الطاقة الذكية الأزلية بين العلم والفلسفة 2/4


ضياء الشكرجي
الحوار المتمدن - العدد: 7755 - 2023 / 10 / 5 - 16:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

أما أنا وتكملة لما مر، أتصور الله طاقة، ولكونه طاقة، وليس مادة، فهو لا يُؤيَّن ولا يُحيَّز، غني عن المكان والزمان، فوق المكان والزمان. ما هو الله هذا الذي أؤمن ومن مثلي به؟ كيف نستطيع أن نتصوره؟ حتى نتحدث عنه بلغة علمية؟ أو على الأقل بما لا يتقاطع مع العلم؟ أقول هو طاقة ذكية أزلية، طبعا هي واعية مريدة عليمة حكيمة، وهي مخططة، مصممة، والأهم عندي كما توصلت مؤخرا هي مبرمجة. ومن أجل توضيح الفكرة، أقول عندما حصل الانفجار الكبير قبل 17.3 مليارد سنة، كانت هناك قبل الانفجار ما يمكن تسميته بمادة أو بذرة الانفجار الأول، والي كانت أصغر من الذرة بمليون مرة، وكان الكون كله مكثفا فيها، وفجأة انفجرت وكان ما كان وتكوّن ما تكوّن وتطوّر ما تطوّر. لكن ماذا كان يا ترى قبل الانفجار الأول، هل لا شيء؟ وبالتالي كان الخالق عاطلا عن العمل؟ شخصيا أعتقد جازما أنه بالتأكيد هناك هناك قبل كوننا أكوان وأكوان، ولو إن هناك فرضية بأزلية الكون، وهذا لا يتعارض مع أزلية ووحدانية الله ، بل هو من ضروراته، لأن الله مذ كان، أي منذ الأزل هو خالق وقدير وفاعل غير عاطل، ولذا فإن القول بأزلية الكون لا يتعارض مع وحانية الله، التي فهمتها بعض مدارس الكلام، أنه وحده الأزلي لا أزلي سواه، وبالتالي فالقول بأزلية الكون ينقض مبدأ التوحيد، بجعله الكون شريكا لله في أزليته. هذه الشبهة حصلت عندهم بتقديري من خلال عدم التمييز بين الكون أو لنقل الكؤون أي أن يكون دائما ثمة ما كان ويكون، وبين أزلية كل مفردة من مفردات الكون، مما يجعل تلك المفردة بشكل خاص شريكا لله في أزليته وليس الكؤون كمصدر لفعل (كان يكون: كونا، كؤونا، كينونة، كيانا). نعود إلى كوننا هذا، فعندما انفجر، وكان ما كان، وتكوّن ما تكوَن، وضع المصمم الأول، أو الطاقة الذكية الأزلية بَرْمَجَةً لتطور الكون، ولتحولاته، حيث يمكن أن نتصور بذرة الكون تلك، كالكومپيوتر الذي يبرمج، ونحن اليوم نتكلم اليوم عن الذكاء الصناعي (atrifical intelligence)، الذي نتوقع في المستقبل غير البعيد أن يكون عليم بما يكاد يكون كل شيء، يفترض ألا تكون فكرة الذكاء الأزلي الأعلى صعبة التصور علينا. هذه الطاقة إذن أو الله هو خالق أولي، ومبرمج، دون أن يكون شبيها كليا بالذكاء الصناعي، لأنه قائم بذاته وكائن بذاته، هو المصمم والمبرمج، وهو الطاقة الأولى الأزلية واجبة الكؤون، الذي خلق تلك الكتلة، التي هي أصغر من حجم الذرة بمليون مرة، حيث كان الكون كله مكثفا فيها، فانفجرت انفجارا مبرمجا، حيث وضعت الطاقة الأزلية الخالقة لهذه الكتلة فيها برنامجا تفصيليا لكل التحولات، شبيها بكومبيرتر مبرمج برمجة دقيقة، ومزودا بكل ما يحتاجه من معلومات وقوانين. إذن الله هو الطاقة الأولى، أو الذكاء الأعلى حسب ميشيو كاكو.
هذه المقدمة كانت ضرورية لأبين الإشكالات والثغرات والشكوك التي أراها في أدلة وجود الله. فعدما بينت أدلة وجود الله، ولماذا أؤمن به، ذلك فقط لأوضح لماذا أفكر بهذه الطريقة، فأنا كما بينت لست حريصا أبدا على أن أقنع الناس بأدلة إيماني بالله، فالملحد هذه قناعته وينبغي أن تحترم، واللاأدري كذلك، وعلى ذكر اللاأدرية أقول أحيانا لعل اللاأدريون هم أعقل من الفريقين الآخرين؛ الفريق الذي يجزم بوجود الله مثلي، والفريق الذي يجزم بنفي وجود الله، وهنا لا بد من الإشارة أن حتى الإلحاد درجات، فهناك من لا يؤمن بوجود الله، وهناك من يؤمن بعدم وجود الله. فالأول قد يكون أقرب إلى اللاأدرية، بينما الثاني وصل في جزمه بالنفي إلى الدرجة القصوى. أنا أعتقد أن الله نفسه ليست لديه أي مشكلة في عدم الإيمان به، بل هو غير مهتم نهائيا بأن يؤمن أو لا يؤمن الإنسان به. إنما الإنسان هو الذي صدع رأسه بالقضية منذ آلاف السنين، وكأني بالله يضحك علينا، ليس استهزاءً بل رأفة بنا، وياليت الإنسان اكتفى بالحوار والجدال، ولم يصعد ذلك إلى مستوى المعاداة والتكفير والقتال (في سبيل الله)، مما أدى إلى أن تسيل بحار من الدماء، وتصرف مليارات الصفحات من الكتب، التي معظمها، إن كان فيها نفع للإنسان، فضررها كان أضعافا مضاعفة من نفعها، وكل ذلك حصل ويحصل باسم الله، والله بريء منه ومنزه عنه. أرجع لأبين لماذا أقول إنه غير مهتم بالإيمان به، فلو كان مهتما، لجعل السبيل إلى الإيمان به ميسرة لأكثر أوسط العقلاء، ولا أقول لكل الناس، ولا حتى لكل العقلاء، بل ولا حتى لأكثرية العقلاء، بل لأكثرية متوسطي العقلاء، أو متوسطي الذكاء؛ أن يكون السبيل إلى الإيمان به سهلا، ومقنعا لمن ذكرت. أما إذا قيل إن الأديان دعت إلى الإيمان بالله، فالأديان شوهت صورة الله من جهة، باستثناء بعض أتباع هذا أو ذلك الدين، ممن نزه الله، أكثر مما نزهه دينه، فهو من حيث لا يشعر، ليس مؤمنا بصورة الله التي قدمها له دينه، بل كوّن بنفسه لنفسه الصوروة التي يتمناها عن إلهه، وربما أنا أيضا لا أفعل إلا نفس الشيء، وإن زعمت أنها الصورة الواجبة عقلا. إن المتدين المعتدل، والمتدين الإنساني، والمتدين العقلاني، والمتدين الديمقراطي، والمتدين الليبرالي، والمتدين المؤمن بمساوة المرأة بالرجل، والمتدين المحب للسلام والحرية والعدل، قد كون هو لنفسه فهمه الخاص لدينه ولله الذي يؤمن به، لا الله الذي قدمه له دينه، ذلك حسب نزعته وفهمه للحياة، وبعكسه المتدين المتطرف واللاإنساني واللاعقلاني، أخذ من الدين ما يناسب نزعته. أرجع وأقول إن الله غير مهتم بالموضوع، ولذا فإن أكثر ما يجعلني أشك بإلهية ما يسمى بالكتب المقدسة، هي أنها جعلت الإيمان والكفر في كفتي ثواب الله وعقابه، بينما الإيمان وعدمه هو غالبا أمر غير اختياري، لأنه إما وراثي وإما يمثل القدرة أو عدم القدرة على الاقتناع بثمة حقيقة، أو ما يفترض به أنه يمثل الحقيقة. ويمتنع عقلا على الله أن يعاقب على ما هو غير اختياري. فالقرآن مثلا ينعت الذين لم يقتنعوا بـ"الَّذينَ كَفَروا"، ومن خلال بحث مستفيض وشامل لكل القرآن توصلت بحقية واضحة 100% ولا تقبل الشك، أن المقصود ب"الذين كفروا" هم الذين لم يؤمنوا بالإسلام تحديدا.