القرآن محاولة لقراءة مغايرة 163


ضياء الشكرجي
الحوار المتمدن - العدد: 7745 - 2023 / 9 / 25 - 15:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

القرآن محاولة لقراءة مغايرة ١٦٣
وَإِذ قالَ موسى لِقَومِهِ يا قَومِ اذكُروا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم إِذ جَعَلَ فيكُم أَنبياءَ وَجَعَلَكُم مُّلوكًا وَّآتاكُم مّا لَم يُؤتِ أَحَدًا مِّن العالَمينَ (٢٠) يا قَومِ ادخُلُوا الأَرضَ المُقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَ اللهُ لَكُم وَلا تَرتَدّوا عَلى أَدبارِكُم فَتَنقَلِبوا خاسِرينَ (٢١) قالوا يا موسى إِنَّ فيها قَومًا جَبّارين وَّإِنّا لَن نَّدخُلَها حَتّى يَخرُجوا مِنها فَإِن يَّخرُجوا مِنها فَإِنّا داخِلونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذينَ يَخافونَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِمَا ادخُلوا عَلَيهِمُ البابَ فَإِذا دَخَلتُموهُ فَإِنَّكُم غالِبونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلوا إِن كُنتُم مُّؤمِنينَ (٢٣) قالوا يا موسى إِنّا لَن نَّدخُلَها أَبَدًا مّا داموا فيها فَاذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنّي لا أَملِكُ إِلّا نَفسي وَأَخي فَافرُق بَينَنا وَبَينَ القَومِ الفاسِقينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِم أَربَعينَ سَنَةً يَّتيهونَ فيِ الأَرضِ فَلا تَأسَ عَلىَ القَومِ الفاسِقينَ (٢٦)
الآيات الست من ٢١ إلى ٢٦ ليس من جدوى للمرور عليها، لأنها تتحدث عن قصة، لم يثبت حدوثها،وحتى لو جرى تناولها على نحو رمزي، فليس من عبرة نافعة فيها يجعلها تستحق التوقف عندها.
وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ ابنَي آدَمَ بِالحَقِّ إِذ قَرَّبا قُربانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِما وَلَم يُتَقَبَّل مِنَ الآخَرِ قالَ لَأَقتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقينَ (٢٧) لَإِن بَسَطتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَني ما أَنَا بِباسِطٍ يَّدي إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ إِنّي أَخافُ اللهَ رَبَّ العالَمينَ (٢٨)
بالرغم من أن قصة آدم وحواء وأولادهما، خاصة ولديهما المتناولين هنا، هي أسطورة، ثبت تعارضها مع الحقائق العلمية، لارتباطها بقصة الخلق للأديان الإبراهيمية الثلاثة، التي لا يمكن قبولها علميا، إلا إذا اعتبرت قصة أو أسطورة رمزية، يراد الاستفادة منها بثمة عبرة أو عبر. وفي هذه القصة لهابيل وقابيل بلا شك عبرتها المهمة، خاصة وإنها تتعلق بقيمة الحياة البشرية، وعدم جواز المساس بها. فالشقيقان هابيل وقابيل قدم كل منهما قربانا إلى الله، وحصلت علامة لقبول الله أو عدم قبوله لكلا القربانين أو لأحدهما، فكان أن تقبل الله قربان هابيل دون قربان قابيل، ذلك لأن الله رأى من هابيل من التقوى، أي الاستقامة ومخافة الله، ما لم يره في قابيل، ولو إن سبب قبولها من هابيل دون قابيل، لم يرد ذكره عن لسان الله، بل حسب استنتاج هابيل نفسه بقوله "إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقينَ"، وهذا ما ازداد من استفزاز أخيه قابيل، إذ كأنه قد قال له "إن الله لم يتقبل منك يا أخي وتقبل مني، لأني مُتَّقٍ ولأنك لست مُتَّقِيًا"، وهذا الذي جعله يعبر عن حقده تجاه أخيه حسدا منه له بقول لَأَقتُلَنَّكَ"، لكن هابيل لم يرد حتى أن يدافع عن نفسه، وتحلى بنبذ العنف والعدوان بقول "لَإِن بَسَطتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَني ما أَنَا بِباسِطٍ يَّدي إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ"، فهو قد رفض لنفسه أن يكون قاتلا لأخيه، حتى لو لعذر شرعي، ذلك دفاعا عن نفسه ولدرء القتل عنها. لكن يأتي مبرر رفض هابيل لنفسه أن يقابل القتل بالقتل بقوله "إِنّي أَخافُ اللهَ رَبَّ العالَمينَ"، وهذا النهج هو الذي ربَّت هذه الأديان عليه أتباعها، فالمؤمن يفعل الخير طمعا في الثواب، ويجتنب الشر خوفا من العقاب، وليس لأنه يتحلى بنزعة إنسانية، ومن هنا نقول إن الذي يفعل الخير لا طمعا في ثواب، وينهى نفسه عن الشر لا خوفا من عقاب، لا بد أن يكون هو الأحب والأقرب إلى الله والأكثر استحقاقا لثوابه، حتى لو كان ملحدا به، لعدم اقتناعه بأدلة كؤونه. ثم قد يعذر هابيل بجهله بحكم الله، لأن الدفاع عن النفس أمر مشروع عقلا، ولذا يجب أن يكون مشروعا من الله، لكن المتدينين لا يستخدمون العقل، بل ينتظرون حتى في البديهيات حكما ينزل من السماء، وهذا الحكم يبدو لم يكن قد بلغ الله به أباهما آدم، باعتباره النبي الأول، كما تذهب إليه بعض مذاهب المسلمين.
إِنّي أُريدُ أَن تَبوءَ بِإِثمي وَإِثمِكَ فَتَكونَ مِن أَصحابِ النّارِ وَذالِكَ جَزاءُ الظّالِمينَ (٢٩)
حسب هذه الآية لا نجد هابيل متسامحا مع أخيه، كما يبدو وفق الرؤية السطحية، فهو صحيح لم يرد أن يكون مثله، فيحاول قتله دفاعا ولو عن نفسه، بل أراد الانتقام منه بما هو أشد من القتل أضعافا مضاعفة لا تحصى ولا تعد، لأنه أراد أن يكون الانتقام من أخيه ليس على يديه، وهو الضعيف، بل أوكل ذلك إلى أقوى الأقوياء وأقسى المنتقمين – تعالى الله عن ذلك – وبعقوبة لا تنتهي في لحظة القتل، بل هي عقوبة أبدية بنار الله التي لا ترحم. فأين هو التسامح من هابيل كما يتصور أو يدعي أكثر المفسرين، وكما يفهمه معظم المسلمين؟
فَطَوَّعَت لَهُ نَفسُهُ قَتلَ أَخيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصبَحَ مِنَ الخاسِرينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَّبحَثُ فيِ الأَرضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُواري سَوءَةَ أَخيهِ قالَ يا وَيلَتى أَعَجَزتُ أَن أَكونَ مِثلَ هـاـذَا الغُرابِ فَأوارِيَ سَوءَةَ أَخي فَأَصبَحَ مِنَ النّادِمينَ (٣١)
وحتى قابيل فهو ليس شرا محضا، لأنه ندم بعد قتل أخيه، ثم تريد هذه الآية أن تخبرنا بأن الغراب كان في المعلم الأول للإنسان في مواراة موتاه.
مِن أَجلِ ذالِكَ كَتَبنا عَلى بَني إِسرائيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسًا بغَيرِ نَفسٍ أَو فَسادٍ فيِ الأَرضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَميعًا وَّمَن أَحياها فَكَأَنَّما أَحيَا النّاسَ جَميعًا وَّلَقَد جاءَتهُم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثيرًا مِّنهُم بَعدَ ذالِكَ فيِ الأَرضِ لَمُسرِفونَ (٣٢)
وهذه هي من أجمل آيات القرآن، لولا ما سنبين من تحفظ عليها، فهي تعتبر قتل إنسان واحد، هو بمثابة قتل البشرية أجمعين، وإنقاذ حياة إنسان واحد هو بمثابة إنقاذ البشرية كلها من الموت، وهذا معنى جميل، لأنه يشير إلى قيمة الحياة التي لا يجوز المس بها بأي حال من الأحوال. لكن الآية لا تدين القتل بأي حال من الأحوال بل تجعل استثناءً فيما يجوز به القتل، أو لنقل استثناءين، أحدهما أن يكون الذي يُقتَل، بسبب كونه هو قاتلا بعبارة "بِغَيرٍ نفسٍ"، أي عقوبة الإعدام للقاتل، والثاني هو الفساد في الأرض، والذي يتسع حسب المفهوم الديني، ولنقل حسب القرآن لما لا يعد ولا يحصى، ومما يخضع لاجتهاد واستنباط وتأويل المفسرين والفقهاء، ولعل من الإفساد في الأرض هو تأليف هذا الكتاب بمجلداته الخمسة أو الستة بعد صدور الأول منها. ثم لم تنبئنا الآية هنا ما إذا كان هذا الحكم خاصا لبني إسرائيل بقول "مِن أَجلِ ذالِكَ كَتَبنا عَلى بَني إِسرائيلَ"، أم هو حكم عام يشمل كل البشرية، أو كل المؤمنين بالأديان الإبراهيمية. طبعا سيجيبنا القرآن في آيات أخرى.