|
|
شقوق الإمبراطورية وإمكانية الاشتراكية: من الانتخابات الأمريكية إلى فك الارتباط العالمي
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 20:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إشارة انتخابية يجري تجاهلها
لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 مجرد انتكاسة جمهورية وعودة ديمقراطية كما يصورها التحليل السائد. فتحت السطح، ثمة ظاهرة أعمق بنيوياً: نخبة من الديمقراطيين اليساريين الذين يرفعون شعارات معارضة الحرب والتقشف والدعم غير المشروط لإسرائيل حققوا انتصارات في ولايات تقليدياً غير مؤاتية للتيار التقدمي — تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية — إضافة إلى فوز عبد الرحمن السيد في ميشيغان، أول عضو يساري مسلم في مجلس الشيوخ في تاريخ الولايات المتحدة، الذي وجّه في خطاب فوزه اتهاماً مباشراً بأن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تمول "الفصل العنصري أو الإبادة الجماعية أو الحرب". واجه السيد إنفاقاً مضاداً من اللوبي المؤيد لإسرائيل (AIPAC) بلغ نحو اثنين وأربعين مليون دولار، ومع ذلك فاز بفارق واضح.
تكمن دلالة هذه النتائج فيما هو أبعد من مقعد فردي. فهي تشير إلى أن التكلفة الخارجية للنظام الهيمني الأمريكي — بحروب الشرق الأوسط والتضخم وسوء توزيع الموارد المالية — قد تسربت إلى عمق كافٍ بحيث أنتجت حركة معاكسة قابلة للالتقاط انتخابياً في قلب الإمبراطورية. لكن الالتقاط الانتخابي هش وقابل للاستيعاب. السؤال الجوهري: هل يمكن لهذا التمرد الداخلي أن يرتبط بنيوياً بعملية فك الارتباط الجارية عالمياً، بحيث يفتح فضاءً لمشروع اشتراكي ذي دلالة تاريخية عالمية؟
تمرد القلب الإمبراطوري — من الظاهرة الانتخابية إلى السخط البنيوي
لفهم لماذا يتجاوز فوز السيد ورفاقه منطق التناوب الحزبي العادي، يجب وضعه في سياق أزمات الشرعية المتعددة التي يواجهها النظام الإمبراطوري الأمريكي. هذه الأزمة لا تنبع من تهديد عسكري خارجي، بل من التحول المستمر لتكاليف الحفاظ على الهيمنة نحو الداخل.
أولاً: التكلفة المالية والأخلاقية لحروب الشرق الأوسط. الدعم غير المشروط للعمليات العسكرية الإسرائيلية في الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني خلق فجوة مساءلة لم تكن موجودة سابقاً. تقليدياً، كانت السياسة الخارجية تعمل داخل إطار توافق ثنائي الحزبين، وتدور المنافسة الانتخابية حول القضايا الداخلية. لكن حين دخل حجم الدمار في غزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى مجال رؤية الناخب الأمريكي في الزمن الحقيقي، وحين بدأ مفهوم "الإبادة الجماعية" يُستخدم علناً من شخصيات تقدمية رئيسية، تصدعت جدران "خندق التوافق". عبارة السيد في خطاب الفوز دقيقة: "لا نريد أن تُستخدم أموال ضرائبنا للفصل العنصري أو الإبادة الجماعية أو الحرب". هذه ليست شكوى إنسانية عامة، بل إعادة توجيه للشرعية الديمقراطية نحو ميزانية الإمبراطورية.
ثانياً: التضخم وتآكل الأجور كترجمة داخلية للهيمنة. لا يأتي ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم من فراغ. فهو نتيجة مباشرة لسلاسل الإمداد المعاد تشكيلها بفعل العقوبات والحروب، وللإنفاق العسكري الذي يزاحم الاستثمار الإنتاجي. الناخب في تكساس أو كانساس لا يحتاج إلى نظرية إمبريالية ليشعر بأن دخله الحقيقي يتراجع بينما تُرسل مليارات إلى الخارج الإسرائيلي و الاوكراني وغيره . الخطاب الاقتصادي الشعبي الذي يطرحه جيمس تالاريكو وآدم هاميلتون وآني أندروز يربط بين هذه الخيوط: الحرب ترفع الأسعار، والاحتكارات ترفع الأسعار، والاثنان يُموَّلان من الجيب نفسه.
ثالثاً: أزمة الثقة في المؤسسات الوسيطة. فوز مرشحين يساريين في ولايات محافظة يشير إلى أن الوساطة الحزبية التقليدية — التي كانت تعمل على تفريغ المطالب الشعبية قبل وصولها إلى صندوق الاقتراع — قد ضعفت. حين أعلنت النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز دعمها للمرشح الجمهوري ضد السيد، لم يعد هذا خيانة تُخفي، بل أصبح جزءاً من المشهد المكشوف. الناخب يرى الخط الفاصل بوضوح: من يقف مع الأموال الكبيرة والحرب، ومن يقف ضدها.
هذه العناصر الثلاثة مجتمعة تنتج ما يمكن تسميته "قاعدة انتخابية متحركة ضد السياسة الخارجية الإمبريالية". وهي قاعدة لم تكن موجودة بهذا الوضوح في الانتخابات السابقة. هذا ما يقلق ترامب وماسك وغيرهما من ممثلي رأس المال الاحتكاري: ليس لأن اليسار الديمقراطي سيُنفّذ اشتراكية غداً، بل لأن الخطاب المناهض للإمبريالية بدأ يُنتج انتصارات انتخابية قابلة للتكرار، وهذا يهدد بتقويض التوافق الذي تحكم به الاحتكارات المالية.
لماذا ليست مفاجأة — الأزمة الاقتصادية كشرط لصعود اليسار
إن صعود خطاب يساري مناهض للإمبريالية داخل الولايات المتحدة ليس شذوذاً تاريخياً، بل يتوافق مع منطق الأزمات الرأسمالية. الأزمة الاقتصادية التي تخلقها الهيمنة — ارتفاع أسعار النفط، التضخم، تآكل الأجور — تخلق في الوقت نفسه شروطاً لصعود قوى سياسية تعارض الهيمنة من الداخل. هذه ليست مفارقة، بل ديالكتيك.
الأزمة المالية للدولة الإمبراطورية. تعيش الولايات المتحدة على مزيج من العجز المالي المزمن والاعتماد على امتياز الدولار. الحفاظ على هذا الامتياز يتطلب إنفاقاً عسكرياً هائلاً ووجوداً عالمياً مكلفاً. لكن هذا الإنفاق نفسه يستهلك الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم. النتيجة: طبقة عاملة ترى أن الدولة قادرة على تمويل الحروب بلا حدود، لكنها "لا تجد" المال لتحسين الأجور. هذا التناقض هو المادة الخام للخطاب اليساري الشعبي.
الاحتكارات المالية كهدف مباشر. الخطاب الاقتصادي الشعبي الذي يطرحه هؤلاء المرشحون لا يقتصر على إعادة توزيع الضرائب، بل يتناول بنية الملكية والاحتكار. في تكساس، حيث تتركز صناعة الطاقة، الحديث عن الاحتكارات ليس تجريداً. في كانساس، حيث تتراجع الخدمات الريفية، الحديث عن الشركات الكبرى ليس نخبوياً. اليسار الجديد في هذه الولايات لا يطرح "اشتراكية" بمعناها الأكاديمي، بل يطرح سؤالاً بسيطاً: من يملك؟ ومن يقرر؟ ومن يدفع الثمن؟
الخطر على رأس المال الاحتكاري. هنا يأتي البعد "المخيف" الذي تشير إليه الفقرة الأصلية. فوز السيد في ميشيغان — ولاية صناعية حساسة — يعني أن خطاباً يربط بين الحرب الخارجية والتضخم الداخلي وفساد النخبة يمكن أن يفوز في معقل من معاقل الطبقة العاملة. إذا تكرر هذا النمط، فإن الاحتكارات المالية تواجه سيناريو لم تعتده: ليس فقط معارضة خارجية (الصين، بريكس)، بل معارضة داخلية ذات شرعية انتخابية. وهذا يضاعف كلفة إدارة الهيمنة.
لكن هنا يجب التشديد على تحذير: هذا الصعود الداخلي ليس اشتراكية، ولا هو بالضرورة مناهض للإمبريالية بمعناه الكامل. إنه قد يتحول إلى "حمائية تقدمية" أو "يسار أمريكي أولاً" يطالب بإعادة توزيع داخل الحدود مع الاحتفاظ بالامتيازات الإمبراطورية. المهمة إذن ليست الاحتفال به بمعزل عن سياقه، بل ربطه بالنضال العالمي ضد الهيمنة.
من التمرد الداخلي إلى الارتباط العالمي — الشرط المفقود
المهمة الأساسية هي ربط هذا الصعود الداخلي بالنضال العالمي ضد الهيمنة. لكن كيف يتم هذا الربط عملياً؟ وما هي الشروط التي تجعله ممكناً بدلاً من أن يبقى شعاراً؟
أولاً: تجاوز "اليسار الأمريكي أولاً". الخطر الأكبر على أي تقاطع بين اليسار الأمريكي والحركات العالمية هو الانزلاق إلى خطاب "أمريكا أولاً" بلغة يسارية. مطالبة بخفض الإنفاق العسكري يمكن أن تُترجم إلى انسحاب من الالتزامات الدولية بدلاً من إعادة توجيهها نحو التنمية. معارضة التجارة الحرة يمكن أن تتحول إلى حمائية تحمي رأس المال الأمريكي على حساب العمال في الجنوب العالمي. الشرط الأول للربط هو تعريف المصالح المشتركة بوضوح: خفض الإنفاق العسكري لا يعني انسحاباً، بل تحويلاً؛ ومعارضة الاحتكارات تعني معارضتها عالمياً وليس فقط داخل الحدود.
ثانياً: الاعتراف بالقيادة الفعلية للنضال العالمي. النضال ضد الهيمنة لا يقوده اليسار الأمريكي، بل تقوده الصين ودول بريكس وحركات الجنوب العالمي. هذا ليس تقليلاً من شأن اليسار الأمريكي، بل تحديداً لموقعه. دوره ليس قيادة، بل إنتاج شقوق داخل القلب الإمبراطوري تُضعف قدرة الإمبراطورية على إدارة النظام العالمي. هذا يتطلب تواضعاً استراتيجياً: الاعتراف بأن الصين ليست عدواً، وأن بريكس ليست تهديداً، وأن فك الارتباط ليس خيانة بل شرط بقاء.
ثالثاً: تحويل المطالب الانتخابية إلى مطالب بنيوية. المطالب التي فاز بها هؤلاء المرشحون — وقف الدعم العسكري، خفض الإنفاق العسكري، إعادة توزيع الضرائب — هي مطالب يمكن أن تُستوعب في إطار إصلاحي. التحويل البنيوي يحدث حين تُربط هذه المطالب بمسألة النظام العالمي: وقف الدعم العسكري يصبح جزءاً من إنهاء الهيمنة في الشرق الأوسط؛ خفض الإنفاق العسكري يصبح جزءاً من إعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج المدني؛ إعادة التوزيع تصبح جزءاً من تحدٍّ لبنية الملكية الاحتكارية. هذا التحويل لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى عمل سياسي وفكري منظم.
إمكانية اشتراكية ببعد عالمي — لماذا الولايات المتحدة جزء أساسي
السؤال الذي يمكن طرحه : هل يمكن إقامة اشتراكية ببعد عالمي، وهل يمكن أن تكون الولايات المتحدة جزءاً أساسياً منها؟ الجواب المشروط هو: نعم، لكن ليس بالطريقة التي يتصورها اليسار الأمريكي التقليدي، وليس بمعزل عن الصين وبريكس.
لماذا لا يمكن أن تكون الاشتراكية عالمية بدون أمريكا؟ لأن الولايات المتحدة ليست مجرد دولة أخرى. هي مركز النظام المالي العالمي (الدولار)، ومركز القوة العسكرية العالمية، ومركز الاحتكارات التكنولوجية. أي مشروع اشتراكي عالمي يتجاهل هذا المركز يبقى ناقصاً، لأن المركز قادر على خنق أي بديل عبر العقوبات والسيطرة على سلاسل الإمداد والضغط العسكري. فك الارتباط العالمي عن النظام الرأسمالي لا يكتمل إلا إذا حدث شق داخل المركز نفسه — ليس بالضرورة ثورة، بل على الأقل أزمة هيمنة تفتح فضاءً للبدائل.
كيف يمكن أن تتكامل مع الصين؟ التكامل ليس تحالفاً سياسياً بين حزبين، بل تكاملاً بين مسارين: مسار خارجي تقوده الصين وبريكس لبناء بنى مالية وتجارية بديلة، ومسار داخلي أمريكي يُضعف قدرة واشنطن على استخدام أدوات الهيمنة (العقوبات، السيطرة على المؤسسات المالية، الابتزاز العسكري). التكامل يحدث حين يصبح اليسار الأمريكي قوة تضغط من الداخل لرفع العقوبات، وتقليص الإنفاق العسكري، ووقف دعم الحروب، والاعتراف بشرعية المسارات البديلة. هذا لا يعني أن اليسار الأمريكي "يساعد" الصين، بل يعني أنه يعمل لمصلحة قاعدته الانتخابية في الوقت نفسه الذي يُضعف فيه الإمبراطورية.
التكامل مع بريكس ومحاولات فك الارتباط. بريكس ليست كتلة اشتراكية، لكنها تحتوي على إمكانية فك الارتباط عن النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الدولار. البنك الجديد للتنمية، وترتيبات المقايضة، والتسويات بالعملات المحلية، والاحتياطي من السلع — كلها أدوات تقلل من قدرة المركز على فرض الإرادة عبر النظام المالي. اليسار الأمريكي يمكن أن يدعم هذه المسارات ليس بدافع "دعم الصين"، بل بدافع مصلحة داخلية: تقليل الاعتماد على الدولار كسلاح يُستخدم ضد دول أخرى يعني أيضاً تقليل قدرة النخبة المالية الأمريكية على استخدامه ضد العمال الأمريكيين أنفسهم.
الصين وبريكس وفك الارتباط — الفرص والحدود
لا يمكن لكاتب جاد أن يتجاهل الحدود الموضوعية لهذا المسار. بريكس ليست موحدة، والصين ليست اشتراكية بالمعنى الكلاسيكي، وفك الارتباط ليس عملية خطية.
الصين: قوة إنتاجية بمنطق مختلف. الصين ليست نموذجاً اشتراكياً جاهزاً للتصدير، لكنها قوة إنتاجية هائلة تعمل بمنطق مختلف عن المنطق المالي الأمريكي. مشروع "الحزام والطريق" ومبادرة التنمية العالمية والمصرف الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية — كلها أدوات تخلق بنية مادية بديلة عن البنية التي يسيطر عليها الغرب. لكن الصين تتعامل أيضاً مع النظام القائم، ولا تسعى إلى انهياره الكامل بل إلى تعديله. هذا يخلق فرصاً وحدوداً في الوقت نفسه: الفرصة هي بناء بدائل تدريجية؛ والحد هو أن الصين قد لا ترغب في مواجهة شاملة.
بريكس: تعددية داخلية. بريكس ليست تحالفاً ضد الغرب بالمعنى العسكري، بل منصة لتنسيق مصالح دول تسعى إلى تقليل الاعتماد على النظام الغربي. هذا يعني أن فك الارتباط ليس موحداً: البرازيل قد تختلف عن الهند، وجنوب أفريقيا عن روسيا. اليسار الأمريكي يجب أن يفهم هذا التعدد ولا يتعامل مع بريكس ككتلة واحدة.
الحدود الموضوعية. فك الارتباط الكامل عن النظام الرأسمالي العالمي ليس ممكناً في أفق قصير. النظام المالي والدولار وسلاسل الإمداد متشابكة بعمق. ما هو ممكن هو بناء تدريجي لبدائل، وتقليل الاعتماد، وخلق فضاءات سياسية تسمح بنماذج تنمية مختلفة. الاشتراكية العالمية بمعنى نظام بديل كامل هي أفق بعيد، لكن الشروط المادية لبدايته تتشكل الآن — واليسار الأمريكي يمكن أن يكون جزءاً من هذه البداية أو يمكن أن يبقى خارجها.
نحو استراتيجية للربط — ماذا يعني ذلك عملياً؟
الربط بين الصعود الداخلي الأمريكي والنضال العالمي ضد الهيمنة ليس شعاراً، بل يتطلب استراتيجية. ما هي عناصرها؟
أولاً: إعادة تعريف "اليسار" في السياق الأمريكي. اليسار الذي يفوز في تكساس وكانساس ليس اليسار الأكاديمي الذي يتحدث عن نظرية القيمة. إنه يسار شعبي يربط بين الحرب والتضخم والاحتكار. هذا اليسار يحتاج إلى بناء وعي بأن معارضة الحرب لا تكتمل إلا بمعارضة النظام الذي ينتج الحروب — أي النظام الإمبراطوري نفسه. هذا وعي لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من خلال الممارسة: حملات ضد عقوبات معينة، ضد صفقات سلاح معينة، ضد استثمارات معينة، يمكن أن تُظهر الارتباط بين الداخل والخارج.
ثانياً: بناء جسور مع حركات الجنوب العالمي. هذا يعني دعم حقوق الفلسطينيين ليس فقط كقضية إنسانية، بل كقضية مركزية في النضال ضد الإمبريالية؛ دعم كوبا و مطالب دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا في إعادة التفاوض على الديون؛ معارضة العقوبات الأحادية التي تُستخدم كسلاح. هذه الجسور لا تُبنى في المؤتمرات فقط، بل في الحملات المشتركة والعمل التضامني الملموس.
ثالثاً: رفض الابتزاز الانتخابي. اليسار الأمريكي سيواجه ضغوطاً هائلة من المؤسسة الديمقراطية ليعود إلى "الوسط". فوز السيد ورفاقه سيُواجه بمحاولات استيعاب أو إقصاء. الصمود يتطلب بناء قاعدة مستقلة، وليس الاعتماد على الحزب. هذا يعني بناء مؤسسات إعلامية ومالية ونقابية مستقلة، وربط النضال الانتخابي بالنضال الاجتماعي.
رابعاً: عدم انتظار "الظروف المثالية". الربط لا يحدث عندما تكون كل الشروط جاهزة. يحدث في الممارسة، من خلال تراكم الانتصارات الصغيرة والروابط الصغيرة. كل حملة ضد صفقة سلاح، وكل تحالف مع نقابة في بلد آخر، وكل موقف ضد عقوبة، هو لبنة في هذا البناء.
انهيار المال: الدلائل التجريبية على التحول البنيوي
تحصل التحليلات أعلاه على دعم تجريبي أقوى في بيانات التمويل الانتخابي. ففي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026، واجه أعلى شكلين من أشكال الاستثمار السياسي تركّزاً — الإنفاق الهائل غير المسبوق لإيلون ماسك على المرشحين الجمهوريين، والتمويل الواسع النطاق من AIPAC ولجان العمل السياسي الفائقة المرتبطة بها للمرشحين "المؤيدين للابادة الجماعية الاسرائيلية ضد غزة و شعوب غرب آسيا " — فشلاً منهجياً. وهذا الفشل ليس تذبذباً انتخابياً عارضاً، بل يكشف عن تحول بنيوي في السياسة الأمريكية لم يُدرك بالكامل من قبل: فالمنفعة الحدية للمال في الانتخابات في تراجع، بينما الخطاب الشعبوي المناهض للإمبريالية والمناهض للحرب والمناهض للتقشف يخترق الحواجز الانتخابية التي كانت تُبنى تقليدياً بميزة رأس المال.
أولاً: هزيمة ماسك في تكساس — ما يقارب نصف مليار دولار بلا مقابل
وفقاً لتحليل BBC لبيانات التمويل الانتخابي، أنفق ماسك ما يقارب 450 مليون دولار في دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 لدعم المرشحين الجمهوريين، وهو رقم يتجاوز أي إنفاق فردي في دورة انتخابية واحدة في التاريخ الأمريكي. وقد قدّرت تقارير EFE إجمالي إنفاقه بنحو 474 مليون دولار. وتؤكد بيانات OpenSecrets أن إنفاقه الخارجي بلغ 445.5 مليون دولار، منها 216 مليون دولار ذهبت إلى "America PAC" الذي أسسه، و158 مليون دولار إلى "Senate Leadership Fund". وفي تكساس وحدها، حيث يقع مقر إمبراطوريته التجارية، أنفق ماسك نحو 212 مليون دولار لدعم مرشح الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ كين باكستون.
غير أن باكستون خسر أمام الديمقراطي جيمس تالاريكو بفارق يقارب 12 نقطة مئوية. وأصبح تالاريكو أول ديمقراطي يمثل تكساس في مجلس الشيوخ منذ عام 1988. وفي خطاب فوزه، ردّ تالاريكو مباشرة على إنفاق ماسك: "لقد أثبتنا للتو أن كل أموال العالم لا تستطيع هزيمة شعب تكساس. لقد أرسلنا للتو إشارة إلى كل ملياردير وكل تريليونير من كبار المتبرعين". أما رد فعل ماسك نفسه ليلة الانتخابات فقد كشف عن إحباط نادر، إذ كتب على منصة X: "يبدو أن ليزر الفضاء الذي استخدمته للتدخل في الانتخابات لم يعمل هذه المرة".
والأكثر دلالة هو الطابع المنهجي للفشل. فقد فاز الديمقراطيون في جميع الدوائر الخمس لمجلس الشيوخ التي أنفق فيها "America PAC" التابع لماسك أكثر من غيره، بما في ذلك ميشيغان ومين وأوهايو وآيوا. وفي تكساس، لم يقتصر الأمر على تحول مقعد مجلس الشيوخ، بل فازت الديمقراطية جينا إينوخوسا بمنصب الحاكم، ومن المتوقع أيضاً انتقال السيطرة على مجلس النواب الولائي إلى الديمقراطيين. وهذا يعني أن ماسك واجه انقلاباً كاملاً في الخريطة السياسية في قلب إمبراطوريته التجارية. وكما أشارت صحيفة The Guardian، فإن الحاكمة الديمقراطية المقبلة دعت إلى وقف مؤقت لمراكز البيانات، وتعهد ديمقراطيو مجلس النواب بفتح تحقيق في سلوك ماسك أثناء عمله في "وزارة كفاءة الحكومة" وفي التمويل الفيدرالي لشركاته.
ثانياً: آلة المال لدى AIPAC وانهيار "المقاعد الآمنة"
سجّل إنفاق AIPAC ولجنة العمل السياسي الفائقة المرتبطة بها "United Democracy Project" (UDP) أرقاماً قياسية في هذه الدورة أيضاً. ووفقاً لتحليل The Intercept، بلغ إجمالي إنفاق AIPAC والجماعات المرتبطة بها في دورة 2026 نحو 120 مليون دولار، بزيادة تقارب 26% عن 95.1 مليون دولار في دورة 2024. وفي الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ الديمقراطي في ميشيغان وحدها، أنفقت UDP أكثر من 30 مليون دولار لمهاجمة عبد الرحمن السيد ودعم منافسته هايلي ستيفنز، وهو أكبر إنفاق في تاريخ AIPAC على حملة واحدة.
والنتيجة معروفة: فاز السيد في الانتخابات التمهيدية، ثم فاز في الانتخابات العامة. وتُظهر إحصاءات Responsible Statecraft أن AIPAC أنفقت عبر UDP ولجان العمل السياسي الأخرى 84.1 مليون دولار في الانتخابات التي حُسمت نتائجها، منها نحو 55.3 مليون دولار — أي ما يقارب الثلثين — ذهبت إلى دوائر خسر فيها المرشحون الذين فضّلتهم المنظمة في النهاية. وهذه النسبة تتناقض بشكل صارخ مع نسبة نجاح بلغت 69% في 2022 و87% في 2024. وفي معركة ميشيغان وحدها، خسرت UDP 31.47 مليون دولار. وفي الدائرة التاسعة في إلينوي، أنفقت UDP 6.31 مليون دولار لمحاولة منع دانيال بيس من الفوز في الانتخابات التمهيدية، وفشلت؛ فقد فاز بيس بنسبة 75%، وقال بعد فوزه إن "تدخل AIPAC وإنفاقها سبعة ملايين دولار هو ما جعل هذه القضية محور هذه الحملة".
ووجّه السيد في خطاب فوزه رسالة مباشرة إلى AIPAC: "شكراً لأنكم منحتموني فرصتين لهزيمتكم". وأشارت مجلة Mother Jones إلى أن AIPAC التزمت الصمت النادر بعد يوم الانتخابات، ولم تصدر إلا بعد ساعات بياناً عاماً congratulatório للمرشحين الذين أيدتهم.
ثالثاً: تحول بنيوي أم تذبذب انتخابي؟ مراجعة نقدية لـ"الطابع الأول"
تشير البيانات أعلاه إلى قضية تحتاج إلى مقاربة حذرة: هل يمثل هذا تحولاً بنيوياً "عميقاً" في المجتمع الأمريكي نحو "اشتراكية ذات بعد عالمي"؟
من الناحية التجريبية، أظهرت هذه الانتخابات بالفعل سمات "أولى" عدة. فتالاريكو هو أول ديمقراطي يمثل تكساس في مجلس الشيوخ منذ 1988؛ وآدم هاميلتون هو أول ديمقراطي يمثل كانساس منذ 1932؛ وآني أندروز هي أول ديمقراطية تمثل كارولاينا الجنوبية منذ 1998. وقد حدثت هذه "الأوليات" في ولايات يهيمن عليها الحزب الجمهوري تقليدياً، وحدثت في مواجهة مباشرة مع أكثر أشكال الاستثمار السياسي الرأسمالي تركّزاً — ثروة ماسك الشخصية وأموال AIPAC التنظيمية. وهذا المزيج يشير بالفعل إلى أن بعض البنى التي كانت مستقرة في السياسة الانتخابية الأمريكية بدأت تتصدع.
غير أن تحويل هذا التصدع مباشرة إلى "تحول نحو الاشتراكية" هو قراءة مفرطة. فبرامج تالاريكو — التأمين الصحي الشامل وإصلاح تمويل الحملات — تنتمي إلى الإطار الاجتماعي الديمقراطي لا الاشتراكي. وقد تعمّد هاميلتون الابتعاد عن قادة الحزب الديمقراطي الوطنيين، ويقترب إطاره الخطابي من "العودة إلى الحياة الطبيعية" أكثر من التحول البنيوي. وموقف السيد المناهض للإمبريالية واضح، لكن مطلبه المحوري في الحملة ظل إعادة توزيع الموارد داخل الإطار المؤسسي القائم. وفوز هؤلاء المرشحين يشير إلى انفتاح فجوة: أصبحت التكاليف الاقتصادية والأخلاقية للسياسة الخارجية الإمبريالية مرتفعة بما يكفي لإنتاج رد فعل في الانتخابات، لكن هذا الرد الفعل لا يزال قائماً في شكل سياسة انتخابية، وليس في شكل حركة اجتماعية تتجاوز السياسة الانتخابية.
والأهم من ذلك أن أموال ماسك وAIPAC لم تكن بلا تأثير، بل إن اتجاه تأثيرها قد يكون انحرف عن نية الممولين. فمئات الملايين من الدولارات من الإعلانات حوّلت انتخابات مجلس الشيوخ في تكساس إلى واحدة من أغلى الانتخابات في التاريخ الأمريكي، ودفعت حملة ميشيغان إلى مستوى 300 مليون دولار. وهذا "التشبع المالي" أنتج نتيجة مفارقة: فبعد أن تعرض الناخبون لعشرات الآلاف من الإعلانات، تراجعت القوة الإقناعية الحدية للإعلانات، واكتسبت المواقف الأصلية للمرشحين — صراحة السيد بشأن غزة، وتحدي تالاريكو المباشر لماسك — ظهوراً ومصداقية أعلى. فقد حوّل تالاريكو إنفاق ماسك إلى سردية "تكساس ليست للبيع"، وحوّل السيد إنفاق AIPAC إلى رأس مال سياسي "هزمتكم مرتين"، وهذان نموذجان نموذجيان لتحويل ميزة المال لدى الخصم إلى موارد سياسية ذاتية.
لذلك، فإن الحكم الأدق هو: كشفت نتائج انتخابات 2026 عن سخط بنيوي متراكم في المجتمع الأمريكي — تجاه تكاليف حروب الإمبراطورية، وتآكل المال للسياسة، والملل من توافق المؤسسة — بلغ حداً يمكن، في ظروف معينة، تعبئته بخطاب مناهض للإمبريالية ومناهض للتقشف. لكن ما إذا كان هذا السخط قابلاً للتحول إلى حركة اجتماعية تتجاوز الدورة الانتخابية وذات اتجاه اشتراكي واضح، يعتمد على بناء أشكال تنظيمية مستدامة وتعليم سياسي بعد الانتصار الانتخابي، وليس على نتيجة انتخابات واحدة. إن انهيار المال إشارة، وليس برهاناً. إنه يثبت أن شقوق التوافق القديم حقيقية، لكنه لا يثبت أن التوافق الجديد قد تشكل بعد.
الأفق المفتوح والشرط الذاتي
ما تشير إليه هذه الانتخابات ليس صعود الاشتراكية في أمريكا. إنها تشير إلى شيء أكثر تواضعاً وأكثر أهمية في الوقت نفسه: أن الهيمنة الإمبراطورية بدأت تنتج تكاليف داخلية لا يمكن احتواؤها انتخابياً بالطرق التقليدية. هذا يخلق فضاءً — فضاءً لا يزال ضيقاً وهشاً، لكنه موجود — لخطاب مناهض للإمبريالية داخل الولايات المتحدة.
إمكانية اشتراكية ببعد عالمي لا تُبنى على هذا الفضاء وحده. تُبنى على تكامله مع المسارات التي تقودها الصين وبريكس وحركات الجنوب العالمي. لكن هذا التكامل ليس حتمياً. يعتمد على قدرة اليسار الأمريكي على تجاوز إغراء "أمريكا أولاً" بلغة يسارية، وعلى الاعتراف بأن النضال العالمي ليس تهديداً بل شرطاً. يعتمد أيضاً على قدرة القوى العالمية على عدم التعامل مع اليسار الأمريكي كأداة، بل كشريك في خلق شقوق داخل المركز.
الأفق مفتوح، لكنه ليس مضموناً. الشرط الذاتي — أي وعي وقرار وإرادة — لا يقل أهمية عن الشروط الموضوعية. هذه هي النقطة التي تتوقف عندها التحليلات الجيوسياسية عادة، وهي النقطة التي يجب أن يبدأ منها العمل.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المركز الإمبراطوري وفك الارتباط العالمي — الصين وبريكس والشر
...
-
من يقود واشنطن: تشريح بارد لهيكل السلطة في ظل الحرب على إيرا
...
-
من صندوق الاقتراع إلى المضيق: قراءة متأنية في هزيمة ترامب وم
...
-
لماذا يخشى ترامب ونيتنياهو النزول إلى حرب أو ساحة المواجهة م
...
-
دفتر حسابات ترامب الحربي وانهيار أسهم الذكاء الاصطناعي في وو
...
-
النفط كسلاح استراتيجي: قراءة في عتبة المئة والعشرين إلى المئ
...
-
نجيب محفوظ — السكين التي سبقتها الفتوى
-
مصطفى العقاد — الإسلام الذي لا يمر عبر فتوى اسلام المحميات ا
...
-
كيف تُدير أوروبا تناقضَها بين محاربة الإسلام التكفيري والتعا
...
-
حكايات الانهيار والصعود من دمشق إلى باب المندب ..كتيب 13 مقا
...
-
شرايين رقمية في العتمة كيف تُكتب حدود العالم تحت سطح الماء(
...
-
المعلمُ الذي علّمَ الشعرَ: في أهمية المعلم الشيوعي
-
سُقُوطُ الأَقْنِعَةِ النِّيُولِيبْرَالِيَّةِ .. فَلْسَفَةُ ا
...
-
كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافي
...
-
تحالف وهابية العدو السعودي والإمبريالية الأمريكية
-
الدومينو يبدأ من بروكسل وباريس : حين يكتب محور المقاومة بداي
...
-
كيف صاغ الاستشراق البنية التكفيرية الحديثة؟
-
المنظومة التي لا تُرى: كيف تتشابك الثروة والعنف والسيادة في
...
-
سقوط الشرعية الإقليمية… من تفكك النفوذ إلى صعود الشعوب
-
مقارنة بين إعلام صنعاء والإعلام الخليجي الخادم للإمبريالية ا
...
المزيد.....
-
إصابة 64 شخصًا جراء تصادم قطارين في مصر
-
هجوم كراكوف.. الضحايا مواطنو روسيا وبريطانيا والنمسا وألماني
...
-
إيران: أي جهة تتعاون مع واشنطن وتهددنا ستصبح هدفا مشروعا لنا
...
-
مشاهد اشتعال ناقلة نفط ثالثة في مضيق هرمز
-
-بوليتيكو-: -الناتو- يبحث عن 7 مليارات يورو إضافية لتسليح أو
...
-
بريطانيا تحيي ذكرى ضحايا الحربين العالميتين
-
الحوثيون يعلنون عن عمليات عسكرية نوعية نفذت اليوم في العمق ا
...
-
السيسي: مصر لن يكفيها إلا أن يكون لديها 10 آلاف مجدي يعقوب
-
أقدم دليل أثري على استخدام القنب في طقوس التضحية بسيبيريا
-
إصابة أكثر من 60 شخصاً في انقلاب قطار بمصر
المزيد.....
-
جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب
/ زياد الزبيدي
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|