أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر المظفر - سوريا الثورة.. والثورة على الثورة















المزيد.....

سوريا الثورة.. والثورة على الثورة


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 3349 - 2011 / 4 / 28 - 22:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


سوريا الثورة.. والثورة على الثورة
جعفر المظفر
في عام 1958 ذهبت سوريا بإرادتها لتبايع عبد الناصر رئيسا, ولتصبح إقليما شماليا للجمهورية العربية المتحدة التي كانت مصر إقليمها الجنوبي, وكان عبد الناصر اشترط على السوريين حل أحزابهم والانضمام للإتحاد الاشتراكي, ولقد وافقت أغلب الأحزاب السورية ومنها حزب البعث على قرار حل تنظيماتها وتم التضحية بتجربة ديمقراطية ناشئة لصالح ديكتاتورية ثورية بدت بمقاييس ذلك العصر وكأنها تجديد لعصر البطولات العربية القديمة.
لكن من الذي كان يجرأ وقتها بالحديث عن مفردات على شاكلة قوانين السوق أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان. لقد جعلت معطيات مرحلة الانقلابات العربية تلك المفردات خروجا على السياق والمنطق, فالمنطقة العربية وفي المقدمة منها مصر كانت تفور بأحداث هامة كان من شأنها أن تؤجل المطلوب الاجتماعي لصالح المطلوب السياسي, فلا كتب الديمقراطية ولا كتب التحولات الاجتماعية كانت قادرة على أن تفعل مفعول خطاب سياسي واحد يتحدث عن قضية تحرير فلسطين أو الوحدة العربية, أو عن رحيل القوات الاستعمارية وإزاحة قواعدها, بل أن الديمقراطية ذاتها بدت مكروهة آنذاك, ليس بسبب نواقص تجربتها الذاتية, كونها أصبحت لعبة النخبة, وإنما أيضا لأنها كانت خطابا لفئات سياسية متهمة بالتواطؤ مع الغرب المستعمر على حساب القضيتين الأساسيتين, الاستقلال الوطني ومتطلبات السيادة من جهة وقضية فلسطين من جهة أخرى.
صحيح أن العديد من الدول العربية كانت لها برامج لتأميم بعض المرافق الاقتصادية الكبيرة مثل قناة السويس في مصر والمصالح النفطية في العراق, لكن حتى مع هذه الإنجازات الكبيرة فقد تم وضع الخطاب الاقتصادي في خدمة الخطاب السياسي, وصار بإمكان منظر لدبابة أو صاروخ في عرض عسكري أن يعوض عن مشهد بناء مصنع جديد ويؤجل حاجة الحديث عنه, بل ويلغيها.
لكن مقارنة التغييرات التي حدثت في مصر (1952) والعراق ( 1958) مع تلك التي حدثت في سوريا منذ انقلاب حسني الزعيم (1949) سوف تجعلنا نرى أن انقلابات مصر والعراق العسكرية كانت قد حققت عددا من الإنجازات الاقتصادية المهمة وخاصة على الصعيد الزراعي, أما سوريا فبدت حينها وكأنها لا تملك غير أفقها السياسي المتمثل بأهداف وطنية وقومية على شاكلة الوحدة العربية وتحرير فلسطين. حتى إذا ما تصاعد نجم عبدالناصر, وخاصة بعد تأميم قناة السويس وصمود مصر في وجه العدوان الثلاثي الذي شنته جيوش التحالف الإنكليزي الفرنسي الإسرائيلي عام 1956 فإن انضمام سوريا إلى مصر لتأسيس دولة واحدة كان قد تفعل بسبب غياب شبه كامل للبرامج الاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها أن تعزز إطار التجربة السورية وتجعلها أكثر ميلا للحفاظ على هويتها الوطنية. إضافة إلى ذلك فإن الصراعات البينية المحتدمة بين القوى السياسية السورية كان جعل البعثيين والقوميين أكثر التزاما وعملا بمشروع الوحدة, ليس من خلال التزامات عقائدية بحتة, وإنما لاعتقادهم أن دولة الوحدة ستمنحهم موقع ونفوذا أفضل على حساب كل القوى السياسية الأخرى .
كانت الوحدة هروبا سوريا إلى الأمام مما أدى إلى القبول الفوري بشروط عبدالناصر وفي المقدمة منها حل الأحزاب, ولم يكن بالمقدور تفسير ذلك بمعزل عن توقع المكاسب السياسية التي ستتحقق للتيار القومي على حساب التيارات السياسية الأخرى من شيوعيين ووطنيين, لكن حساب الحقل لم يكن انطبق تماما على حساب البندر, إذ سرعان ما تكشف للبعثيين إن دولة الوحدة هي دولة ناصرية بالكامل, أما هم فلم يحصلوا سوى على إحدى وظائف نائب الرئيس الثلاثة (أكرم الحوراني) وهي وظيفة فخرية لم تكن تتناسب مع ثقل الحزب أو مع طموحه, في حين أصبحت سوريا محكومة كاملا من قبل نائب عبدالناصر (المشير عامر) والحاكم العسكري الناصري (عبدالحميد السراج).
ولا يمكن تفسير مساندة البعثيين للانقلاب العسكري السوري للانفصال عن دولة الوحدة بدون إعطاء أهمية كبيرة لهذا الجانب الذاتي, ومع أن الحزب جماهيريا ظل يعيش عقدة تأييده للانفصال, لكن الانفصال ذاته كان منح البعثيين مكاسب سياسية كبيرة, فإذ حققت لهم دولة الوحدة القضاء على أو تحجيم بقية الحركات السورية المنافسة بفضل من عبدالناصر, فإنها جعلتهم, رغم حل الحزب وإنضمامه إلى الإتحاد القومي ( تنظيم السلطة المسموح له بالعمل السياسي) بمنأى عن التصفيات السياسية, حتى إذا ما حدث الانفصال فقد وجد البعثيون في أنفسهم القدرة على تسيد الساحة السياسية وسط غياب أو تراجع بقية القوى الذي حققته لهم السلطة الناصرية بالنيابة, ولم يكن قد مضى عامان على الانفصال (1961) حتى تمكن البعثيون حسم معركة السيطرة على السلطة (1963).
بسهولة يمكن الوقوف أمام الحقيقة التالية, إن البعثيين في سوريا لم يكونوا يملكون غير خطابهم السياسي, وفي حمى التنافس مع عبدالناصر على الزعامة القومية ولغرض التقليل من الأثر السلبي للمشاركة في الانفصال وميل القيادة القومية بزعامة عفلق إلى السيطرة على شؤون الحزب وسلطته على حساب نفوذ وتأثير قياداته القطرية, ومع الصراعات التي أججتها تلك المجابهات, فإن اللجنة العسكرية التي ضمت رجالا من أمثال صلاح جديد وحافظ أسد لم تجد صعوبة كبيرة أمامها لحسم المعركة ضد فرسان الحزب القوميين ( عفلق - أمين الحافظ).
وفي حمى الانقلابات تلك كان التطرف القومي والثوري يزداد ويتصاعد من خلال خطاب توظيفي كان تأسس لتغطية النوازع الذاتية السلطوية, وكان من الطبيعي بغياب البرامج الاجتماعية والاقتصادية الوطنية الأخرى أن يتحول العمل السياسي السوري وقتها إلى مجرد مزايدات سياسية خطابية هدفها إقصاء الخصوم, فأزداد التمسك بالخطاب السياسي بشقيه (الثوري اليساري للتغلب على جناح عفلق المتهم باليمينية) و (القومي الذي تصاعد على خلفية الصراع والتنافس مع عبدالناصر والأهم أيضا لإقصاء كامل لجناح عفلق), وفي هذا الاتجاه كانت فلسطين جاهزة لأغراض الاستثماري التوظيفي الذاتي الذي أدى إلى هزيمة الخامس من حزيران الماحقة والتي كان نصيب سوريا فيها ضياع هضبة الجولان ذات القيمة الإستراتيجية الكبيرة على الأمن الإسرائيلي.
وكان لا بد من ضحية(!). هنا يتقدم وزير الدفاع السوري(حافظ الأسد) المتهم من قبل (صلاح جديد) بالانسحاب من الهضبة وعلى طريقة (أتغذى بك قبل أن تتعشى بي) بإزاحة هذا الأخير وطاقمه القيادي من سدة الحكم لكي تبدأ بعدها مرحلة (سوريا الأسد).
وسوريا الأسد, وبن الأسد, كانت بكاملها مشروعا لإستثمار الحدث القومي بشقيه الفلسطيني والوحدوي, وهو استثمار ذاتي ولا علاقة له بالنوايا الحسنة, وطيلة الواحد وأربعين عاما هي مدة حكم الأسدين كان النظام قد أثبت براعة كبيرة في فنون الاستخدام السياسي بحيث أصبح الورقة الأساسية المطلوبة لتوازنات الساحة العربية والإقليمية وأصبح استمراره مطلوبا من كل الأطراف المتنازعة وحتى من قبل أمريكا وإسرائيل.
لكن تطورين خطيرين سرعان ما عجلا بفقدان هذا النظام لأهم أوراق براعته, فعلى صعيد الساحة العربية لم يعد خطاب النظام القومي كافيا لدعمه. على الجبهة مع إسرائيل تراجع ثقل القضية الفلسطينية لتتحول من قضية قومية إلى قضية محلية ودولية لا مجال فيها للإستخدامات العربية وبالأخص السورية. أما على الصعيد اللبناني فقد فقدت سوريا لمعانها وبريقها الثوري لصالح إيران وحزب الله, أما على صعيد الخطاب القومي فإن مشاريع الوحدة العربية تراجعت كثيرا إلى ما دون مستوى مشروع التضامن.
هكذا فإن الأسباب التي تأسس النظام وفق قواعدها قد تراجعت وحتى انتهت. الخطاب السياسي السابق لم يعد له وجود أو أهمية بالمستوى الذي يمنح النظام مبررات تأجيل ما هو اجتماعي ( قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان) لصالح ما هو سياسي ( قضية فلسطين والوحدة). ذلك قد نسف مبررات وجود النظام الذي ما كان تأسس أساسا ولا كان استمر إلا بفضل العوامل السياسية التي لم يعد لها وجود أو تأثير كاف.
لقد فقد النظام السوري أهم أوراق قوته كما وتراجعت أهمية الباقي بفعل التغييرات السياسية المعاصرة, أما عن احتمال خروج النظام من محنته هذه فهو احتمال ضعيف جدا لأن هذا النظام الذي فقد قوة برنامجه السياسي قد فقد أيضا قدرة أجهزته القمعية على الدفاع طويلا عن دولة لا برنامج لها.
والدولة التي لا تملك برنامجا سياسيا أو اجتماعيا قد تكون أي شيء إلا أن تكون دولة.
كذلك الأنظمة, فهي كما الأفراد, إن شاخت فلن يكون أمامها سوى أن تتقاعد.
لكن مشكلة أنظمتنا العربية أنها لا تملك نظاما للتقاعد يعينها على أمراض الشيخوخة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,478,792,890
- حينما تكون الخيانة اختلافا في وجهات النظر
- يا سعدي.. الوطن وطن وليس فندقا بخمسة نجوم
- بين معنى الوطن ومعنى النظام أضاع سعدي يوسف نفسه
- إشكالية التداخل بين الفقه الديني وفقه الدولة الوطنية.. العلم ...
- المسلمون. بين فقه الدين وفقه الدولة (3)
- المسلمون.. بين فقه الدين وفقه الدولة (2)*
- لو أن ميكافيلي بعث حيا يا موسى فرج
- مرة أخرى.. حول موقف المالكي من سوريا
- موقف المالكي من مظاهرات السوريين
- الإسلام .. بين فقه العقيدة وفقه الدولة**
- بين فقه العقيدة وفقه الدولة*
- عزت الدوري الرئيس السابق لمؤسسة شيطنة صدام
- حول الرسالة الكوميديةالأخيرة لعزت الدوري إلى القذافي
- كيف تتسبب السلطة البحرينية بالإضرار بعروبة البحرين
- هل سينجح العراقيون في امتحان البحرين
- كركوك هي كركوك وليست قدس الأقداس
- حظر الطيران والخوف من أمريكا
- وائل غنيم والماسونية وثورة مصر
- حاسة واحدة مع المالكي وأربعة حواس ضده
- وحدة فعل الاضطهاد تخلق وحدة رفضه


المزيد.....




- إعلام: إسرائيل تقصف قاعدة عسكرية للجبهة الشعبية على الحدود ا ...
- بيان مشترك: السعودية والإمارات تستنكران حملات التشويه التي ت ...
- السعودية تعترض ستة صواريخ وطائرتين مسيرتين من اليمن
- غريزمان المنضم حديثا لبرشلونة يعوض غياب ميسي المصاب
- وسائل إعلام لبنانية: غارات إسرائيلية تستهدف الحدود اللبنانية ...
- بيان سعودي إماراتي مشترك حول الأحداث في اليمن
- The Dissertation Writing Help Game
- British Papers for Children and Students – Papers Topics at ...
- Hearsay, Deception and Uk Based Essay Writing Service
- The Forbidden Facts Regarding Best Are Online Paper Writing ...


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر المظفر - سوريا الثورة.. والثورة على الثورة