أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - من صندوق الاقتراع إلى المضيق: قراءة متأنية في هزيمة ترامب وما بعدها















المزيد.....

من صندوق الاقتراع إلى المضيق: قراءة متأنية في هزيمة ترامب وما بعدها


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 09:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هزيمة ترامب في انتخابات التجديد النصفي ليست حدثاً انتخابياً عابراً، بل لحظة انكشاف لبنية النظام الأمريكي من الداخل. قراءة متأنية — تجمع بين التشريح الاقتصادي البارد والنقد السياسي الحاد — تكشف أن ما جرى ليس انتصاراً لقوى التحرر، بل تعبير عن أزمة داخلية في منظومة الهيمنة. المهمة الحقيقية ليست الاحتفال بسقوط ترامب، بل فهم التناقضات التي كشفها، والبناء عليها لدفع مشروع بديل عالمي لا يكتمل إلا بتحالف بين قوى المقاومة في الجنوب العالمي، والقوى السيادية في الشرق، وضغط من داخل أمريكا نفسها.



أولاً: ما حدث فعلاً — هزيمة مدوية، لكن لماذا؟

النتائج واضحة: الديمقراطيون استعادوا مجلسي الكونغرس، وقلبوا ولايات لم يفز فيها ديمقراطي منذ عقود — تكساس منذ 1988، كانساس منذ 1932. جميع المرشحين الذين دعمهم ترامب شخصياً في الولايات الحاسمة خسروا. لكن الأرقام لا تفسر شيئاً. السؤال هو: لماذا خسر ترامب؟

الإجابة ليست "لأن الأمريكيين أحبوا الديمقراطيين". الإجابة هي أن الحرب العدوانية على إيران واليمن — التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز وحصار محمية السعودية وارتفاع أسعار النفط والديزل — ضربت جيب المواطن الأمريكي مباشرة. اعترف ترامب نفسه بأن الحرب كانت "جزءاً" من الهزيمة. هذا هو جوهر الأزمة: النظام الذي يشن الحروب للحفاظ على هيمنته يخلق في الوقت نفسه الضغوط الاقتصادية التي تقوض شرعيته الداخلية. الهزيمة الانتخابية ليست تصحيحاً، بل عَرَض من أعراض المرض.

لكن التشريح الاقتصادي وحده لا يكفي. يجب أن نرى ما وراء الأرقام: شبكة من المصالح الأمنية والمالية التي تدير هذه الحروب. ليست الإمبريالية مجرد "احتكارات خمسة" — تكنولوجيا، مال، موارد، إعلام، أسلحة — بل هي أيضاً شبكة عصابات أمنية تمتد من أجهزة الاستخبارات إلى اللوبيات إلى صناديق التمويل. الحرب على إيران لم تكن قراراً استراتيجياً فقط؛ كانت أيضاً صفقة: شركات التكنولوجيا تبيع الذكاء الاصطناعي للبنتاغون، وشركات النفط تربح من ارتفاع الأسعار، والممولون الكبار يدفعون مقابل سياسات تخدم مصالحهم. هذا ليس تحليلاً اقتصادياً بارداً؛ إنه تشريح لعصابات.



ثانياً: لماذا لا يكفي إسقاط ترامب؟

الانتخابات الأمريكية هي آلية لإدارة الأزمة داخل بنية الهيمنة، وليس آلية لتغييرها. تغيير الحزب الحاكم لا يغير الاحتكارات الخمسة، ولا يغير منطق "التراكم عبر السلب" الذي يدفع حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني الاصلي في غزة، ولا يغير اندماج الدولة مع شركات التكنولوجيا التي تدير الحرب.

الأهم: سقوط العدو لا يعني تلقائياً صعود البديل. صعود ترامب عام 2016 وهزيمة هيلاري معاً كانا تعبيراً عن أزمة النظام النيوليبرالي، وليس عن انتصار قوة تقدمية. الأمر نفسه ينطبق اليوم: هزيمة ترامب تعبر عن أزمة الهيمنة، لكنها لا تعني أن البديل قد وُلد.

البديل هو "فك الارتباط": استراتيجية تخرج بها الدول والشعوب من منطق القيمة العالمي، وتبني اقتصاداً محوره ذاتي، يخدم احتياجات الناس لا احتياجات الاحتكارات. لكن فك الارتباط ليس انعزالاً. إنه "فك ارتباط انتقائي" و"ارتباط انتقائي" — علاقة جدلية نشطة مع النظام العالمي، تقطع فيها ما يجب قطعه، وتبني فيه ما يمكن بناؤه.



ثالثاً: من يمكن أن يشكل البديل؟ ثلاث قوى، وثلاثة قيود

التحالف الممكن لمواجهة الهيمنة يضم: محور المقاومة (إيران، حكومة اليمن في صنعاء ، وباقي مقاومات المحور في العراق ولبنان وغزة )، الصين، روسيا. لكن هذا التحالف يعاني من قيود بنيوية:

الصين هي الدولة الوحيدة التي لديها "مشروع سيادي" حقيقي: تحافظ على سيطرة الدولة على النظام المصرفي، واستقلال العملة، وترفض الخضوع الكامل لمنطق القيمة العالمي. لكنها ليست اشتراكية؛ إنها "اقتصاد سوق اشتراكي" في مرحلة انتقالية. نجاحها في فك الارتباط استراتيجي، وليس تحولاً اشتراكياً.

روسيا تقوم بـ"فك ارتباط رد الفعل" مدفوعاً بالعقوبات الغربية، وليس بمبادرة استراتيجية. خطرها هو الهروب من الاعتماد على الغرب والسقوط في اعتماد جديد على الصين بينما المطلوب بعد تكاملي صيني روسي . البديل الحقيقي في روسيا لم يتشكل بعد.

محور المقاومة يمثل محاولة "فك الارتباط"، ورفض الخضوع الكامل للقانون العالمي للقيمة. لكن شرعيته تأتي من التأويل الديني، وليس من عقد اجتماعي مفتوح، وهذا يقيد قدرته على أن يصبح "مركزاً حضارياً جديداً". مقاومات المحور جزء من النضال المناهض للهيمنة، لكنهم غالباً محصورون في أشكال قديمة من السلطة.

الخلاصة: هذا التحالف يمكنه تقويض الهيمنة، لكنه لا يستطيع تلقائياً إنشاء بديل عادل. فك الارتباط بدونه سيؤدي فقط إلى إعادة ترتيب الهيمنة، وليس إنهاءها.



رابعاً: البُعد المنسي — الضغط من داخل أمريكا نفسها

هنا يأتي العنصر الذي قد يغفله كثير من التحليلات الجيوسياسية: اليساريون الديمقراطيون الذين فازوا في هذه الانتخابات. عبد الرحمن السيد في ميشيغان ليس مجرد "ديمقراطي فاز بمقعد"؛ إنه مرشح انتقد بشدة الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، ووصف ما يحدث في غزة بأنه "إبادة جماعية". فوزه — رغم أن النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز أعلنت دعمها للمرشح الجمهوري — يشير إلى أن هناك قاعدة انتخابية أمريكية تتحرك ضد السياسة الخارجية الإمبريالية وهذا ما يرعب ترامب وماسك .

جيمس تالاريكو في تكساس، وآدم هاميلتون في كانساس، وآني أندروز في كارولاينا الجنوبية — هؤلاء ليسوا مجرد ديمقراطيين، بل ينتمون إلى تيار يساري داخل الحزب يعارض الحرب والاحتكارات ويطرح خطاباً اقتصادياً شعبياً. فوزهم في ولايات "محافظة" تقليدياً يشير إلى أن الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب الإمبريالية تخلق فضاءً لخطاب يساري مناهض للإمبريالية داخل أمريكا نفسها. وهذا يضيف مع عبد الرحمن السيد بعدا مخيفا أمام الاحتكارات المالية الحاكمة في الولايات المتحدة .

هذا ليس مفاجئاً. الأزمة الاقتصادية التي تخلقها الهيمنة — ارتفاع أسعار النفط، التضخم، تآكل الأجور — تخلق في الوقت نفسه شروطاً لصعود قوى سياسية تعارض الهيمنة من الداخل. المهمة هي ربط هذا الصعود الداخلي بالنضال العالمي ضد الهيمنة — وليس الاحتفال به بمعزل عن سياقه.



خامساً: كيف نبني على هذه اللحظة؟

هزيمة ترامب تفتح ثلاث نوافذ، لكنها لا تضمن أي شيء:

النافذة الأولى: إضعاف قدرة الهيمنة على التصعيد. الكونغرس الديمقراطي سيقيّد قدرة ترامب على شن حروب جديدة أو تمرير تعيينات قضائية تخدم الأجندة الاحتكارية. هذا لا يعني أن الديمقراطيين "أصدقاء"، لكنه يعني أن آلة الحرب ستعمل بسرعة أقل، وهذا يمنح قوى المقاومة مساحة أكبر للمناورة.

النافذة الثانية: تعميق التناقض الداخلي. مع سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، ستظهر التحقيقات حول العدوان على إيران، وتكاليفها، وعلاقة ترامب بمموليه. هذا لا "يحاسب" الهيمنة، لكنه يفضحها، ويخلق وعياً شعبياً أكبر بالتكاليف الحقيقية للحرب.

النافذة الثالثة: بناء الروابط بين الداخل الأمريكي والخارج. اليساريون الديمقراطيون الذين فازوا يمكن أن يكونوا جسراً بين النضال الداخلي ضد الحرب والاحتكارات، وبين قوى المقاومة في الجنوب العالمي. هذا لا يعني "تحالفاً"، بل يعني تقاطعاً في المصالح: كلاهما يريد إنهاء الحروب، وكلاهما يريد تقليص سلطة الاحتكارات.


لحظة انكشاف، لا لحظة نصر

هزيمة ترامب أمر جيد، لكن لا تفرحوا كثيراً. محور المقاومة والصين وروسيا يستحقون التعاطف، لكنهم ليسوا الخلاص. الطريق لا يزال طويلاً، والمفتاح هو ما إذا كان بإمكانكم بناء شيء أفضل من النظام القديم — اقتصاد يخدم الناس لا الاحتكارات، سياسة تقوم على العقد الاجتماعي لا على الخوف، وتحالف عالمي يقطع فعلاً مع منطق الهيمنة. فك الارتباط لا يكتمل إلا عندما تصبح هذه القوى قادرة على تقديم نموذج حياة أفضل، وليس فقط إلحاق الضرر بالعدو.

الهزيمة المدوية لترامب وماسك ليست نهاية التاريخ. إنها لحظة انكشاف. والسؤال ليس "من هزم من"، بل "ماذا نبني الآن".



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يخشى ترامب ونيتنياهو النزول إلى حرب أو ساحة المواجهة م ...
- دفتر حسابات ترامب الحربي وانهيار أسهم الذكاء الاصطناعي في وو ...
- النفط كسلاح استراتيجي: قراءة في عتبة المئة والعشرين إلى المئ ...
- نجيب محفوظ — السكين التي سبقتها الفتوى
- مصطفى العقاد — الإسلام الذي لا يمر عبر فتوى اسلام المحميات ا ...
- كيف تُدير أوروبا تناقضَها بين محاربة الإسلام التكفيري والتعا ...
- حكايات الانهيار والصعود من دمشق إلى باب المندب ..كتيب 13 مقا ...
- شرايين رقمية في العتمة كيف تُكتب حدود العالم تحت سطح الماء( ...
- المعلمُ الذي علّمَ الشعرَ: في أهمية المعلم الشيوعي
- سُقُوطُ الأَقْنِعَةِ النِّيُولِيبْرَالِيَّةِ .. فَلْسَفَةُ ا ...
- كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافي ...
- تحالف وهابية العدو السعودي والإمبريالية الأمريكية
- الدومينو يبدأ من بروكسل وباريس : حين يكتب محور المقاومة بداي ...
- كيف صاغ الاستشراق البنية التكفيرية الحديثة؟
- المنظومة التي لا تُرى: كيف تتشابك الثروة والعنف والسيادة في ...
- سقوط الشرعية الإقليمية… من تفكك النفوذ إلى صعود الشعوب
- مقارنة بين إعلام صنعاء والإعلام الخليجي الخادم للإمبريالية ا ...
- غزة: الإبادة كرسالة طبقية من النظام الرأسمالي العالمي
- نصف مليون ضحية: اليمن بين قصف العدو السعودي والجوع والصمت ال ...
- بين خنادق -العيديد العسكرية- وشاشات -العيديد الإعلامية-: قرا ...


المزيد.....




- حاكم فلوريدا عن نتائج انتخابات التجديد النصفي: -تهديد للوجود ...
- متحدث خارجية إيران يعلق ويبيّن معنى نتائج الانتخابات النصفية ...
- ترامب ينتقد مجلس الشيوخ لتأخيره إقرار إلغاء تغيير التوقيت
- الشماتة الإيرانية قد تدفع ترامب لاستئناف الحرب
- إعصار يضرب البرازيل ويتسبب بدمار هائل في مطار شابيكو
- ترامب تحت الضغط لإطالة حصار إيران بحريا
- موسكو تحذر أوروبا من إطلاق عمل عسكري في البحر الأسود
- تقرير اتحاد شركات الطيران العربية يتوقع خسارة صافية بـ3.82 م ...
- السيناتور مارك كيلي: هيغسيث -يجب أن يرحل-
- لغز الألم.. ماذا يحدث في أجسامنا ولماذا نشعر بالمعاناة؟


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - من صندوق الاقتراع إلى المضيق: قراءة متأنية في هزيمة ترامب وما بعدها