أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - من يقود واشنطن: تشريح بارد لهيكل السلطة في ظل الحرب على إيران















المزيد.....

من يقود واشنطن: تشريح بارد لهيكل السلطة في ظل الحرب على إيران


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 21:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


سؤال يبدو بسيطاً... حتى تبدأ التفكيك

ثمة سؤال يتردد في أروقة العواصم العربية وفي ندوات السياسة الدولية، ويبدو في ظاهره بسيطاً إلى حد السذاجة: من يقود واشنطن فعلاً؟ هل هو الرئيس الأمريكي المنتخب، أم رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يبدو وكأنه يمسك بخيوط اللعبة؟ أم أن هناك قوة ثالثة لا تظهر في الصور ولا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها هي التي تحرك كل شيء؟

هذا السؤال ليس سؤالاً أكاديمياً باردة، بل هو سؤال يتعلق بمصير ملايين البشر، لأن الإجابة عنه تحدد من نحمّل المسؤولية عن الحروب والدمار والمجازر. فإذا كان نتنياهو هو "الراكب" وترامب هو "الحمار"، فإن المسؤولية تقع على إسرائيل وحدها. وإذا كان ترامب هو المسؤول، فإن المسؤولية تقع على الولايات المتحدة. وإذا كان هناك هيكل أوسع، فإن المسؤولية تتوزع على نظام كامل. هذا المقال يحاول تفكيك هذا السؤال ببرودة تحليلية، بعيداً عن الشعارات، معتمداً على الأدلة والوقائع والمنطق البنيوي.


1. الوهم الأول — "نتنياهو يتحكم بترامب"

1.1 من أين جاءت هذه الفكرة؟

الفكرة التي تصور نتنياهو كقوة خارقة تتحكم بالرئيس الأمريكي ليست وليدة اللحظة. لها جذور في عدة وقائع ملموسة:

أولاً، الحضور المتكرر لنتنياهو في المشهد السياسي الأمريكي، بما يتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي. ففي مارس 2026، ألقى نتنياهو كلمة أمام الكونغرس الأمريكي في جلسة مشتركة، وهو شرف لا يُمنح عادة إلا لرؤساء الدول الحليفة في مناسبات استثنائية. لكن الأكثر دلالة هو ما تلا ذلك: سلسلة من التصريحات من أعضاء الكونغرس من الحزبين تؤكد "دعم إسرائيل المطلق".

ثانياً، التسريبات المتكررة عن محادثات هاتفية حادة بين ترامب ونتنياهو، ولكن ليس بالطريقة التي قد يتوقعها المرء. ففي إحدى هذه التسريبات، التي نقلتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في يونيو 2026، يظهر ترامب وهو يصرخ في وجه نتنياهو: "أنت مجنون. لولاي لكنت في السجن الآن. أنا أنقذ حياتك." هذه العبارة، التي قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها دليل على أن ترامب هو المسيطر، تحمل في طياتها اعترافاً أعمق: الاعتراف بأن ترامب يدرك تماماً أنه يقدم لنتنياهو خدمة شخصية — الحماية من المحاكمة بتهم الفساد في إسرائيل — مقابل خدمة سياسية. هذا ليس علاقة سيد وتابع، بل علاقة تبادل مصالح غير متكافئة.

ثالثاً، صورة "الراكب والحمار" التي انتشرت على نطاق واسع في العالم العربي، والتي قيل إنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، لكنها التقطت مزاجاً شعبياً حقيقياً. هذه الصورة ليست دليلاً على شيء، لكنها تعبير عن إحساس جماعي بأن هناك خللاً في علاقة القوة بين الحليفين.

1.2 لماذا تفشل هذه الفكرة كتحليل؟

المشكلة في فكرة "نتنياهو يتحكم بترامب" أنها تخلط بين مستويين مختلفين: مستوى التأثير التكتيكي ومستوى القرار الاستراتيجي. نتنياهو يستطيع التأثير على توقيت قرار ما، أو على تفاصيل عملية عسكرية، أو على صياغة بيان سياسي. لكنه لا يستطيع أن يأمر ترامب بشن حرب شاملة. لماذا؟ لأن ترامب، بغض النظر عن كل شيء، هو من يملك سلطة القرار النهائي في البيت الأبيض. وهو من يوقع أمر الضربة. وهو من يتحمل التبعات السياسية.

والدليل الأكثر إثارة للاهتمام على ذلك هو ما كشفته صحيفة "نيويورك تايمز" في تحليل مطول نشرته في يوليو 2026: أن ترامب رفض في البداية خطة إسرائيلية لضربة واسعة النطاق على المنشآت النووية الإيرانية في يناير 2026، وطلب تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات النصفية. هذا الرفض لا يتوافق مع فكرة أن نتنياهو "يتحكم" به. بل يشير إلى أن ترامب كان يمارس سلطته كرئيس، ويقرر التوقيت بناءً على حساباته السياسية الداخلية، لا بناءً على أوامر من الخارج.

1.3 ما هو الدور الحقيقي لنتنياهو إذن؟

نتنياهو ليس "الراكب" ولا "السيد". هو بالأحرى الوكيل المحلي لقوة أوسع. تخيل هيكلاً هرمياً: في القاعدة، رأس المال المالي والصناعي والعسكري. في الوسط، المؤسسات البيروقراطية (البنتاغون، وكالة الاستخبارات المركزية، وزارة الخزانة). في القمة الظاهرة، السياسيون (ترامب، نتنياهو، غالانت، بلينكن). نتنياهو في هذه القمة، لكنه ليس وحده. وهو يستمد قوته ليس من قدرته الشخصية، بل من كونه ممثلاً لمصالح شبكة واسعة من المال والإعلام واللوبيات داخل الولايات المتحدة نفسها.

هذه الشبكة ليست إسرائيلية بالضرورة، بل هي أمريكية-إسرائيلية متشابكة. تشمل مليارديرات أمريكيين يهوداً يدعمون إسرائيل، وجماعات مسيحية صهيونية مؤثرة في الحزب الجمهوري، وشركات تكنولوجيا عسكرية تستفيد من استقرار إسرائيل كسوق للأسلحة. نتنياهو ليس سيد هذه الشبكة، بل هو أحد ممثليها. وهو يستمد منها قوته، لكنه ليس مصدرها.



2. الوهم الثاني — "ترامب هو المسؤول الوحيد"

2.1 لماذا يبدو ترامب مسؤولاً؟

من السهل تحميل ترامب المسؤولية الكاملة. فهو الرئيس. وهو من يتخذ القرارات. وهو من يظهر في الصور. وهو من يصرح. وهو من يوقع. وهو من يتحمل المسؤولية السياسية أمام الناخبين. وهذا صحيح إلى حد كبير: ترامب ليس ضحية، بل هو فاعل رئيسي في هذه الحرب. لكن السؤال ليس "هل ترامب مسؤول؟" بل "هل ترامب هو المسؤول الوحيد؟"

2.2 حدود مسؤولية ترامب

هناك عدة مؤشرات على أن ترامب لم يكن يملك حرية كاملة في اتخاذ القرار:

أولاً: الضغوط البنيوية. الرئيس الأمريكي، بغض النظر عن شخصيته، يعمل داخل نظام مؤسسي معقد. البنتاغون يقدم خيارات عسكرية محدودة. وكالة الاستخبارات المركزية تقدم تقديرات استخباراتية. وزارة الخزانة تحذر من تداعيات اقتصادية. الكونغرس يهدد بالرقابة. هذه المؤسسات ليست محايدة، بل لها مصالحها الخاصة. والمجمع العسكري-الصناعي، الذي يضم شركات مثل لوكهيد مارتن وريثيون ونورثروب غرومان، له مصلحة مباشرة في استمرار الصراعات وارتفاع ميزانيات الدفاع.

ثانياً: ضغوط الحلفاء. إسرائيل ليست الحليف الوحيد الذي يضغط على واشنطن. السعودية والإمارات ومصر أيضاً تضغط. لكن إسرائيل تتمتع بقدرة فريدة على التأثير في السياسة الأمريكية بسبب شبكة اللوبيات والتمويل الانتخابي. هذا لا يعني أن ترامب "مُجبر"، بل يعني أن خياراته محدودة.

ثالثاً: الحسابات الانتخابية. ترامب ليس سياسياً محترفاً بالمعنى التقليدي، لكنه ليس غبياً سياسياً. هو يعرف أن أي حرب مع إيران ستكون لها تداعيات على أسعار النفط، وعلى الاقتصاد الأمريكي، وعلى فرص إعادة انتخابه. لذلك، هو يحاول أن يوازن بين ضغوط الحلفاء ومصالحه الانتخابية. هذا لا يجعله ضحية، بل يجعله لاعباً يحسب المخاطر.

2.3 ماذا يعني ذلك؟

يعني أن ترامب مسؤول، لكن ليس مسؤولاً وحيداً. هو مسؤول لأنه اتخذ القرار. لكنه ليس مسؤولاً وحيداً لأن القرار لم يُتخذ في فراغ. كان هناك هيكل من الضغوط والمصالح والبنى المؤسسية التي شكلت القرار. ترامب هو الممثل التنفيذي لهذا الهيكل، وليس المحرك الوحيد له.



3. الهيكل الحقيقي — من يقود واشنطن فعلاً؟

3.1 رأس المال: المحرك الأول

إذا أردنا أن نفهم من يقود واشنطن، علينا أن نبدأ من السؤال الأكثر بساطة: من يملك؟ من يملك وسائل الإنتاج؟ من يملك وسائل الإعلام؟ من يملك البنوك؟ من يملك شركات النفط؟ من يملك شركات التكنولوجيا العسكرية؟

في الولايات المتحدة، هذه الملكية مركزة إلى حد مذهل. وفقاً لتقرير معهد السياسة الدراسية (IPS) لعام 2025، فإن أغنى 1% من الأمريكيين يملكون أكثر من 30% من الثروة الوطنية. وأغنى 10% يملكون أكثر من 70%. هذه ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل هي أرقام سياسية. فمن يملك الثروة يملك القدرة على تمويل الحملات الانتخابية، وشراء الإعلانات السياسية، والتأثير على صناع القرار.

وعندما نتحدث عن الحرب على إيران، فإن المستفيدين الاقتصاديين واضحون: شركات النفط الكبرى. وفقاً لتحليل نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في أكتوبر 2026، حققت 51 شركة أمريكية كبرى للنفط والغاز أرباحاً بلغت حوالي 130 مليار دولار في النصف الأول من الحرب (أبريل-سبتمبر 2026)، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف نفس الفترة من العام الماضي. وفي المقابل، دفع المستهلك الأمريكي العادي 150 مليار دولار إضافية على البنزين والديزل. هذه ليست صدفة. هذه نتيجة متوقعة لأي حرب في منطقة الخليج.

3.2 المجمع العسكري-الصناعي: المنفذ الاستراتيجي

في خطاب الوداع الشهير الذي ألقاه الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور في يناير 1961، حذر من "المجمع العسكري-الصناعي" (Military-Industrial Complex) وقال إنه يشكل تهديداً للديمقراطية الأمريكية. بعد أكثر من ستة عقود، يبدو هذا التحذير نبوئياً بشكل مرعب.

المجمع العسكري-الصناعي ليس مجرد شركات تصنع الأسلحة. هو شبكة معقدة تشمل البنتاغون، والكونغرس (الذي يوافق على ميزانيات الدفاع)، والجامعات (التي تجري البحوث العسكرية)، ووسائل الإعلام (التي تعتمد على "مصادر عسكرية")، ومراكز الأبحاث (التي توظف جنرالات متقاعدين). هذه الشبكة ليست جهة فاعلة واحدة، لكنها تعمل كقوة بنيوية تدفع نحو المزيد من الصراعات، لأن الصراعات تعني مزيداً من الميزانيات، ومزيداً من الميزانيات تعني مزيداً من الأرباح.

في حالة إيران، هذا المجمع له مصلحة واضحة في استمرار التوتر. فكل صاروخ يُطلق، وكل طائرة تُسقط، وكل قاعدة تُقصف، تعني عقوداً جديدة، وأرباحاً جديدة، ووظائف جديدة. هذا لا يعني أن هناك "مؤامرة" بالمعنى الحرفي، بل يعني أن هناك بنية تدفع في اتجاه معين، بغض النظر عن نوايا الأفراد.

3.3 البيروقراطية الأمنية: الدولة العميقة

مصطلح "الدولة العميقة" (Deep State) أصبح مبتذلاً بسبب الاستخدام المفرط في الخطاب السياسي، لكنه يشير إلى ظاهرة حقيقية: وجود بيروقراطية أمنية دائمة (وكالة الاستخبارات المركزية، مكتب التحقيقات الفيدرالي، وكالات الاستخبارات العسكرية) لها مصالحها الخاصة، وقدرة على مقاومة التغيير، وتأثير على السياسة الخارجية يتجاوز الحكومات المتعاقبة.

هذه البيروقراطية ليست محايدة. لها رؤية للعالم، ولها مصالح مؤسسية، ولها قدرة على تسريب المعلومات، وتشكيل الرواية الإعلامية، وتوجيه السياسات. في حالة إيران، هذه البيروقراطية لعبت دوراً مركزياً في تصعيد الموقف، عبر سلسلة من التقارير الاستخباراتية التي أكدت "اقتراب إيران من القنبلة"، وهي تقارير يصعب التحقق منها بشكل مستقل.

3.4 السياسيون: القمة الظاهرة

ترامب ونتنياهو وباقي السياسيين هم القمة الظاهرة لهذا الهرم. هم من يظهرون في الصور، ويصرحون، ويوقعون. لكنهم ليسوا من يملكون. هم ممثلون تنفيذيون لهيكل أوسع. وهذا لا يعني أنهم دمى بلا إرادة. بل يعني أن إرادتهم محدودة بالبنية التي يعملون داخلها. ترامب يستطيع أن يختار التوقيت، لكنه لا يستطيع أن يختار تجاهل المصالح الاقتصادية والعسكرية التي تمول حملاته الانتخابية. نتنياهو يستطيع أن يختار التكتيكات، لكنه لا يستطيع أن يختار التخلي عن التحالف مع واشنطن.



4. لماذا تبدو العلاقة بين ترامب ونتنياهو معكوسة؟

4.1 آلية اللوبي

السبب الأول الذي يجعل نتنياهو يبدو وكأنه "يتحكم" بترامب هو آلية اللوبي. في الولايات المتحدة، اللوبي الموالي لإسرائيل (مثل آيباك) يتمتع بنفوذ هائل في الكونغرس، وفي الحملات الانتخابية، وفي وسائل الإعلام. هذا النفوذ لا يأتي من فراغ، بل من قدرة اللوبي على تعبئة التمويل الانتخابي، وتوجيه الناخبين، وتشكيل الرأي العام.

نتنياهو ليس هو من يملك هذا اللوبي، لكنه يستفيد منه. واللوبي ليس أداة في يد نتنياهو، بل هو شبكة أمريكية لها مصالحها الخاصة، والتي تتقاطع مع مصالح نتنياهو. عندما يضغط اللوبي على الكونغرس لدعم إسرائيل، فهو لا يفعل ذلك لأن نتنياهو أمره، بل لأن هذا هو جوهر وجوده. لكن النتيجة واحدة: نتنياهو يبدو وكأنه يتحكم بالسياسة الأمريكية، بينما في الحقيقة هو يستفيد من بنية قائمة.

4.2 ضعف ترامب السياسي

السبب الثاني هو ضعف ترامب السياسي النسبي. ترامب ليس سياسياً تقليدياً، وليس لديه شبكة علاقات عميقة في المؤسسة الأمنية. هو يعتمد على دائرة صغيرة من المستشارين، وكثير منهم لهم ارتباطات بإسرائيل. هذا لا يعني أنه "مُسيطر عليه"، بل يعني أنه أكثر عرضة للتأثير من رئيس تقليدي لديه خبرة طويلة في المؤسسة.

4.3 الإرث التاريخي للتحالف

السبب الثالث هو الإرث التاريخي للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي. هذا التحالف ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة عقود من التعاون الاستراتيجي، والتبادل الاستخباراتي، والتشابك الاقتصادي. ترامب لم يخترع هذا التحالف، بل ورثه. وهو يعمل داخله، وليس خارجه. هذا لا يعني أنه لا يملك خيارات، بل يعني أن خياراته محدودة بالإطار التاريخي للعلاقة.


5. الحمار والراكب — لماذا تفشل الاستعارة؟

5.1 مشكلة الاستعارة

استعارة "الحمار والراكب" تحمل في طياتها افتراضاً خاطئاً: أن هناك راكباً واحداً، وحماراً واحداً. لكن الواقع أكثر تعقيداً. هناك هيكل من الركاب، وهيكل من الحمير، والكل يركب الكل. ترامب يركب نتنياهو في بعض الأحيان (عندما يحتاج إلى دعم اللوبي)، ونتنياهو يركب ترامب في أحيان أخرى (عندما يحتاج إلى غطاء أمريكي). والاثنان معاً يركبهما هيكل أوسع: رأس المال، والمجمع العسكري-الصناعي، والبيروقراطية الأمنية.

5.2 لماذا تنتشر الاستعارة؟

رغم أنها غير دقيقة تحليلياً، الاستعارة تنتشر لأنها تعبر عن غضب مشروع. عندما يرى الجمهور العربي مجازر غزة، ويرى الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، ويرى ترامب يصرخ في وجه نتنياهو ثم يرسل له المزيد من الأسلحة، فإن استعارة "الحمار والراكب" تعبر عن إحساس بأن هناك خللاً في علاقة القوة. لكن التعبير عن الغضب ليس تحليلاً. والتحليل يتطلب أكثر من استعارة.

5.3 الاستعارة البديلة

إذا أردنا استعارة أكثر دقة، يمكننا القول إن ترامب ونتنياهو هما لاعبان في فريق واحد، لكن الفريق ليس ملكهما. الفريق مملوك لرأس المال، ويديره المجمع العسكري-الصناعي، ويحرسه البيروقراطية الأمنية. ترامب ونتنياهو يلعبان أدواراً مختلفة، لكنهما لا يملكان الفريق. وهذا لا يعني أنهما أبرياء. بل يعني أن مسؤوليتهما جزئية، وليست كلية.



6.ماذا يعني ذلك للحرب على إيران؟

6.1 الحرب ليست "مؤامرة" بل نتيجة بنيوية

فهم الحرب على إيران كـ"مؤامرة" يحاكها نتنياهو في غرفة مظلمة هو تبسيط مخل. الحرب نتيجة بنيوية لتفاعل عدة عوامل: المصالح الاقتصادية لشركات النفط، والمصالح المؤسسية للمجمع العسكري-الصناعي، والمصالح الاستراتيجية لإسرائيل، والحسابات الانتخابية لترامب، والضغوط البيروقراطية للأجهزة الأمنية. هذه العوامل لا تتفق بالضرورة على كل شيء، لكنها تتقاطع في نقطة واحدة: الحرب.

6.2 من يتحمل المسؤولية؟

المسؤولية موزعة، لكنها ليست متساوية. ترامب ونتنياهو يتحملان مسؤولية القرار المباشر. لكن المسؤولية الأكبر تقع على الهيكل الذي جعل هذا القرار ممكناً: نظام اقتصادي يعتمد على الحرب، ونظام سياسي يُشترى بالمال، ونظام إعلامي يُشكل الرأي العام، ونظام عسكري يرى في الصراع فرصة.

6.3 ما العمل؟

هذا سؤال يتجاوز نطاق هذا المقال. لكن الإشارة إلى أن فهم الهيكل هو الخطوة الأولى نحو تغييره. إذا اعتقدنا أن المشكلة في ترامب ونتنياهو فقط، فإن حل المشكلة هو تغييرهما. لكن إذا فهمنا أن المشكلة في الهيكل، فإن الحل هو تغيير الهيكل. وهذا أصعب بكثير، لكنه أكثر دقة.



الهرم المقلوب

يمكن تلخيص التحليل في صورة واحدة: هرم مقلوب. في القمة الظاهرة، ترامب ونتنياهو. في الوسط، البنتاغون واللوبيات والبيروقراطية الأمنية. في القاعدة، رأس المال المالي والنفطي والعسكري. من ينظر إلى القمة فقط يرى ترامب ونتنياهو، ويعتقد أن أحدهما يتحكم بالآخر. لكن من ينظر إلى القاعدة يرى أن الاثنين معاً يتحكمان من الأسفل. وهذا هو الفرق بين التحليل السطحي والتحليل البنيوي.

العبارة التي تقول "ترامب كالحمار ونتنياهو هو الراكب" تعبر عن غضب مشروع، لكنها تخطئ في تحديد موقع كل منهما. الحقيقة أن رأس المال هو الذي يقود واشنطن، وترامب ونتنياهو كلاهما أدوات تنفيذية له، لكن ترامب يبدو أكثر تنظيماً من قبل نتنياهو بسبب آلية اللوبي، بينما نتنياهو يبدو وكأنه "يتحكم" بترامب. وهذا التصور المقلوب هو بالضبط ما يجعل الجمهور يرى "الحمار" و"الراكب"، بينما الراكب الحقيقي يجلس في غرفة اجتماعات لا يعرفها الجمهور، ولا يظهر في الصور.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من صندوق الاقتراع إلى المضيق: قراءة متأنية في هزيمة ترامب وم ...
- لماذا يخشى ترامب ونيتنياهو النزول إلى حرب أو ساحة المواجهة م ...
- دفتر حسابات ترامب الحربي وانهيار أسهم الذكاء الاصطناعي في وو ...
- النفط كسلاح استراتيجي: قراءة في عتبة المئة والعشرين إلى المئ ...
- نجيب محفوظ — السكين التي سبقتها الفتوى
- مصطفى العقاد — الإسلام الذي لا يمر عبر فتوى اسلام المحميات ا ...
- كيف تُدير أوروبا تناقضَها بين محاربة الإسلام التكفيري والتعا ...
- حكايات الانهيار والصعود من دمشق إلى باب المندب ..كتيب 13 مقا ...
- شرايين رقمية في العتمة كيف تُكتب حدود العالم تحت سطح الماء( ...
- المعلمُ الذي علّمَ الشعرَ: في أهمية المعلم الشيوعي
- سُقُوطُ الأَقْنِعَةِ النِّيُولِيبْرَالِيَّةِ .. فَلْسَفَةُ ا ...
- كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافي ...
- تحالف وهابية العدو السعودي والإمبريالية الأمريكية
- الدومينو يبدأ من بروكسل وباريس : حين يكتب محور المقاومة بداي ...
- كيف صاغ الاستشراق البنية التكفيرية الحديثة؟
- المنظومة التي لا تُرى: كيف تتشابك الثروة والعنف والسيادة في ...
- سقوط الشرعية الإقليمية… من تفكك النفوذ إلى صعود الشعوب
- مقارنة بين إعلام صنعاء والإعلام الخليجي الخادم للإمبريالية ا ...
- غزة: الإبادة كرسالة طبقية من النظام الرأسمالي العالمي
- نصف مليون ضحية: اليمن بين قصف العدو السعودي والجوع والصمت ال ...


المزيد.....




- كيف تحولت الأغنام إلى سلاح في يد المستوطنين الإسرائيليين؟
- زاخاروفا تسخر من وزير الدفاع البريطاني وتلقبه بـ-سترينغر-
- أولى أزمات ترامب بعد الخسارة.. هل يكون هيغسيث كبش فداء لاحتو ...
- زاخاروفا: موسكو ترصد خطوات هلسنكي غير الودية
- زاخاروفا تنتقد غموض موقف باشينيان من الاتحاد الأوراسي
- خسارة الكونغرس تقلص خيارات ترامب
- ما حقيقة فرضية انتهاء العالم في 13 نوفمبر؟ نبوءة قديمة تعود ...
- الأردن: مقتل رجل أمن وإصابة آخر طعنا قرب سفارة سريلانكا في ع ...
- الولايات المتحدة: هل أثر صوت الناخب العربي على نتائج الإنتخا ...
- بؤرة استيطانية جديدة وسط الخليل وهدم 5 منازل وتحذير من هدم ت ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - من يقود واشنطن: تشريح بارد لهيكل السلطة في ظل الحرب على إيران