدرة الغرب في النجاح الباهر في احتواء الظاهرة الاخوانية مادامت تخدم الاجندة الاستراتيجية وعلى رأسها الاعتراف بأمن اسرائيل من خلال الاتفاقيات المبرمة ، مقابل قروض بالمليارات من الدولارات ، وإعفاء من الديون ، مع تسهيلات في عمليات التسديد .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,644,943
- الحركة الاسلامية في لبنان ( 4 )
- الصراع بين حزب البعث والسلفية الاخوانية في سورية ( 3 )
- التيار السلفي في مصر ( 2 )
- ملف عن السلفية الاسلاموية ( 1 )
- النخبة وزمن التّيه السياسي
- الثورة آتية لا ريب فيها
- عودة كريستوفر رووس الى المنطقة
- في الثقافة الوطنية القومية الاصيلة
- الماركسية والتراث والموقف من الدين
- تسعة واربعين سنة مرت على حرب اكتوبر . ماذا بعد ؟
- الموقع الطبقي لحركة الضباط الاحرار
- لبنان وسورية في فوهة البركان الصهيوني
- عالم آخر ممكن
- اتجاه العنف في الاستراتيجية الامبريالية الامريكية
- البنك العالمي للانشاء والتعمير في خدمة الادارة الامريكية
- ( الدولة اليهودية ) ومفهوم الحدود الآمنة
- حركة التحرر العربية : ازمة عارضة او بنيوية ؟ الربيع ( العربي ...
- الصهيونية العالمية والنازية وجهان للصهيونية الاخوانية
- ميكانيزمات التحكم في القرار السياسي بالبلاد العربية
- في بناء الحزب العمالي الثوري (منظمة الى الامام) ( وجهة نظر )


المزيد.....




- القانون الانتخابي التونسي: ما هي أبرز التعديلات وما أهدافها؟ ...
- شاهد: أهالي قرية العدوة مسقط رأس مرسي يصلون عليه "الغائ ...
- إحالة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للمحاكمة بتهم فسا ...
- ترامب يرشح عراقية سفيرة في بلغاريا
- اشتباكات عائلية وانتشار للسلاح بالضفة.. هل هي نهاية السلطة ا ...
- وزير يمني: الوجود الإماراتي في سقطرى احتلال متكامل الأركان
- الزيارات المتبادلة... خطوات نحو التقارب السعودي مع لبنان
- لمواجهة الحرب الأمريكية... هواوي تلجأ إلى -الخطة الأخيرة-
- بالفيديو... شاب يمارس التفحيط بسرعة جنونية وبجواره طفل صغير ...
- الحلبوسي يناقش مع أمير الكويت الملفات ذات الاهتمام المشترك ( ...


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الحركة الاسلامية الاخوانية بتونس ( 5 )