|
|
مواسم حصاد الفتيات الجميلات
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 18:14
المحور:
الادب والفن
في مدينة شاطئية هادئة تنام على ترنيمة الأمواج وتعرف بطبيعتها الساحرة، كأن الأفق يغزل أسراره بخيوط من زبد البحر، لم يكن اسم كمال بنجلون يثير سوى هالة من الإجلال والوقار. الشاب الأنيق ذو الثلاثين ربيعا، المتبسم دوما كأنه يخبئ في نبراته دفء الربيع، والوارث لعرش إمبراطورية عقارية وفلاحية ضخمة تركها له والده تاجر الذهب. ضيعاته المترامية الأطراف تمتد على مساحة شاسعة تزيد عن خمسمائة هكتار من الأراضي المعزولة بعيدا عن باقي الضيعات والمجمعات السكنية، تحضن أشجار الزيتون وحقول الحامض المبللة بندى الفجر كأنها تحرس سرا دفينا من أسرار الأرض، وتتخللها فيلات مصممة بذوق رفيع ينافس قصور الأساطير حيث تتمايل الحدائق على إيقاعات النور والظل. خلف الوجاهة الظاهرة، زلزال صامت قد ضرب جذور تلك الإمبراطورية قبل سنوات، فبسبب طموحه الجامح ومغامراته المالية المتهورة في أسواق المال العالمية، تعرض كمال لانهيارالي مدو وخسارة فادحة أطاحت بنصف ثروته في البورصة في ليلة واحدة. ورغم أن ما تبقى بين يديه من أصول كان يكفيه ليعيش حياة متوسطة، إلا أن غروره السيكوباتي ورفغه المطلق للتنازل عن مظاهر العيش الرغد، والسيارات الفارهة، والقصور، والأسلوب الأرستقراطي الباذخ، جعله يجن جنونه بحثا عن مصدر سريع وثري للأموال. فولدت الفكرة الشيطانية الكبرى: • تحويل أجساد الفتيات الجميلات إلى مصانع بشرية لإنتاج المواليد وبيعهم بأسعار خيالية للأثرياء المحرومين داخل وخارج الوطن. لم يكن كمال بنجلون يثير الريبة أبدا، فرجل يملك أسطولا من السيارات الفارهة التي تشق عباب الليل كالنيازك، ويتبرع بسخاء لدور الأيتام، ويمول المؤسسات التعليمية بمبالغ مالية طائلة لتشجيع التمدرس، ويرعى بحضور لامع وجوائز باذخة للمتفوقين دراسيا، ويقضي وقته في قراءة كتب القانون التي درس فصولها الأولى في كلية الحقوق كأنه يروض وحوش النصوص، بدا وكأنه تجسيد حي للفضيلة والأناقة لا يمكن أن يكون موضع شك. خلف الجدار العريض من الاحترام الذي كان كالمسرح المضاء بهجة مزيفة، كانت هناك مرآة أخرى عكس زجاجها القاتم وجها شيطانيا يعبث بالمرايا، حقيقة بدأت عروقها تنبض منذ عقد من الزمن تحديدا حين كان طالبا جامحا يدرس فلسفة القانون الجنائي، وأدرك للمرة الأولى كم هو هين أن يطمس أثر إنسان من الذاكرة والكون تماماً كما تمسح الريح أثر خطوة على رمل الشاطئ، إذا توافرت العزلة، والمكان، والذكاء الصقيل. لم يكن تفوق كمال بنجلون نابعا من قدرات خارقة أو تنبؤات سحرية، إنما من هوس مرضي وتخطيط مسبق مبني على البارانويا ودراسة احتمالية دقيقة؛ فقبل أن يرتكب أي فعل أو يقدم على أي خطوة إجرامية، يقضي أسابيع طويلة في دراسة كل احتمال وتقييم المخاطر وتفادي العثرات، كأنه يحلل مسألة قانونية معقدة في أروقة المحاكم. كما وضع قاعدة صارمة لا حيدة عنها، تجنب اصطياد ضحاياه من مدينته الشاطئية الهادئة أو المقاهي التي يتردد عليها، فعمليات الاستدراج تتوزع بذكاء في مدن داخلية وكبرى بعيدة تماما، وفي أماكن ومقاه عابرة لا يطأ قدمه فيها بانتظام ولا يعود إليها أبدا، مرتديا هيئات بصرية متغيرة، مستغلا سفرياته التجارية الدورية لتأطير تلك اللقاءات بعيدا عن أعين المحيطين به. يتذكر كمال بين الحين والآخر، بنشوة دافئة تعبر ملامحه، تلك الأيام البعيدة من طفولته الغائمة، يوم كان صبيا يركض عبثا خلف ظلال الأشجار في الضيعة، وحين عثر بالصدفة البحتة على فوهة بئر مهجور تحيط به الشجيرات الشوكية. نزل يومها بفضول الصبا واستكشف الباب الحديدي الضخم الذي خلفه السرداب التاريخي المعتم، واكتشف أن المكان لم يكن سوى ملجأ قديم صمم سرا في عهد الاستعمار لإيواء رجالات المقاومة المسلحة، ومجهزا مسبقا بكافة حاجات العيش ومنافذ ومخارج الطوارئ السرية المعتمة المخصصة لتمويه بوليس المستعمر والإفلات من قبضتهم، حيث يمتد هذا البئر كممر خلفي تؤدي إلى باب رئيسي مخفي في زاوية أخرى بعيدة من الضيعة. لم يفزع الطفل الصغير من العتمة ورطوبة الموت، شعر وكأنه عثر على مملكة سرية تخصه وحده بعيدا عن أعين العالم. ينزل إلى السرداب برغبة عارمة في السيطرة والحيازة المطلقة، يستدرج القطة المسكينة بفتات الطعام، يحملها بين يديه بنعومة مصطنعة، ثم يقتادها نحو إحدى زوايا السرداب المظلمة ليحجزها في حجرة حجارة صماء لأيام طويلة. يجلس في العتمة يستمع لنشيج مواءها المكتوم وصوت مخالبها التي تخدش الأبواب طلبا للحرية، يشعر بلذة غريبة في التحكم بمصير روح ضئيلة لا تستطيع الصراخ أو الهرب. أصبح يتردد على ذلك السرداب باستمرار، يهرب إليه في أوقات عزلة طفولته، ويقضي فيه ساعات يقرأ ويستمتع بامتلاك ضحاياه الصغار، حتى تحول المكان بمرور السنوات إلى ملجئه المفضل وعرشه الخفي. وحين نضجت في عقله أفكار الظلام وقرر تحويل الملجأ الصبياني إلى جحيم معزول لضحاياه من الفتيات، لم يقدم على إحداث تغييرات عمرانية كبرى أو حفر قبو جديد، فالهيكل التاريخي كان جاهزا منذ عهد المقاومة. ولم يتطلب الأمر سوى إضافة أبواب حديدية صغيرة للحجرات تدريجيا وعبر مراحل زمنية متباعدة بعد تخطيط دقيق. وحين احتاج إلى ذراع طبية تنفذ أفكاره المرعبة دون ضمير، استقطب الدكتور عباس، ممرض مطرود من العمل بسبب الارتشاء والتجارة في الأدوية، فأجزل له كمال العطاء وغمره بالأموال ليصبح المساعد الأيمن والمشرف المباشر على توليد الفتيات في السرادب وحقنهن بالمواد المخدرة لإخضاعهن والسيطرة عليهن. وحتی لا يثير الشبهات داخل الضيعة، كان يعمد إلى تفصيل وتصنيع تلك الأبواب في ورشات بعيدة وخارج المدينة، ثم يعيد نقلها بمركبات خاصة في جنح الليل لتنزل إلى عمق السرداب خلسة. ولم يكن لهذا السرداب أي حراس أو نواطير سوى عباس وكمال، اللذين حرصا على إدارة كل التفاصيل بعناية تامة دون أن يعلم عمال الضيعة بوجود السرداب أو المحتجزات من الأساس. لم يقتصر الأمر على الاحتجاز والتغييب، أاد كمال وشريكه شبكة سرية مرعبة لتجارة المواليد. فالفتيات الحوامل اللواتي كن يلدن داخل السرداب تحت إشراف الدكتور عباس، كن يسلِمن مواليدهن قسراً. وللتخلص من الرضع، أقام كمال وشريكه شبكة تبني غير شرعية وعصابة دولية لبيع المواليد الجدد للأثرياء المحرومين داخل وخارج الوطن بمبالغ خيالية تعوض خسائره في البورصة وتغذي نهمه المادي، مستغلين نفوذ شركات الاستيراد والتصدير الوهمية وغطاء الأعمال الخيرية ومؤسسات رعاية الأيتام لتبييض هويات الأطفال ومحو آثار أمهاتهم المفقودات تماما، لتتحول مأساة المختفيات إلى سلعة رابحة في سوق الظل. وفي خضم العزلة المظلمة، لم يكن كمال يدير شؤون السرادب بمفرده؛ بل انضمت إليه زينب الصالحي، الشابة التي جاءت هاربة ومفزوعة من مدينة بعيدة بعد تورطها في جريمة قتل حقيقية أغلقت دونها كل الأبواب ولاحقها حبل المشنقة. وجد فيها كمال صيدا من نوع خاص، فبدلا من إلقائها في زنزانة مظلمة، وفر لها الحماية المطلقة والمأوى المزيف، مستغلا خبرته لمحو آثارها. ولكي لا يتم التعرف عليها أو ربطها بالقضية أبدا، اتخذت زينب شكل الاحتياط الأقصى، تشرف على المحتجزات وتساعد كمال وعباس أثناء غيابهما مرتدية ملابس رجالية فضفاضة ومختفية وراء قناع محكم حتى لا تتكشف هويتها أمام الضحايا ولا تترك أي بصمة أنثوية أو ملامح يمكن وصفها، بينما كانت تنقل أحيانا خارج الضيعة مستعملة شعرا مستعارا ولباسا عاديا يموه ملامحها. في المقابل، تحولت إلى كاتمة أسراره وذراعه اليمنى، تشرف على ملفات شبكة تجارة المواليد في الشقق الخارجية وتنظيم الحسابات، راضخة لسطوة كمال والشعور الدائم بالامتنان الممزوج والخوف من بطشه. لم يكن كمال يدير الجحيم بمفرده، فقد اعتمد على شريك خفي تجمعه به جذور عميقة تعود إلى أيام المهجر، حيث التقيا وتعارضا في منافي الغربة وتقاسما تفاصيل صعبة وأسرارا مظلمة، قبل أن تتقاطع مصالحهما مجددا في الوطن عبر عقود غير مرئية وابتزاز تقني متبادل. رضوان سلامة شاب ذو الوجه الشاحب الذي عانى الفقر وفشل في خطف وظيفة محترمة انتهى به المطاف موظفا محترفا في شركة محلية لبيع الأجهزة الإلكترونية وتعديل الأنظمة التقنية. في عتمة المنفى، حيث تساوت ملامح الغرباء وتحولت الأيام إلى طيف ثقيل، ولدت الشراكة بين كمال ورضوان. يحمل رضوان في عقله الشاحب شغفا هائلا بالخوارزميات المعقدة ومهارات برمجية متقدمة قادته إليها سنوات التيه في عوالم الإنترنت المظلم. على عكس كمال الذي كان يدفعه نزوع سيكوباتي للسيطرة المطلقة وحيازة الكائنات والتخطيط الدقيق بدافع تعويض ثروته المفقودة، كانت دوافع رضوان أكثر تعقيدا وتشابكا، إذ نسجت من ممتلكات الولاء الأعمى للماضي، ونشوة التحدي التقني، والازدراء المشترك للمؤسسة والقانون، مع إبقائه في حالة حذر دائم واجتهاد مضنٍ لتجنب أي هفوة رقمية. وفق منهجية إجرامية صارمة أعدها كمال بعناية، لم يكن يحتفظ بالضحايا في الضيعة مدة طويلة، فبعد انقضاء فترة الاحتجاز والولادة تحت إشراف الدكتور عباس، يتم نقلهن بحذر وتخديرهن لتنفيذ المخطط عبر إجبارهن على الإدمان عبر حقنهن بالمواد المخدرة، وحين يصبحن مدمنات يتم التخلص منهن في المدن البعيدة. شذت عن القاعدة ليلى، الضحية القديمة التي أنجبت مولودها وقيل لها بلغة قاسية إنه توفي، ورغم مرورها بتجربة الاحتجاز، لم تكن حبيسة العتمة المطلقة كالبقية؛ إن ذكاءها الهادئ وإخفاءها لهلعها أوحيا لكمال بأنها استسلمت تماما لمصيرها. الاستسلام المصطنع جعلها تحظى تدريجيا بثقة خاصة ومساحة محدودة من الحركة حين كان كمال أو عباس يتفقدانها بمفردهما. استغلت ليلى تلك الثقة بعين مجهرية، فراحت تراقب بحذر تفاصيل المكان، ورغم الهزال وشبح الجوع الذي كان ينهش جسدها، أمدتها إرادتها الصلبة بطاقة خفية للمقاومة. وخلال جولاتها المحدودة، اكتشفت ثغرة في جدار المرافق الصحية الملحقة بزنزانتها، إذ تداعت الرطوبة الأحجار بسهولة تحت النبش الهادئ والمستمر بأصابعها وأدوات بدائية. لأسابيع طويلة تحفر بصمت قاتل داخل جدار المرافق الصحية، مستخدمة بقايا الملاط الجيري القديم المفتت لسد الفتحة بإتقان تام كل يوم لتبدو الجدران متماسكة، وتتخلص من حبات التراب الناعمة بخبث شديد عبر إخفائها تدريجيا داخل التجاويف الحجرية المفرغة خلف الأنابيب دون إحداث أي انسداد في المرحاض، حتى نجحت في إحداث فتحة صغيرة تنفتح على فراغ مظلم خارج الجدار الأساسي. دراسة كمال بنجلون للقانون الجنائي لم تكن لمجرد الحصول على شهادة علمية يزين بها جدران مكتبه، إنما ضمانة حماية ودرع واق، تعلم فيها أن الجريمة لابد أن تخلو من الأثر المادي المباشر وأن غياب الجثة يبقى المفتاح الذهبي في الإفلات من العقاب، وأن عنصر الوقت والتنقل الجغرافي هما الميزان الحاسم في تشتيت الشهادات البصرية. في لقاءاته المتباعدة بالفتيات في المدن البعيدة، كان يقنعهن دائما وبطرق ملتوية ومدروسة بترك هواتفهن الذكية في منازلهن قبل التوجه للقائه بحجة قضاء وقت هادئ بعيدا عن صخب الحياة، ثم ينقلهن بحذر عبر طرق فرعية غير مرصودة نحو الضيعة تنقطع حبال الوصال بالكامل. لم تكن إمبراطورية كمال بنجلون العقارية والفلاحية سوى الواجهة المرئية لعالم أخفى أسراره بعناية فائقة خلف تخطيط يدوي وتأطير رقمي مشفر. فقبل عشر سنوات، وتحديدا بالتزامن مع دراسته لفلسفة القانون الجنائي والخسائر الأولى في البورصة، لم يكتف الشاب الأنيق بفهم ثغرات النصوص القانونية فحسب، بل تلقى تكوينا رقميا وتعاملا مع الشبكات عبر صديقه القديم منذ أيام المهجر رضوان سلامة عبر منصات مشفرة أو لقاءات مباغتة لضمان استمرار تدفق الأموال المشبوهة. وفي مدينة سياحية ساحرة تضج بالحياة، تتقاطع الأزقة العتيقة بالواجهات الحديثة وتصطف المقاهي الفاخرة تحت مظلات قماشية بيضاء تطوقها أشجار النخيل، كان النسيم العليل محملا برائحة التوابل وأمواج البحر الأطلسي. وفي ركن هادئ ومشمس بأحد المقاهي الراقية المطلة على الساحة الرئيسية، جلس كمال بنجلون يرتشف قهوته ببطء واستمتاع كمن يقضي إجازة استثنائية بعيدا عن أعباء إمبراطورية العقارات والضيعات. لكن لحظات الاستجمام الهادئة تقاطعت بغير ميعاد، فحين رفع بصره ليتابع حركة السياح والعابرين، فوجئ بمقعده المقابل يسحب بهدوء ودون استئذان. لم يكن الجالس شخصا غريبا هاربا بملابس متهالكة، انما كان رضوان سلامة، صديق الشراكة الغريبة، مرتديا ثياب سفر عصرية وفضفاضة، تكسو وجهه ابتسامة هادئة ومسترخية، وتتطاير حوله أطياف الرفاهية والسفر الترفيهي وكأنه سائح ثري يطوف مدن العالم بحثا عن متعة الحياة لا هربا من رقابة أو سيف مسلط. تثبت كمال في جلسته، وعلت محياه ابتسامة دافئة وباردة في نفس الوقت، قبل أن يعتدل في جلسته مخاطبا إياه بلهفة السفر واللقاء غير المتوقع: • (كمال مبتسما بترحيب أرستقراطي): رضوان... يا له من لقاء غير متوقع. لم أكن أعلم أن عشاق الخوارزميات والشبكات المظلمة يتركون شاشاتهم ومخابئهم ليعانقوا الشمس في المدن السياحية... لم تكن تقضي أوقاتك بين باريس ومنافي الغربة...؟ • (رضوان يطلب قهوته بنبرة مسترخية تماما، واضعا حقيبة سفر جلدية فاخرة بجانب كرسيه): باريس جميلة يا كمال، لكن متعة السفر الحقيقي تكمن في تغيير الأفق واستكشاف العالم وأنت حر تماما، لا تكبلني قيود ولا تلاحقني هواجس. جئت في رحلة استجمام عابرة، وفكرت لم لا ألقي التحية على شريكي ومهندس الظل وأنا أطوف المدينة الساحرة...؟ • (كمال يميل بجسده للأمام قليلا، وتلمع في عينيه ومضة من الشك الذكي): رحلة استجمام هكذا فجأة...؟ أم أن رياح الشغف التقني وتعويض الخسائر قادتك إلى هنا...؟ عادة لا تتحرك خطوك إلا لهدف مدروس بدقة. • (رضوان يضحك بخفة وهو يحتسي أول رشفة من قهوته): اطمئن يا صديقي، لست هنا لإفساد إجازتك ولا لنقاش الأسرار. أنا أستمتع بالحياة وأجني ثمار ما خططناه معا، لكنني فقط أحببت أن أذكرك ونحن نجلس في هذا النور الساطع أن الحذر لا يضر. تبادل الاثنان نظرة تفاهم عميقة ومحسوبة، وكأن اللقاء العابر بين السياح يخفي خلف واجهته المشرقة عقلين مدبرين يتحكمان في خيوط خفية تمتد بعيداً عن أعين المتطفلين. وفي تلك الشبكات المعزولة، تلقى كمال تكوينا في أمن الشبكات، وتقنيات إخفاء الأثر الرقمي وطرق التشفير، إضافة إلى دراسة علم نفس الخداع السيبراني وكيفية التحكم في الأنظمة عن بعد بناءً على توجيهات شريكه الخفي رضوان الذي عمل باجتهاد مضنٍ على إعداد البنية التحتية وبرمجة كاميرات المراقبة بحذر بشري غير معصوم من الخطأ. وحين أدرك أن عيون الأمن وبصمات المحققة هنفاء بدأت تقترب من محاصرة ضيعته، وضع خطط طوارئ استباقية مبنية على التوقع الاحتمالي وليس السحري، فأغلق فصول عصر الضيعة ببرود تام وتفكيك هندسي هادئ، متوليا نقل بقية الفتيات المحجوزات برفقة الدكتور عباس وكاتمة أسراره زينب الصالحي متنكرة بملابسها ومخفية وراء القناع والشعر المستعار عبر شاحنات فلاحية مبردة نحو مخابئ بديلة وشقق خارجية آمنة. وفي مركز الشرطة الرئيسي، يقف المحقق بوليستي أمام لوحة الخشب الكبيرة في مكتبه، رجل في أواخر الأربعينيات يتسم بهدوء العواصف ورجاجة عقل مخضرم والقدرة العالية على ربط التفاصيل كطبيب شرعي يقرأ أسرار الأجساد، يراقب ملفات الاختفاء غير المفسر الممتدة على مدى سنوات طويلة وكأنها شواهد قبور ناطقة: سارة، ليلى، إلهام، فاطمة، سلوى وصولا إلى مريم. لاحظ شيئا خفيا يجمع بينهن كنسيج خفي، ذوات حسن وجمال يخطف الأبصار، ينتمين لطبقات متوسطة تكابد عناء الحياة، وأبدين في أيامهن الأخيرة طموحا مفاجئا كأن أجنحة التمني تحملهن، أو حديثا عن فرصة العمر التي لا تعوض. على مدى سنوات طويلة، كانت عائلات الضحايا تقف أمام بوابات مركز الشرطة وفي ردهات المحاكم في احتجاجات صامتة وصاخبة تضغط بكل ثقلها على الأمن للكشف عن مصير بناتهن المجهول، رافضات تماماً تصديق رواية السفر الاختياري المفاجئ. غير أن أصابع خفية وشبكة من المخبرين المأجورين كانت تتردد سرا على أسر المفقودات تهمس في آذانهن بكلمات مسمومة: • لا تبحثوا طويلا... بناتكم هربن في جنح الظلام عبر قوارب الموت نحو الضفة الأخرى بحثا عن الحرية وبناء مستقبل أفضل، لقد غامرن في عرض البحر وتخلصن من هواتفهن لقطع الصلة بالماضي. تلك الشائعات المخبأة بعناية زرعت اليأس في قلوب العائلات، وألقت بظلال من الشكوك المرة، مما جعل الأمن يتردد طويلا ويعتبرها في البداية حالات هجرة سرية فاشلة غرقت في عباب المتوسط، إلى أن جاءت ومضة الأمل الأخيرة مع قضية مريم. هنفاء زميلة بوليستي أصغر سنا منه، لكنها تمتلك نظرة حادة وثاقبة كشفرة الماس تجيد تحليل لغة الجسد وسلوكيات الأشخاص وكأنها تقرأ أفكارهم من ومضة عيونهم. في مكتب التحقيقات المغلق، كانت تطيل الوقوف أمام لوحة الصور بصمت ثقيل قبل أن تلتفت نحو بوليستي وتمرر قلمها ببطء على خطوط الربط بين الصور لتؤكد أن هناك خللاً منهجياً في القراءة الأولى للجرائم، وأن النمط يؤكد أنهم أمام صياد لا يطارد فرائسه في الشارع، بل يستدرجها من خلال تضاريس أحلامها الخاصة. وبدوره كان بوليستي يفرك جبهته بتعب مؤكدا أن الهواتف تترك عمدا في المنازل، والشهود معدومون، وكل خيط يمد انتهى بعبارة "سافرت عبر قوارب الموت"، بينما كانت هنفاء على يقين بأن الشبح يرتدي ثوب القانون الذي يدرسونه ويخطط كشطرنجي مخضرم يصنع براءة مسبقة في تفاصيل الضحايا اليومية ويمحو المسافات. التحقيق يصطدم في كل خطوة بحائط سد منيع وغياب الأدلة القاطعة، فلا وجود لشهود عيان رأوا شيئا في مدينتهم، ولا كاميرات سجلت لحظة الاختفاء الملعونة في تلك الأماكن البعيدة، ولا أدلة تسمح حتى باستصدار أوامر قضائية للتفتيش أو توجيه الاتهام لأي شخص بعينه. التحريات تدور في حلقة مفرغة كالساقية، وكلما تتبع المحققان خيط أمل واهٍ، وجدا استفسارهما أمام طريق مسدود تماما يغلق دونه الأفق. تنام المدينة الشاطئية على صدى الأمواج الهادئة كأنها تغني ليلتها بلا ألم، بينما يمارس كمال بنجلون جانبا آخر من حياته خارج المدينة، رحلات ليلية وسفريات هادئة تهدف إلى غاية واحدة ومحددة، طمس المعالم وصنع الصورة الوهمية البريئة. حين يقرر التخلص من هواتف الضحايا، لم يكن يلقيها أبدا في محيط مدينته لئلا تترك أثراً؛ بل كان يعتمد على خطة آمنة أعدها رفقة رضوان، حيث يتم التخلص منها يدوياً وبطرق موزعة في رحلات تجارية متفرقة دون أي مخاطرة بالخروج ليلا نحو الوديان والجبال. على مدى عقد كامل، ومنذ بدأت خسائره تتوالى، كانت حالات اختفاء الفتيات تسجل كحالات متباعدة ذرعا بالسفر المفاجئ وأوهام الاغتراب وقصص قوارب الهجرة السرية. لكن مع اختفاء مريم، وضغط عائلاتها الضخم الذي هز أروقة الإدارة، بدأت جدران المدينة الشاطئية تحدث بصوت خافت كأن الأسرار تورم تحت الجلد. في المقاهي الممتدة على كورنيش الميناء حيث تتمايل قوارب الصيادين، لم يعد الحديث ينصب على موسم صيد الأسماك، بل تحول إلى أحاديث جانبية تناقلتها الألسن بحذر شديد حول تكرار اختفاء الفتيات الجميلات وذوات الطموح البريء، وسط حالة من الخوف وغضب دفين من شبح غامض يعبث بالمدن دون أن يترك أثرا يدل عليه. حين هبطت دعوة القناة التلفزيونية على مكتبه الفاخر، لم يعتر كمال بنجلون أي شعور بالزهو العابر، تحرك عقله السيكوباتي ببرود حاسب، فأدرك فورا أن الرفض لن يكون مجرد امتناع عادي، إنما انتحارا استراتيجيا سيفتح أبواب الشك على مصراعيها ويحول الصمت إلى قرينة إدانة في عيون العامة والشرطة. وبصفتها خطوة محسوبة بعناية، كانت الطاولة مائلة لصالحه، إذ رأى في المنبر الإعلامي درعا بشريا منيعا ومسرحا لإعادة صياغة الحقيقة، ليحمل السلاح الموجه ضده ويحوله إلى رصاصة طائشة لتشتيت انتباه المحققين وتصنع له براءة مطلقة في وجدان الملايين. جلس كمال بقميصه الكتاني الأبيض وسترته المخملية الأنيقة، واضعا قدما على قدم بثبات أرستقراطي وابتسامة دافئة تجذب العقول. وببراعة دارس القانون الجنائي وخبير النفس البشرية، أخذ يحلل سلوك الفتيات المفقودات ونفسية المجرم المفترض أمام ملايين المشاهدين بنبرة هادئة ومقنعة تشع بالوقار: • الجريمة الحقيقية في عصرنا هذا لم تعد تتوسل العنف المباشر أو إراقة الدماء، فالتفكير كمهندس استراتيجي يدرك أن الأمن يقع دائما في فخ البحث التقليدي عن الجثة أو الأثر البيولوجي المباشر أساس كل شيء، وحين عجز الأمن عن ربط الأسباب بالمسببات، يسهل عليه دائما إلقاء اللوم على شبح خفي، بينما تكون الحقيقة ببساطة أن الضحايا هربن بكامل إرادتهن بحثا عن أوهام الفردوس الأوروبي وطموحات الحياة. كان كمال ينشر تفسيراته الواقعية بذكاء مبهر، ليتحول في ظرف أيام قليلة إلى حديث الشارع العام، يتداول الناس مقاطعه في وسائل التواصل ويثنون على قدرته الفائقة على تحليل مرتكبي الجرائم وفك رموز العقليات الإجرامية. وفي تلك الأثناء، كان المحقق بوليستي يجلس في مكتبه المعتم، يتابع الشاشة بذهول صامت ومقلتين تتسعان غضباً، بينما وقفت هنفاء تنظر إلى صوره على الشاشة بقشعريرة يسري لها شعر البدن، مدركة بمرارة أن الشبح لا يختبئ في الظلام... بل يجلس في النور الساطع، يوجه للتحقيقات صفعة علنية ويعيد صياغة الرأي العام وفق أهوائه. أدركت هنفاء أن الحل لن يأتي من السجلات الرسمية الباردة أو الأوراق التي تخلو من الأدلة، إنما من قلوب الشارع وألسنة المهمشين الذين يرون ما لا يراه الآخرون. تنكرت في زي مدني بسيط وبدأت تتردد على المقاهي الشعبية القريبة من أطراف المدينة الفلاحية والمدن المجاورة بحثا عن أي تفصيلة غائبة تضيء عتمة التحقيق. حين التقت إحدى الطالبات القديمات، بادلتهن الحذر بهمزات خاطفة لتؤكد لها إحداهن بصوت مرتعش يقطر خوفاً أن الفتيات لا يختفين هكذا صدفة، كن يقلن وهن يبتسمن بثقة إن هناك رجلاً غامضاً يلتقين به في المدن الكبرى، يشبه قصص النبلاء، يعرض عليهن عقود عمل كبرى وفرصاً لا تعوض في سماء المجد، رجل أنيق لا يمكن الشك في طهره. وفي المقاهي الراقية المطلة على مرسى اليخوت في مدينته، يجلس كمال بنجلون كعادته بقميصه الكتاني الأبيض ورواياته العالمية المفتوحة، يحييه الجميع باحترام شديد كشاب أرستقراطي محبوب يتبرع بصمت للجمعيات الخيرية ويشارك في تنظيف الشواطئ كأنه ملاك حارس للسلام المحلي. فالحضور الاجتماعي المتزن والظهور التلفزيوني الرصين شكلا درعا منيعا يحجب عنه أي شكوك محتملة. أما في رحلاته الخاطفة إلى المدن البعيدة، فكان يتعامل مع ضحاياه بسحر وذكاء شديدين في أماكن لا يتردد عليها مجددا، لا يقترب بطريقة هجومية مفزعة، بل يستمع بإنصات عميق، يقدم عروض عمل براقة ودعم لمشاريع بكل دفء وألفة، ثم يرتد إلى مدينته تاركا الفتاة تصعد إلى خطته التكتيكية بكل راحة واطمئنان كمن تسير إلى جنة موعودة، لتختفي بعد ذلك دون أن تشعر أي عين بشرية بما حدث. وفي أحد الأيام، وأثناء جلوس كمال في شرفة المقهى المطل على المرسى يطالع كتابا قانونيا، تقدمت هنفاء نحوه بخطوات واثقة ونظرات حادة لتجلس أمامه دون إذن مسبق، ليدور بينهما هذا الحوار المكثف: • (هنفاء بصوت يقطر برودا وثقة): أعتقد أن القراءة في كتب القانون متعة فائقة، أليس كذلك يا سيد كمال...؟ خصوصا عندما يتعلم المرء كيف يلوّي النصوص لتخدم مقاصده الخاصة. • (كمال بنجلون رافعا بصره بابتسامة هادئة): القانون يا سيدتي هنفاء ليس طينا يشكل، إنه ميزان دقيق لمن يفهمه. العجز في إثبات الجريمة لا يعني بالضرورة وجود مجرم، بل قد يعني فقط أن المحققين يبحثون في المكان الخطأ. • (هنفاء مضيقة عينيها وهي تمرر أصابعها على حافة فنجان القهوة): المكان الخطأ...؟ أم لأن الشبح حرص بعناية على ألا يترك أثرا خلفه...؟ السرداب تحت ضيعتك لا يزال يحمل رائحة الخوف، ورسائلك المشفرة خلف الشاشات لا تخفي حقيقة أنك الصياد الذي يستدرج الضحايا من أحلامهن. • (كمال وهو يغلق كتابه بهدوء مستفز): أحلامهن... يا لها من كلمة شاعرية. الناس يا آنسة هنفاء يغرقون بمحض إرادتهم في أوهام الفردوس المفقود، وحين يضيعون، يسهل دائما تعليق شماعة الفشل على وجه مألوف وبارز في المجتمع مثلي. هل لديك دليل مادي واحد يربطني بتلك الأوهام، أم أنك تكتفين بالاستنتاجات البوليسية الفارغة...؟ • (هنفاء بابتسامة مريرة وهي تقف ببطء): الأدلة المادية قد تتأخر، يا سيد كمال، لكن الأنماط لا تكذب أبدا. والشبح مهما طال اختباؤه في النور الساطع، سيأتي يوم تنكشف فيه لغتُه الحقيقية. • (كمال مبتسما بوقار مصطنع): أتمنى لك رحلة موفقة في البحث عن الأشباح... فالعدالة أحيانا تكون مجرد لعبة خاسرة لمن لا يتقن قواعدها. أمام العجز القانوني المستحكم وغياب أي دليل مادي مباشر يبرر اتهام أحد، أنشأت هنفاء شخصية وهمية على منصات التواصل الاجتماعي لفتاة جامعية جديدة تدرس القانون وتتسم بالغموض والطموح الساحر، وتركت أثرا رقميا مدروسا بعناية في الأماكن العامة والدوائر الاجتماعية، أملا في استدراج الشبح الخفي وإجباره على الظهور من الظل كمن يلوح بطعم في الماء الراكد. وفي الوقت الذي يسير فيه التحقيق في طرق مسدودة على السطح المرئي، ترقد الحقيقة المرعبة عميقا تحت الأرض، تنبض برعب صامت. في زاوية منسية تحيط بها الشجيرات الشوكية وأشجار الزيتون العتيقة كحراس خرسان، يقبع البئر المهجور القديم، وفي قاعه العميق، يمتد الممر ليصل إلى جدران السرداب الرطبة التي ترشح بندى الموت، حيث توجد الزنازين الفارغة بعد إخلاء الضحايا. وفي إحدى الزنازين المجاورة، بقيت ليلى، الضحية الاستثنائية التي اختطفت منذ سنتين، والتي استغلت حظوتها بثقة جزئية لدى كمال والدكتور عباس وبدأت مشروع هروبها الصامت. وفي ليلة عاصفة انقطع فيها التيار الكهربائي وألقت بظلالها الموحشة، نجت ليلى في التسلل عبر الفتحة التي حفرتها، فزحفت في سرداب طويل وسط الظلام المطبق، تقتفي أثر الهواء البارد حتى شاهدت بصيص نور خافت ينبعث من فتحة قنوات تصريف المياه العادية. تنفست الصعداء بلهفة، وتحركت بتثاقل شديد نحو الخارج، متسلقة السور العالي المسور بالأسلاك الشائكة، قبل أن تقفز في الفراغ لتسقط بقوة على صخرة صلبة وتدحرجت بعنف نحو أسفل التل، والدم يسيل بغزارة من رأسها وأنفها، لتمضي زاحفة بخطوات مريرة نحو الطريق الوطني المظلم. كانت العاصفة تضرب أشجار الزيتون بعنف، وتحيل ليل الضيعة إلى كتلة من الفوضى الصاخبة. حين انقطع التيار الكهربائي وغرقت الزنازين في عتمة شبه مطبقة، تحركت زينب الصالحي بملابسها الرجالية الفضفاضة وقناعها الداكن كطيف يلفه الغموض، فقد اعتادت تفقد المحتجزات في مثل هذه الأوقات لضمان هدوء السرداب بمساعدة الدكتور عباس الذي كان يتولى حقن المهدئات في تلك اللحظات. اقتربت زينب بخطوات بطيئة وحذرة نحو زنزانة ليلى، لكن الصمت المطبق الذي استقبلها ليس عاديا. رفعت غطاء رأسها قليلا ومررت مصباحها اليدوي الصغير عبر قضبان الباب، لتتسمر في مكانها بذهول قاتل: الباب كان مواربا، وجدار المرافق الصحية المهدم جزئيا ينفتح على فراغ أسود مجهول... سرى في عروقها شعور بارد بالرعب، فالخطأ هنا يعني نهاية أمرهما وحبل المشنقة الذي تهرب منه. انحنت بسرعة فائقة، فدخلت من الفتحة الضيقة متتبعة أثر الزحف في السرداب الطويل والمظلم، حتى وصلت إلى مخرج قنوات تصريف المياه العادية، رصدت هناك آثار الدم الطازجة على حافة الأسلاك الشائكة والصخرة الخارجية والتي بدأت الأمطار تمسحها. أدركت زينب فورا أن الفتاة نجحت في الفرار نحو الخارج مخلفة وراءها أدلة قاطعة قد تدمر الإمبراطورية التي بناها كمال لتعويض ثروته. وبدون تردد، تحولت زينب إلى آلة محترفة لطمس المعالم، فعادت أدراجها بسرعة البرق، وأحضرت أدوات التنظيف ومواد التطهير الكيميائية الحارقة، وعادت لتغسل كل قطرة دم، وتعيد ترتيب الحجارة المبعثرة، وتخفي أي أثر بيولوجي أو بصري يشير إلى أن بشرا مر من هنا، لتتصرف ببرود وذكاء حاد ينقذ الموقف قبل أن تشرق شمس اليوم التالي وتصل عيون الأمن إلى السرداب. وفي تلك اللحظات، وفي قلب الظلام الماطر، سيارة عائلية عابرة تمر بجانب الطريق الوطني المظلم، حين لاحظ صانع القرار في العائلة شكلا بشريا يترنح ويسبق السقوط بجانب الحافة. توقفت السيارة فورا، وترجل الأب بقلق ليقترب من الفتاة الغارقة في دمائها، وما إن أدرك خطورة حالتها حتى أخرج هاتفه مستنجدا برقم الأمن والطوارئ. دقائق معدودات حتى هبطت سيارة إسعاف مجهزة بمواكبة أمنية في المكان، فحملت ليلى بحذر شديد إلى قسم العناية المركزة بالمستشفى الرئيسي لتلقي الإسعافات العاجلة. استمرت تحت الرعاية الطبية المكثفة لعدة أيام حتى استعادت قواها وتحدثت بقدرتها العقلية الكاملة. فرضت الشرطة طوقا أمنيا على غرفتها وتعرفت على هويتها المسجلة ضمن قائمة المختفيات، لترسم خيوط الربط الأولى نحو الضيعة المجاورة دون تراخي. هذه الأيام المعدودة كانت بمثابة نافذة زمنية ثمينة لكمال بنجلون. بمجرد اكتشافه هروب ليلى وتتبع آثار أقدامها عند فوهة البئر في صباح ذلك اليوم الماطر، تحرك بخطى باردة ومدروسة كجراح محترف، وفورا، فعل خطة الطوارئ الاستباقية، فتولى نقل بقية الفتيات وبرفقتهن الدكتور عباس وزينب الصالحي نحو الشقق المعزولة، وأشرف بنفسه على سد الفتحة التي حفرتها ليلى في جدار الحمام باستخدام إسمنت سريع الجفاف وتطهير السرداب وإعادة المكان لهيئته التاريخية المنسية. حين استعادت ليلى صحتها تماما وأكد الأطباء جاهزيتها، تم نقلها فورا للاستماع إلى إفادتها بثيابها الممزقة، وهي تصرخ باستهلاك وعنف صادق ومؤكدة للمحققين أن الوجه الذي يبتسم للجميع في النور ويظهر على شاشات التلفزيون هو من يدير الجحيم في العتمة، وأن هناك زنازين وحجرات سرية تحت أرض الضيعة يشرف عليها ممرض مرتشٍ يدعى الدكتور عباس، إضافة إلى تجارة مرعبة للمواليد. استصدر المحققان بوليستي وهنفاء أمرا قضائيا عاجلا ومشددا، واقتحمت قوة أمنية مكثفة الضيعة كعاصفة مفاجئة. يقف كمال بنجلون عند شرفة قصره الفاره بقميصه الكتاني الأبيض وكأس القهوة يرتشفه ببطء، يراقب رجال الأمن بثبات كأنه مالك الأرض والسماء. تقدم بوليستي بخطى واثقة طالبا تفتيش البئر القديم والقبو التاريخي والحجرات بدقة، فابتسم كمال ببرود قاتل وأخرج مفتاحا عتيقا كبيرا وقدمه بثبات قائلا إنه مجرد قبو قديم وبئر مهجور يعودان لزمن المقاومة استخدم لإيواء أجدادنا الفدائيين وتسهيل هربهم من بوليس المستعمر، أثر تاريخي منسي لم تمتد إليه أيدي التعديل منذ عقود، كما أنه سرداب معروف وهناك صور له في الشبكات الرقمية، كما زيارته لجنة من المقاومين السابقين عدة مرات. فتح الضباط الباب الحديدي الثقيل بالمفاتيح العتيقة، ونزلوا بحذر شديد وسط عتمة القبو. لم يجدوا سوى جدران حجرية رطبة ورائحة مبيدات نفاذة غطت على كل شيء. غير أن هنفاء، وبدقة ملاحظتها الحادة، وأثناء تفحصها الدقيق للشقوق والجدران، عثرت على خدوش التركيب الحديثة وبقايا عازل بين الصخور في أرجاء السرداب، إلى جانب آثار صغيرة جدا لا ترقى لتكون دليلا قاطعا، ما أثبت لها يقينا أن المكان شهد تعديلات سرية وتثبيت أبواب وتقسيمات جرت مؤخرا وكذب ادعاءات كمال بركود المكان التاريخي. وقف كمال ببرود مصطنع وقال هامسا بملامح مشفقة: • سمعت إن الفتاة تعاني من صدمة نفسية عميقة وهلاوس بصرية بسبب الإصابات، متمنيا لها الشفاء العاجل. اضطر الأمن للانسحاب المؤقت لعدم توفر حجج وأدلة قاطعة سوى تلك الأشياء الصغيرة والخدوش الطفيفة التي فسرها ببراعة قانونية كآثار قديمة، مع الإبقاء على السرداب مغلقا بأمر قضائي. استصدرت هنفاء وبوليستي فورا أمرا قضائيا بتجميد وفحص الحسابات المالية لشركات كمال، ليكتشفوا تحويلات مالية ضخمة ومشبوهة لشركات صيانة ومقاولات وهمية، إلى جانب تعاملات بنكية مشبوهة لصالح حسابات خلفية تخص الدكتور عباس، مما عزز الشبهات حول تورطهما العميق. أدرك كمال بنجلون أن رقابة القانون أصبحت تلاحق أنفاسه كظل ثقيل، فقرر نقل منظومته الإجرامية بالكامل وتغيير قواعد اللعبة بمساعدة التخطيط المتواصل والتقنيات البرمجية التي يوفرها له صديقه القديم رضوان لضمان استمرار هذا المورد المالي المرتفع، فانتقل من الصيد الميداني الحذر إلى هندسة الظل عن بعد. قطع صلته بالاستدراج المباشر تماما، وأصبح يعتمد على حسابات وهمية مشفرة تديرها البرمجيات لتستهدف الفتيات في مناطق نائية. وزع ضحاياه على شقق سكنية صغيرة معزولة ومتباعدة في مدن مختلفة مسجلة بأسماء شركات وهمية، مجهزة بسبل مراقبة دقيقة يتحكم بها عبر تطبيقات مشفرة، وأجبر الضحايا على تسجيل مقاطع صوتية مسبقة لأهاليهن لتستمر الشائعات في الخارج بأن الفتيات ركبن قوارب الموت نحو الفردوس الأوروبي المفقود. لم تتوقف جهود التحري عند الجانب الرقمي، اتجه بوليستي إلى تتبع المسارات الجغرافية العريضة التي قد يسلكها الفاعل لتفقد الطرق. وفي ليلة غائمة ينفث الضباب فيها سموم الحزن، رصدت إحدى النظارات الليلية سيارة كمال الكلاسيكية تقف لثوان معدودات على جسر متهالك يعلو واديا سحيقا كمن يقف على حافة الهاوية. أومضت إشارة الدوريات المحيطة وأغلقت المنافذ الأمامية والخلفية للجسر فورا في محاصرة محكمة. نزل بوليستي برفقة العناصر ومسدسه في يده يلمع في العتمة، واقترب من السيارة بثبات لا يلين. فتح كمال بنجلون نافذة السيارة ببرود تام كمن يستقبل ضيفا عزيزا، وبابتسامة هادئة يكسوها الوقار المتصنع سأله بوليستي عن سبب توقفه على هذا الجسر المقطوع في منتصف الليل ومكان هاتفه، فأجاب كمال بثقة باردة أنه يعاني من الأرق المزمن ويحب الاستماع إلى صدى الأمواج والمطر من أعلى الجسر متسائلا إن كان القانون يمنع الوقوف للتأمل في ملكوت الطبيعة. فتش الضباط السيارة بلمحة خاطفة ودقيقة، لكنهم لم يجدوا أي هواتف أو أدلة مادية، ليتضح أن كمال لم يرتكب خطأ بل كان يجري اختبار أمان خطط له مسبقا، ليغادر الجسر تاركا بوليستي يقف في الحيرة والذهول كمن يصارع طيفا. انتقلت هنفاء للتركيز على الشقق السكنية المعزولة في المدن المجاورة. بجهد مضنٍ بالتنسيق مع محافظي الأملاك العقارية، توصلت هنفاء إلى شقة مشبوهة في مجمع سكني هادئ مسجلة باسم شركة استيراد وتصدير وهمية. استصدرت هنفاء إذنا مشددا بوضع الشقة تحت المراقبة التقنية والكاميرات المخبأة. وعلى مدار ثلاثة أيام من الانتظار المرير، لاحظت أن الإمدادات الغذائية تسلم عبر خدمات التوصيل الآلي. اقتحمت القوة الأمنية المكان بخطوات سريعة، لتجد شقة مخملية دافئة مجهزة بكل وسائل الراحة المترفة، لكنها كانت خالية تماما من أي أشخاص... على الطاولة الرئيسية، جهاز حاسوب محمول يعمل ويعرض بثا مرئيا مسجلا، وبجانبه مكبر صوت يبث أصوات حركة لتضليل جيران العمارة وأجهزة الرصد. وأثناء التفتيش الدقيق لمخادع الشقة، عثرت الشرطة على أنواع من خصلات الشعر النسائية وبقايا آثار بيولوجية فوق السرير، بالإضافة إلى بقايا مستلزمات طبية وحقن كان يستخدمها الدكتور عباس. سارع فريق الدفاع ومحامو كمال الأذكياء إلى تقديم تفسير قانوني جاهز يغلق باب الشبهة الجنائية حولها، مؤكدين أمام النيابة أن كمال شاب أعزب وثري ومتحرر، وطبيعي جدا أن يجلب نساءً إلى بيته لمقاصد علاقات رضائية عابرة، ما جعل القيمة القانونية لتلك الآثار تتبخر أمام النيابة العامة وتحولها إلى مجرد حياة شخصية عابرة. ترك كمال رسالة مشفرة قصيرة على شاشة الحاسوب المفتوحة تنتهي بعبارة باردة أن الجمال لا يحصر في مكان واحد بل يسافر بحرية. بينما كان رضوان سلامة في تلك اللحظة جالسا بهدوء في صالة سينما مظلمة يراقب الشاشة الكبيرة، ومستغلا عتمتها المطلقة لمسح السجلات والمسارات الرقمية عبر هاتفه المشفر ومسح الآثار البيولوجية عن بعد بعد أن تلقى تنبيه الكاميرا المجهرية بأن الأمن اقترب من الشقة واكتشف أمر المراقبة الأمنية ليقوم بتنقل الضحية الحالية قبل ساعة واحدة فقط من وصول الأمن عبر مخارج الطوارئ الخلفية للمبنى دون أثر. حين اقتحمت القوة الأمنية الشقة المعزولة، لم تجد سوى جدران خاوية ورائحة قهوة باردة. لم يكن هناك أي أثر مادي مباشر يربط كمال بتلك الزنزانة؛ فشركات الاستيراد الوهمية مسجلة بأسماء مستعارة عبر شبكة معقدة، والأدلة البيولوجية تم مسحها بحرفية تقنية، كما أن فريق دفاعه المحترف فسر بقايا الآثار بأنها علاقات عابرة لا جرم فيها، تماما كما نصت قوانين الإثبات التي درسها بعناية فائقة. استنفد بوليستي وهنفاء كل الخيارات القانونية المتاحة؛ فغياب الجثة، واحترافية طمس الآثار، والثغرات التقنية التي أحاط بها رضوان كل خطوة، جعلت النيابة العامة تقف عاجزة لعدم توفر الحجة الدامغة لإبقائه رهن الاعتقال. أفرجت العدالة عن كمال لغياب التلبس، وعادت القضايا لتسجل مجددا ضد مجهول، تحت ذريعة الاختفاء الاختياري وقوارب الموت. وفي تلك الليلة، وقف كمال بنجلون على شرفة قصره الفاره، يرتشف قهوته ببطء ويهدئ ناظريه نحو الأفق البحري المعتم، برفقة كاتمة أسراره زينب الصالحي التي كانت تنقل إلى جانبه متخفية بهيئتها المعتادة (بشعر مستعار ولباس عادي) لتذوب في التفاصيل دون لفت للانتباه. لم يكن يشعر بخوف أو قلق، فقد تعلم كيف يروض نصوص القانون ويجعلها درعا يحميه ليظل مترفا ويعوض خسائره الباهظة. وفي مركز الشرطة، جلس بوليستي بصمت مطبق أمام اللوحة الخشبية الممتلئة بصور الضحايا المنسيات، بينما نظرت هنفاء عبر زجاج النافذة إلى الضباب الساحلي، مدركة بمرارة أنهم حاربوا شبحا لا يمس، وأن القانون الذي أقسموا على حمايته قد تم تقييده بسلاسل الذكاء والمساطر المحكمة. أسدلت الحقيقة أستارها في عمق الظل، وبقيت المدينة الشاطئية تنام هادئة على ترنيمة الأمواج، غير متذكرة شيئا سوى أن مواسم حصاد الفتيات الجميلات ظلت أسطورة معلقة، وبقي مهندسها يراقب الجميع من علياء حصنه، آمنا، طليقا، وكأن العدالة لم تكن وثبة خاسرة أخرى في عالمه.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
طقوس الحفرة وحلم الأفق
-
مطر أسود على ثلاجة خاوية
-
المستشار زوفيل نجم التيك توك
-
الحاج بوعديس نبيذ الذل في كؤوس الظلال
-
دقات الساعة لم تعد ذات قيمة
-
نبيل المنشار ومملكة الحواجب المعقودة
-
الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية
-
سمفونية النهيق في مواجهة عقم الكراسي
-
رحلة عباس هاجوج الاخيرة
-
شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
-
إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
-
مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
-
طرقات على الجلد الميت
-
أمير الدبابير وراعي الدودة
-
دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
-
أنفاس الياسمين المتمردة
-
حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
-
من وهج الشاشة الى مداد القلم
-
عَبرات فوق قبر أمي
-
المكي بولهموز يطارد السراب
المزيد.....
-
رحيل الفنان السوداني عبد الواحد عبد الله في القاهرة بعد مسير
...
-
ترمب يطلب تعيين رئيس منظمة الفنون القتالية متحدثا للبيت الأب
...
-
قوى سلطوية من بلادي
-
في الذكرى الخمسين لفيلم -روكي-.. جولات في فيلادلفيا تعيد إحي
...
-
الرياض تحتضن نزالات عالمية في الفنون القتالية المختلطة بمشار
...
-
الرباط تحتفي بسينما المؤلف في دورتها الحادية والثلاثين وتكرم
...
-
عمان تستعد لاحتضان الدورة المقبلة لمهرجان المسرح العربي مطلع
...
-
سباق القمر يعود إلى الحياة في وثائقي يجمع المسرح بالموسيقى
-
علي ماهر.. من قناص الملاعب إلى سدة القيادة الفنية للفراعنة
-
في الـ81 من عمره.. زواج الفنان المصري قيس عبد الفتاح للمرة ا
...
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|