أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - مطر أسود على ثلاجة خاوية















المزيد.....

مطر أسود على ثلاجة خاوية


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 17:47
المحور: الادب والفن
    


توقفت الساعة الحائطية في ردهة الأرشيف عند الحادية عشرة إلا ربعا، لكن الوقت هناك كان جثة بلا قطار ولا مسافر. كومة من الملفات الصفراء تتنفس غبار العقود، طوابع بريدية باهتة كوجوه أصحابها، ورائحة غراء قديم يختلط برطوبة الجدران كأنها عرق الموتى الصامت. صالح يعيد إغلاق الختم المطاطي للمرة المائة. أصابعه التي حفظت تجاعيد الورق العتيق تشعر بالبرودة تسري تحت أظافره كحبر أسود ينزف ببطء. الراتب لم يعد يكفي لكسرة خبز يابسة في منتصف الشهر، والابن الأكبر يطارد في نومه حذاء جديدا لموسم المطر. حين دقت الحادية عشرة، استدار صالح ليضع الختم في درج خشبي متهالك، كأنه يدفن عضوا من أجزائه. أخذ معطفه البالي الذي ترشح برائحة الدخان وأوراق الشاي الباردة. الشارع الخارجي هدير ضخم من الحديد والغازات؛ سيارات الأجرة تتنافس على أذرع المارة كوحوش معدنية، والأبواق تقطع هواء الظهيرة الملبد بغبار العادم.
لم تكن العبرة في السرعة، إنما في المباغتة. شاحنة نقل المحروقات كبيرة انحرفت فجأة عن مسارها وكأنها حوت ضخم يختل توازنه في قاع المحيط. لم يسمع صالح صرير الفرامل، سمع صوتا أشبه بتمزق قماش سميك في غرفة فارغة من الأمل. ارتطام خفيف، لكنه كاف لقلب موازين العالم. جسده الصغير اصطدم بالحافة الخشنة للرصيف. المعطف امتلأ بتراب الطريق، والشارع تحول في ومضة عين إلى بقعة داكنة تتسع ببطء، تشرب العتمة وتفرز الصمت. الناس تجمهروا بسرعة، هالات سوداء من الوجوه المذهولة تحيط بالسماء الصغيرة التي تبقت لصالح من بين الأكتاف. صرخات بعيدة تصل كأنها قادمة من خلف جدار زجاجي سميك. لونه الشاحب بدأ يمتزج بلون الإسفلت المبتل بماء المطر الخفيف، مخفيا الحدود بين الجسد والشارع.
سيارة الإسعاف شقت الهواء بصوتها المتقطع كشهقة أخير. أضواء حمراء وزرقاء تغسل جدران المباني العتيقة المجاور بطلاء كابوسي. في الطوارئ الرائحة حادة؛ مطر، دواء معقم، وخوف ساخن يغلي في الصدور. الممرض دفع النقالة بسرعة نحو قاعة الإنعاش. الطبيب المناوب، وجهه محفور بتعب الليل الطويل كأرض جافة، مزق قميص صالح الملطخ باللون الداكن.
- أسرع، أحضر كيس دم فصيلة (أو) من المبرد...
الممرض عاد بعد لحظات، وجهه شاحب أكثر من وجه المصاب. فتح باب الثلاجة الكبيرة؛ الرفوف شبه خاوية تماما، لم يبق سوى زجاجات بلاستيكية معدودة متناثرة في زوايا معتمة كعظام ناصعة الجفاف.
-ـ الثلاجة خالية يا دكتور.. لا يوجد القدر الكافي من فصيلته...
الطبيب لم يجب. اكتفى بالنظر إلى الشاشات التي تبدأ خطوطها بالاستقامة البطيئة كأفق ينطفئ، بينما يحاول معجزة أخيرة بيدين مرتعشتين تحت برودة الضوء. الباب الخارجي انفتح بعنف. فاطمة دخلت تجر خلفها خوفها الكبير وصمت طفلها الأصغر الذي يعبث بطرف معطفها الممزق كأنه يتشبث بآخر ألياف الدفء. خلفها وقف شقيقها الأكبر يلهث، عيناه تصرخان قبل فمه. الطبيب خرج إليهم، يمسح يديه بقطعة شاش بيضاء تتشرب الرماد.
• زوجك بين الحياة والموت.. النزيف داخلي وحاد. نحن بحاجة ماسة لنقل الدم فورا، وفصيلته النادرة غير متوفرة في المخزون الشحيح. وقفت فاطمة في منتصف الممر الأبيض الجامد. الأرض تحت قدميها تشققت وكأنها رمل متحرك يبتلع خطوها.
• ما هي فصيلته يا أختي...؟ هل تعلمين...؟
نظرت فاطمة إلى أخيها، ونظر الأخ إلى الفراغ. لم يذكرا يوما أن للدم أسماء وحروفا في دفاتر حياتهم اليومية؛ كان الدم بالنسبة لهم مجرد تعب يسري في العروق ليدفع طحين العشاء.
• لا... لا أعرف... غمست صوتها في بكاء مكتوم.
الطبيب التفت إلى الجدار، والشاشة خلفه أطلقت صوتا طويلا ومستمرا، حادا، وباردا كصفير الريح في ممر مهجور. على الشاشة الصغيرة، النبض يتحول إلى خط أفق شبه ميت. لا شيء يتحرك سوى ومضات خافتة تودع الغرفة وتغرق في الظلام. فاطمة جلست على المقعد الحديدي البارد، تضم طفلها إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول أن تحجب عنه صوت الصدى الذي يملأ الممر. لم تعد تدرك ماذا تعني الفصيلة ولا ماذا يعني الدم، كل ما تدركه أن الرجل الذي يخرج مع الفجر ولا يعود إلا وظله مكسور، يترسب الآن بعيدا عنها في قاع بئر مظلمة، وعاجزة حتى عن معرفة ما يجري في عروقه المقطوعة. الأخ تقدم بخطوات ثقيلة، يدس كفيه الخشنتين في جيوبه الخاوية، متسمرا أمام الزجاج الفاصل كمن يعلم أن الحرب قد خسرت، وأن العجز البشري أمام قسوة المؤسسات هو أقصى أنواع الهزيمة.
الشارع الخلفي للمستشفى كان بلا إنارة، مظلما ورطبا كردهة الأرشيف، تتدلى منه خيوط الأسلاك العشوائية وتفوح منه رائحة ركود المياه. المطر الخفيف يتحول إلى قطرات ثقيلة تشبه العرق البارد على جدران الإسمنت المقشر. الأخ وقفت خطوه عند زاوية الباب الخلفي. يداه مغرزتان في معطفه الصوفي الخشن. لم تكن في عينيه سوى حرقة العجز، ذلك الثقل المطبق الذي لا يجد متنفسا سوى الصمت. لا عدو محدد ليواجهه، ولا طبيب ليلومه... النظام كله، بكل ثلاجاته الخاوية وأروقته المعقمة، يبدو كآلة صماء تعجن الأرواح ثم تمضي بلا التفات. الطبيب اقترب من الخارج، بطيئا، متعبا، جارفا معه ثقل ليل طويل ومقفر. يهمهم بكلمات إرهاق لنفسه ويخلع معطفه الطبي الأبيض ويلقيه على كاهله، مستعدا لمغادرة مرارة المكان. حين تقاطعت خطواتهما في الزاوية المظلمة، تبادلا نظرة خاطفة، نظرة بين رجل يمثل النظام الذي عجز عن الإنقاذ، ورجل يمثل القاع الذي دفع الثمن كاملا. لم يكن هناك كلام، مرور ثقيل يختصر مأساة مدينة بأكملها.
في الصباح الباكر، استعاد الشارع صخبه المعتاد. السيارات تقطع الإسفلت بلا مبالاة، والأضواء البعيدة تومض كنجوم ميتة في سماء بلا سقف. على الشاشة المعلقة في قاعة الإنعاش، انطفأت آخر ومضة، وتحول الخط الفاصل إلى عتمة كاملة. أغلقت الإدارة أبوابها على فراغ الثلاجة، وترك العالم خلفه رابضا في منتصف العتمة، إذ تتشابه النهايات كلها. فاطمة جالسة على المقعد البارد، يداها تلفان كتفي طفلها الذي استسلم لغفوة قصيرة، وعيناها مثبتتان على الباب الخالي. لا شيء في الغرفة يدل على أن أحدا كان هنا، ولا دليل يثبت أن للحياة سعرا أو اسما، سوى قطرات مطر عابرة تغسل وجه الإسفلت، وتترك الدم يتدفق بصمت، بلا فصائل، وبلا إذن من أحد.
في قاعة الانتظار الباردة، الضوء الشاحب يتسلل عبر الزجاج المغبر، محملا بذرات الغبار التي ترقص ببطء حول رأس فاطمة. طفلها استيقظ على حين غرة، مد يده الصغيرة ليمسك بأطراف معطفها الممزق، كأنه يبحث عن الدفء الذي اعتاد أن يجلبه الأب مع عودته كل مساء. لكن الأب لم يعد. والمقعد الحديدي ظل يحتفظ ببرودة جلوسه الطويل. تقدم الممرض بخطوات بطيئة ومتثاقلة، يحمل في يده مغلفا ورقيا صغيرا يضم بقايا الأغراض الشخصية لصالح؛ محفظة جلدية بالية، وبعض العملات المعدنية القليلة، وختما مطاطيا صغيرا تشبع برائحة الحبر القديم. وضع المغلف على الطاولة الخشبية الصغيرة أمامها دون أن ينطق بكلمة واحدة. الكلمات كلها تبدو ثقيلة، وفارغة من أي معنى قادر على مواساة عائلة اعتادت أن تفقد الأشياء ببساطة، تماما كما تفقد أوراق الشجر ظلها في الخريف.
الأخ ناول المغلف ببطء، وكأنه يوزن فيه ما تبقى من تاريخ صالح الخافت. لم يكن في صدره غضب، ولا رغبة في الصراخ؛ هدوء مفجع يشبه هدوء الأرشيف حين تنطفئ مصابيحه مع نهاية الدوام. خرج الاثنان من باب الطوارئ الخلفي. المطر توقف، تاركا خلفه بركا صغيرة تعكس رمادية السماء. الشارع استأنف صخبه المعتاد، سيارات الأجرة تطلق أبواقها، والحديد يفرك بعضه بعضا في عراك يومي لا يلتفت إلى من سقطوا على حافة الرصيف. لم يتحدثا طوال الطريق إلى البيت. خطواتهما تتناغم مع وقع الإسفلت المبلل، وكأن العزاء الوحيد المتبقي هو الاستمرار في المشي، محملين بذلك الثقل الخفي الذي يتركه الموتى في بيوتهم، ثقل الأشياء التي لم تصادف يوما اسما أو عنوانا.
عند عتبة البيت الخشبي المتداعي، رائحة الشاي البارد والطحين تملأ المكان، كأن صالح يخلع حذاءه المتهالك ويردد جملته المعتادة:
-اليوم مر سالما يا فاطمة.. مر سالما...
فاطمة فتحت الباب بهدوء، وأدخلت طفلها الذي غلبه النعاس مرة أخرى. أطفأت المصباح الوحيد في الردهة، وجلست على المقعد الخشبي القريب من النافذة. في الخارج عتمة الليل تبسط كفها على الأزقة الضيقة، مخفية تفاصيل البؤس والشقاء، بينما تركت العالم رابضا في منتصف الصمت، وتتشابه النهايات، ويعود الدم حين يجف على الإسفلت أو العروق مجرد حكاية قصيرة، تبدأ بلا سبب، وتنتهي بلا جواب.
بعد أسبوع، أو ربما بعد قرن كامل من الزمن الذي توقفت ساعاته، عاد الأخ إلى ردهة الأرشيف القديمة. لم يكن يبحث عن شيء محدد، لكن قدميه قادتاه بشكل آلي إلى طاولة صالح المتهالكة. الطاولة كما هي، كومة الملفات الصفراء، الطوابع الباهتة، ورائحة الغراء القديم تلتصق بالرطوبة. الأغرب من ذلك كله، أن الختم المطاطي كان موضوعا بعناية على حافة الدرج، وكأن صالح قام للتو ليجلب كوب شاي بارد وسيعود. جلس الأخ على المقعد الخشبي البارد. تناول الختم بيديه الخشنتين. بدون أن يدرك، ضغط بالختم على ورقة بيضاء فارغة. ظهرت العلامة السوداء بوضوح:
• تمت الموافقة.. تاريخ بلا يوم.... حين رفع بصره نحو الساعة الحائطية، وجد عقاربها قد عادت لتتوقف تماما عند الحادية عشرة إلا ربعا. أدرك في تلك اللحظة أن الموت لا يغير شيئا في المدينة، لكنه ينقل الإنسان فقط من زحام الشارع إلى زحام الملفات الصفراء.
لم تعد فاطمة تترقب عودته عند الغروب. البيت الخشبي تحول إلى نسخة أخرى من الأرشيف، الجدران ترشحت بالرطوبة، والزجاج أخذ لون الرماد. في الليل تفتح النافذة المكسورة لتراقب الشارع. السيارات تمر بلا سائقين، والحديد يحتك بالحديد بلا ضجيج، كأن العالم تحول إلى صالة طوارئ كبرى لا تملك لا دما ولا أسماء. طفلها لم يعد يبكي؛ جلس بقربها، وبدأت أصابعه الصغيرتان تعبثان بقطع خشبية باهتة، يكرر بحركة آلية صامتة ما يفعله أبوه. لم تعد الفصائل تهم أحدا، ولا الحروف اللاتينية تشغل بال أحد، المدينة بأكملها أصبحت تسير حافية على إسفلت مبلل بدم وهمي، لا لون له ولا طعم.
في أعمق نقطة من مستشفى المدينة، إذ تنتهي الممرات ولا تصل أضواء الإسعاف، الباب الحديدي الكبير للثلاجة مفتوح على مصراعيه. لم تكن الثلاجة خاوية تماما كما بدت ليلة الحادث؛ كانت تمتد إلى ما لا نهاية في دهاليز مظلمة. صفوف طويلة من الرفوف البيضاء البلاستيكية، وعليها بدلا من زجاجات الدم، ترتص آلاف الساعات الموقوتة، والملفات الصفراء، والمعاطف البالية التي تحمل رائحة الدخان وأوراق الشاي الباردة. الطبيب الذي سقط في الوحل قبل أيام، يقف هناك بهدوء، يرتدي معطفه الأبيض الملطخ، ويعد ببطء قطرات الماء التي تسقط من صنبور صدئ في زاوية القاعة. حين لمح الأخ واقفا عند العتبة، لم يفزع، أشار بيده إلى الرفوف وقال بصوت خافت كحفيف ورق قديم:
-متأخر... الجميع هنا بانتظار الختم الأخير.
الأخ لم يجب. مد كفه التي ما زالت تحتفظ بدفء الوهم، وخطا خطوته الأولى نحو العتمة الكاملة، حيث تتشابه النهايات، وحيث لا أحد يسأل الدم يوما عن طريق عودته.
خلف مكتب زجاجي سميك في الطابق العلوي، يطل على أسطح المدينة المبتلة، كان المدير "سليمان" يطفئ سيجاره ببطء في منفضة كريستالية. لم ينظر إلى فاطمة الجالسة على دكة الانتظار السفلية، بل إلى دفتر المواعيد الفاخر أمامه. خط بالقلم الجاف بخط دقيق:
-حالة موظف الأرشيف انتهت.. إغلاق الملف.
مساعدته وقفت بجانبه تحتاط بصمتها. تساءل ببرود دون أن يرفع عينيه:
- ألا زالوا في الممر...؟
• نعم يا سيدي.
• المغلف الورقي جاهز. لا تتركوا أثرا يعطل حركة الطوارئ. سليمان لم يكن يكره أحدا؛ كل ما في الأمر أن حركة القلم على الصفحة كانت بالنسبة له أثقل وأهم من أي نبض يتوقف في الأسفل.
في الردهة الخلفية للأرشيف، بين الصناديق الخشبية المكسورة، تغربل نورية أوراق الموتى القديمة. يداها المغبرتان تطويان السجلات بثبات. حين مر الأخ يجر قدميه، لم تتوقف عن التفتيش، مسحت وجهها بكفها الملطخة بالحبر وقالت بحدة جافة: -تعال هنا.. لا تبحث عن فصيلة. الأوراق هنا هي التي تحدد فصيلة الإنسان. صالح عاش بالحبر ومات حين جف الرقم في ملفه. مدت له ورقة ممزقة صفراء، وأشارت إلى الفراغ: -اكتب ما شئت.. الختم لا يقرأ الأسماء، يبتلع الورق فقط. نظر الأخ إلى كفيه، ورأى الغبار يلتصق بجلده كحبر قديم يأبى أن يزول. في الممر الخلفي المعتم، جلس د. إدريس على حافة المقعد الحديدي، يفرك يديه المحمرتين بقطعة شاش مستعملة، كأنه يحاول غسل طبقات لا تنتهي من الإرهاق. حين تقاطعت خطواته مع الأخ، رفع عينيه المحتقنتين بالدم وقال بصوت خافت متقطع:
• الثلاجة لم تكن خاوية بصدفة يا سيدي.. نحن من نصلح القسوة لتصبح قانونا. أردنا أن نعتاد الرؤية دون أن نرمش.. وهذا ما حدث. لم ينتظر إجابة، طوى قطعة الشاش ودسها في جيبه، مستسلما لثقل ليل لا ينتهي.
في ركن الطوارئ المظلم، تطبق العجوز حليمة شفتيها على سيجارة رخيصة، تنفخ دخانها نحو السقف المربك. نظرت إلى فاطمة التي تضم طفلها بجمود، وقالت بنبرة قاسية صقلتها السنوات:
• لا تجلسي هنا تنتظرين المعجزة. الدم في هذه البناية لا يسيل من أجل الدموع.. الدم يدور في صفقات أرقام لا نراها. عودي إلى بيتك، الممر لا يعيد الموتى. فاطمة لم تجب، شدت قماش معطفها حول طفلها، جاذبة برودة المكان إلى داخلها.
على مكتبها في الطابق العلوي، كانت زينة تطابق قوائم أسماء الوفيات مع ميزانية المستشفى الشهرية. قلمها الأحمر يمر فوق الأسماء بسلسلة ميكانيكية. دخل إدريس بجهد، فألقت عليه نظرة خاطفة وابتسمت ابتسامة باهتة لا دفء فيها:
-تتصرف كأنك تكتشف العالم الليلة يا إدريس.. صالح لم ينزف قطرة دم واحدة لم نكن نتوقعها. إنه مجرد رقم توازنت به الميزانية.
أعادت حبر القلم إلى مكانه، وواصلت مراجعة الأرقام تحت ضوء المصباح الناصع.
التقى الجميع في ردهة الأرشيف المهجورة كأطياف محبوسة في إطار واحد: الأخ بنظراته المكسورة، نورية تنقب في أوراقها، وسليمان يمر بخطواته المنتظمة متبوعا بصمت حراسه. لم يحدث صدام ولا صراخ. رمى سليمان نظرة سريعة نحو الأخ وقال بإيجاز موظف يؤدي واجبه:
-انتهى الوقت... الأبواب تغلق الآن.
خرج الأخ بخطوات ثقيلة جارفا معه مغلف الأغراض البالية، مدركا أن البناية نفسها صممت لتكون بلا أذنين.
فتحت فاطمة باب البيت الخشبي بهدوء. رائحة الشاي البارد الطاعن في القدم والخبز اليابس ما زالت معلقة في الهواء، كأن روح صالح ما زالت تخلع حذاءها عند العتبة. جلست على المقعد الخشبي قرب النافذة المغبرة، بينما غلب النعاس طفلها على صدرها. في الخارج، العتمة تطوي تفاصيل الشارع، تاركة البيت يغرق في صمت ناصع، حيث تتشابه حكايات الفقراء جميعا، تبدأ بلا اختيار، وتنتهي بلا إجابة.
في مكتبه المرتفع، كان سليمان يمثل النموذج الأكمل للآلة البيروقراطية الصارمة؛ رجل ينظر إلى الوجود عبر جدول خانات بيضاء وسوداء. فتح الدفتر الجلدي الفاخر، ودون بقلم جاف أزرق:
-حالة غير منتجة.. تقليل الفقد المالي.
نظر من النافذة إلى فاطمة الراعية طفلها في الأسفل، ولم ير سوى نقطة سوداء على إسفلت الشارع. بالنسبة له، الإنسانية ليست سوى خطأ حسابي يجب تصحيحه قبل إقفال الميزانية.
في ردهة الأرشيف، كانت نورية تجلس على صندوقها الخشبي كأنها جزء من الأثاث المتروك. يداها الملطختان بصفرة الورق القديم تفرزان حكايات الراحلين لتصنع منها أوراقا جديدة لمن يريدون اختراع أسماء أخرى. قالت للأخ وهي تزن حزمة من السجلات:
• صالح عاش بالختم، والختم لا يملك فصيلة يا هذا. كلنا هنا نعيش بعارية الحبر. طوت الورقة وألقتها في الصندوق، مواصلة التفتيش بلا كدر ولا شغف.
د. إدريس لم يكن شريرا، كان إنسانا انكسر معمار ضميره تحت ضغط النظام. يتعمد النظر إلى الرفوف الخاوية ليؤكد لنفسه كل ليلة أن الرحمة مجرد فكرة شاعرية لا مكان لها بين الأجهزة. حين التقى بالأخ عند الزاوية المعتمة، لم يستثره صمته ولا انكسار عينيه، نظر إليه بركود كأنه يرى في صمته حقيقة أخرى للخراب الذي يشاركان في حراسته.
في منتصف الليل، التقى الثلاثة في ردهة الأرشيف المظلمة، سليمان ببروده الإداري، نورية بأوراقها الصفراء، والأخ بحزن خطاه. المطر الأسود يقرع الزجاج المكسور بانتظام. لا كلمات تعزية ولا تبادل للاتهام، كل واحد يؤدي دوره في مسرحية صامتة. فاطمة في الزاوية تضم طفلها الذي يرتدي معطف أبيه البالي، مدركة بيقين هادئ أن العالم لا تديره آلهة ولا قتلة، إنما تحركه الأختام والملفات الصامتة.
حليمة تعيش في الطوارئ كأنها امتداد للجدران الرمادية. شفتها المنكمشة على سيجارتها تنفخ دخانا رماديا يتلاشى في الضوء الميت. نظرت إلى فاطمة وقالت بمرارة هادئة:
-يسألون عن الدم هنا كأنهم يسألون عن هدايا العيد. الدم يحفظ في الخزائن الصامتة ليبقى الحساب متوازنا. عودي لبيتك.. الطوارئ لا تتذكر أحدا.
في الزاوية المقابلة لنورية، غالية تجلس وسط أوراقها المبتلة. شابة أكل البؤس طموحها، تتسلى بتزوير تواريخ الميلاد والموت لمن يريدون النجاة من القفص. نظرت إلى فاطمة وابتسمت ابتسامة تهكمية خفيفة:
• يوقعون على حياتنا قبل أن نولد، ثم يسألوننا عن فصائلنا... امسحي الاسم واكتبي اسما لا يعرفه الإسفلت. ثم عادت تخط بقلمها الباهت على الورق الأصفر.
في الطابق العلوي، تقف زينة عند نافذة سليمان، ترقب الشارع الصامت. دخل إدريس يحمل تعبه، فنظرت إليه ببرود وثقة:
• أنت تتألم لأنك ما زلت تتخيل أن للدم صوتا.. الدم هنا حبر يا دكتور، وصالح أدى دوره في التقرير السنوي وانتهى.
جلسن جميعا في القاعة الفارغة بعد أن رحل الجميع: فاطمة، حليمة، غالية، وزينة. المطر الأسود يقرع الزجاج. رفعت حليمة فنجان الشاي البارد، وقالت بنبرة خافتة:
• إذن.. انطوت الورقة. فاطمة لم ترفض ولم توافق. التفتت إلى طفلها الذي عبث بقطعة خشبية باهتة، وابتسمت ابتسامة عميقة كبئر بلا قاع، مدركة أن الحكاية ستبقى تدور ما دام هناك ختم، وما دامت هناك ثلاجة خاوية في منتصف الليل.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المستشار زوفيل نجم التيك توك
- الحاج بوعديس نبيذ الذل في كؤوس الظلال
- دقات الساعة لم تعد ذات قيمة
- نبيل المنشار ومملكة الحواجب المعقودة
- الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية
- سمفونية النهيق في مواجهة عقم الكراسي
- رحلة عباس هاجوج الاخيرة
- شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
- إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
- مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
- طرقات على الجلد الميت
- أمير الدبابير وراعي الدودة
- دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
- أنفاس الياسمين المتمردة
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة


المزيد.....




- احتجاز الممثلة سلمى بلير في نيويورك بعد اتهامها بالاعتداء عل ...
- وزير الثقافة والسياحة يعزي مدير عام هيئة الآثار في سيئون بوف ...
- أدب الحرب وثقافة المقاومة – 8
- الفن في زمن الحرب.. فنانون يمنيون يروون ثمن الموقف
- إيلون ماسك وسام ألتمان.. عملاقا التكنولوجيا يعترضان على صورت ...
- المدير الفني لمهرجان القاهرة السينمائي لـ-الجزيرة نت-: تعديل ...
- -السنافر: المغامرات الخالدة 2-.. السينما لا تقبل إعادة التدو ...
- فيلم -البحث عن رسول- يفتتح الدورة الـ13 لمهرجان بيروت الدولي ...
- نتنياهو يطالب بالتحقيق مع صنّاع فيلم -نازا- ومحاكمتهم
- نتنياهو يطالب بمحاكمة صنّاع فيلم «نازا».. ما القصة؟


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - مطر أسود على ثلاجة خاوية