|
|
تفويض السماء وثورة العمائم الصفراء
عضيد جواد الخميسي
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 16:47
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
على مر التاريخ ولكي تحظى أي حكومة بالاحترام والولاء، لا بد أن تتمتع بنوع من الشرعية التي يعترف بها شعبها . وقد اعتمدت أنظمة الحكم على نماذج متنوعة لإرساء هذه الشرعية؛ منها نموذج التوريث ، حيث ينتقل العرش إلى ابن الحاكم أو أحد أقاربه المقربين، ليُورَّث بعد ذلك إلى الأجيال التالية. وغالباً ما يقترن هذا النموذج بمفهوم "الحق الإلهي" للحاكم، إذ يُعتقد أن الإله (أو مجموعة آلهة) قد اختارت هذا الشخص ليتولى السلطة وفقاً لإرادتها. وفي الصين القديمة، استندت شرعية الحكم إلى مزيج من هذه العناصر، مع إيلاء الأولوية القصوى للإرادة الإلهية. فلا تُعتبر السلالة الحاكمة عادلة وجديرة بالحكم إلا إذا امتثلت لتلك الإرادة ، والتي كانت تتجلى بوضوح في مدى اهتمام الحكومة بشؤون الشعب. تمثلت تلك المشيئة أو الإرادة الإلهية في الصين بما عُرف بـ " تفويض السماء The Mandate of Heaven"؛ وهو بمثابة عقد بين الإله والحاكم يمنحه الحق في ممارسة السلطة. فإذا أظهرت الأسرة الحاكمة علامات واضحة على أنها لم تعد تضع مصلحة الشعب على رأس أولوياتها؛ فسوف يُنظر إليها بأنها ليست مؤهلة لهذا التفويض، مما يفسح المجال أمام سلالة أخرى لتولي الحكم . ورغم أن هذا النهج في إضفاء الشرعية كان يبدو متماسكاً من الناحية الفلسفية، إلا أن التعقيدات كانت تظهر حين تدّعي أكثر من أسرة حاكمة (أو دولة) امتلاكها لهذا التفويض في نفس الوقت . فكيف يمكن إثبات أن طرفاً بعينه يعمل حقاً لصالح الشعب، في حين يقدم طرف آخر أدلةً تدّعي قيامه بالأمر ذاته ؟ في عام 184 ميلادي، وخلال فترة أفول أسرة "هان Han" (عام 206 قبل الميلاد- 220 ميلادي)، أدت هذه الظروف إلى اندلاع انتفاضات شعبية عُرفت بـ "ثورة العمائم الصفراء"؛ وهي ثورة خلفت آلاف القتلى ودماراً واسعاً مسببة انهياراً في النظام السياسي ، حتى ظهرت حقبة "الممالك الثلاث" التي استمرت في الصراعات ذاتها . وقد أدت الخلافات حول مفهوم ( تفويض السماء) إلى تمزق البلاد، واستمر هذا الانقسام حتى توحيدها عام 280 ميلادي في ظل أسرة "جين Jin" (التي شهدت في بداياتها تصدعاً بسبب "حرب الأمراء الثمانية" حول مسألة خلافة العرش)؛ ولم يتحقق الاستقرار إلا مع صعود أسرة " ليو سونگ Liu Song "عام 420 ميلادي .
تفويض السماء The Mandate of Heaven يعود مفهوم "تفويض السماء" إلى عهد سلالة "چو Zhou " ( عام 1046 ـ 256 قبل الميلاد) وإلى ملكها الأول "وو Wu" (عام 1046 ـ 1043 قبل الميلاد). وقبل سلالة چو، كانت الصين تحت حكم سلالة "شانگ Shang" ( عام 1600 ـ 1046 قبل الميلاد) . وتقول الأساطير إن ملكاً من سلالة "شانگ " قتل الأخ الأكبر للملك "وو"؛ لذا طالب "وو" وأسرته بالعدالة، معتبرين أن هذا القتل كان دون حق . غير أن أسرة "شانگ " كانت هي الحاكمة، وكان يُعتقد أنها تستمد سلطتها من إرادة الإله "شانگتي Shangti" ( الإله الأسمى للخلق والقانون والنظام والعدالة ) مما جعلها في منأى عن المسائلة أو التغيير. ولتبرير التحرك ضد أسرة "شانگ"، كان لزاماً على "وو" ووالده "وين Wen" (وبقية أفراد العائلة) إيجاد قواعد جديدة للشرعية ؛ يثبت أن حكام "شانگ" كانوا طغاة ظالمين لا يستحقون الحكم . ومن هنا نشأ مفهوم "تفويض السماء". ولأن "شانگتي" كان الإله الأكثر قداسة في ذلك العصر، فقد كان من الصعب استبعاده؛ لذا ادعت سلالة "چو" وجود جانب لم يكن معروفاً من قبل في علاقة "شانگتي" مع سلالة "شانگ"، وهو أن الإله كان قد أبرم عقداً مع حكام الصين، يظل سارياً طالما التزم الحكام ببنود هذا العقد. وبما أن سلالة "شانگ" قد نكثت عهدها مع الإله "شانگتي" من خلال ممارساتها الظالمة وطغيانها، فقد سحب الإله "شانگتي" منها "تفويض السماء" ومنحه لسلالة "چو".
نجحت سلالة "چو" في الإطاحة بسلالة "شانگ" وأرست نظاماً سياسياً جديداً. ونظراً لاتساع رقعة أراضيها، اتجهت نحو اللامركزية خلال ما يُعرف بـ "فترة الربيع والخريف" (عام 772-476 قبل الميلاد)، مما أدى إلى تراجع تدريجي في نفوذها. ومع تقلص حجم سلطتها، ساد الاعتقاد بأنها فقدت "تفويض السماء"؛ فظهرت سبع دول مستقلة ادعت كل منها أحقيتها بهذا التفويض ، وذلك خلال "فترة الممالك المتحاربة" (عام 476-221 قبل الميلاد). كما سعى كل طرف من هذه الأطراف إلى إثبات أن سلالة"چو" قد فقدت "التفويض السماوي" (الذي أصبح الآن من حقهم هم) وذلك من خلال إثبات جدارتهم في ساحات المعارك، بيد أنه لم يتمكن أي منهم من التفوق على غيره من الأطراف . وبالتالي، تمكنت دولة "چين" من الإطاحة بحكام بقية الدول وتوحيد الصين عبر تبنّي سياسة "الحرب الشاملة"، متجاهلةً بذلك القواعد المتعارف عليها في القتال والشرف العسكري؛ وبذلك أصبح "شي هوانگدي Shi Huangdi" (عام 221–210 قبل الميلاد) أول إمبراطور للصين . واتسمت إمبراطورية "چين" بقسوتها المفرطة وأساليبها القمعية؛ لذا، ورغم اعتقاد الكثيرين بأن سلالة"چين" لم تكن تمتلك "التفويض السماوي" من الأساس، إلا أنه لم تكن هناك أي وسيلة للإطاحة بها طالما بقي"شي هوانگدي" على قيد الحياة . وبعد وفاته عام 210 قبل الميلاد ؛عادت البلاد لتشهد حروباً أهلية، بلغت ذروتها في الصراع المعروف بـ "معركة چو- هان "Chu-Han بين دولتي "چو" و"هان"؛ حيث انتهى الأمر بانتصار دولة "هان"، التي أدت إلى صعود سلالة "هان" للحكم .
تراجع سلالة هان تُعد سلالة هان واحدة من أشهر السلالات الحاكمة في الصين القديمة، وذلك بفضل ما شهدته من تطورات صناعية وتقنية، وافتتاح طريق الحرير، وازدهار الفنون، والتشجيع العام على الرقي الثقافي والروحي . غير أنه في أواخر عهدها، تفشى الفساد في أجهزة الدولة لدرجة بات معها بإمكان الأشخاص شراء مناصبهم بدلاً من نيلها وفق النزاهة والكفاءة . وما زاد من تعقيد مشكلات الحكومة ؛ أن السلطة الفعلية لم تعد في يد الإمبراطور الصيني، بل انتقلت إلى "خصيان القصر" . وكان وجود الخصيان معروف منذ عهود سابقة، حيث عملوا كحراس لجناح النساء (الحريم) في القصر، غير أن نفوذهم اتسع خلال عهد سلالة هان ليشمل حتى الحياة السياسية. وفي هذا الصدد، يوضح البروفيسور جاستن وينتل ذلك : " كان اتخاذ المحظيات ووجود الخصيان أمراً شائعاً في العالم القديم . فقد رغب كل ملك في إنجاب ولد يخلفه، وما من وسيلة لضمان انتقال الحكم عبر مولود ذكر أفضل من تعدد الزوجات . وكلما توسّع جناح النساء في القصر، زادت احتمالية حدوث الحمل الغير شرعي وخارج نطاق الزواج الملكي . وبالتالي ؛ فلم يكن أمام الحاكم أو الملك سوى الاستعانة بالخصيان لمراقبة سلوك المحظيات والإشراف عليهن، ليضمن بذلك نقاء النسب مصوناً ". (ص104)
تنامت سلطة الخصيان، فتحولوا من حراس لجناح النساء إلى مستشارين في البلاط الملكي؛ إذ بدأ حكام سلالة هان يعتمدون عليهم بشكل كبير، متخذين منهم درعاً يحميهم من الفصائل السياسية المتنافسة على القصر وتولي العرش . وكان بمقدور الحاكم أو الملك توظيف خصيٍّ يثق به للقيام بمهام التجسس أو حتى الاغتيال، كما كان بوسع هؤلاء الخصيان (في الحياة اليومية) عرقلة أو تأجيل المطالب السياسية والالتماسات الأخرى، مما يمنح الإمبراطور قدراً من الاطمئنان والخصوصية. وخلال عهد الإمبراطور "لينگدي" (عام 168ـ189 ميلادي)، أصبح الخصيان هم القوة الحقيقية الكامنة وراء العرش، وهو ما تجسد في مجموعة عُرفت بـ "الخصيان العشرة" (أو المرافقون العشرة)، الذين كانوا بمثابة المستشارين والمقربين الموثوقين للإمبراطور.
ثورة العمائم الصفراء طالما كان الخصيان والبلاط منشغلين بألاعيبهم السياسية، كان عامة الشعب في الصين يعانون الأمرّين . ففي وقت مبكر يعود إلى عام 142ميلادي، تجلى استياء الناس من حكومتهم في "ثورة الخمس مكاييل من الأرز" (وتُعرف أيضاً بـ طريق الخمس مكاييل من الأرز؛ حيث كان على كل من يرغب في الانضمام تقديم تبرع قدره خمسة مكاييل من الأرز)، بقيادة "تشانگ داولينگ"، وهو شخصية طاوية ذات رؤية. أسس "تشانگ" دولة ثيوقراطية (دينية) في وادي "هانزونگ " متحدياً الحكومة، زاعماً أن الإمبراطور قد فقد "تفويض السماء"، وأن "تشانگ" وأتباعه قد انفصلوا فعلياً عن الصين . لم تتخذ الحكومة أي إجراء ضد "تشانگ" أو ما كان يدعيه ، ولم يُحسم هذا الوضع إلا عندما أطاح أمير الحرب "تساو تساو" بتلك الدولة المستقلة حوالي عام 215 ميلادي . كما شجع هذا الأمر شخصية طاوية أخرى، وهو "تشانگ چو" (المعروف أيضاً باسم "تشانچ جياو"، الذي لا تربطه صلة قرابة بـ تشانگ داولينگ)، على المضي قدماً في هذه المزاعم عبر إعلان ثورة شاملة عُرفت بـ "ثورة العمائم الصفراء" (وتُسمى أيضاً ثورة الأوشحة الصفراء نسبةً إلى لون غطاء الرأس الذي ارتداه الثوار) . وكان "تشانگ" وشقيقاه ("تشانگ باو" و"تشانگ ليانگ ") من المعالجين الطاويين الذين كانوا يقدمون العلاج للمرضى مجاناً، نظراً لافتقار الفلاحين إلى الموارد المادية. وقد شهدوا يوماً بعد يوم بؤس الشعب في ظل تقاعس الحكومة عن تقديم أي معونة له ؛ ومن هنا بادر "تشانگ" الذي كان يتمتع بشخصية كاريزمية قيادية للقيام بانتفاضة محلية سرعان ما تحولت إلى ثورة شملت أرجاء البلاد . كان السبب الرئيسي لنشوب ثورة "العمائم الصفراء" هو فقدان أسرة هان لتفويض السماء ، وهو ما تجلى بوضوح في فساد القصر ومعاناة الشعب. وزعم قادة الثورة في أن حكومة "هان" لم تعد تعمل إلا لمصلحتها الخاصة، وبالتالي أصبح من الحق والشرع الإطاحة بها. وأشاروا إلى أن أسرة هان عند وصولها إلى السلطة لأول مرة ربطت نفسها بـ "تيان" (السماء) وباللون الأزرق، ثم مع تزايد تفاعلها مع الشعب ربطت نفسها مع "الأرض" وباللون الأصفر؛ بينما بحلول عام 184 ميلادي ربطت نفسها بـ "النار" وباللون الأحمر. ولم يتضح السبب الذي دفع أسرة هان لاتخاذ هذا الإجراء، لكنه كان بالنسبة لثوار العمائم الصفراء دليلاً قاطعاً على خيانة الحكام للشعب، وفقدانهم لـ "التفويض" (الشرعية). استند الثائرون إلى المبدأ الروحي المعروف بـ "جياجي" (jiazhi) أي "القيمة" أو "الاستحقاق"؛ وهو المعنى الجوهري والأساسي لأي فرد أو فعل . فـ "قيمة" المرء تكمن في ذاته كإنسان بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى تتعلق بما يقدمه للمجتمع . حيث أن كل حياة تحمل قيمة جوهرية إلهية، وكل فعل يصدر عن هذا الفرد يكتسب جزءاً من تلك القيمة. وبالتالي، فإن كل فرد هو كائن ثمين وفريد، ويستحق أن يُعامل باحترام وكرامة. أما أباطرة هان الذين مالوا إلى الطاوية كان تبنيهم لهذا المفهوم بقي مجرد شعار نظري دون تطبيق حقيقي؛ حيث انشغلوا بدلاً من ذلك بالدسائس والمؤامرات والتجارة المربحة. كما أعادت ثورة "العمائم الصفراء" توجيه اهتمام الحكومة نحو الشعب الذي كان من المفترض أن ترعاه وتؤمن معيشته .
القمع والصراع اكتسبت الثورة زخماً سريعاً مع انتشار مبدأ "چانگ چو" الذي يدعو إلى الاعتراف بالقيمة الجوهرية للفلاحين . حيث وجد " چانگ" وشقيقاه أنصاراً متحمسين من بين مرضاهم، الذين نقلوا بدورهم أفكار ومبادئ الثورة إلى الآخرين، مروجين لها من خلال شعار بقصيدة شعرية مطلعها : السماء الزرقاء قد غربت، والسماء الصفراء سوف تشرق في هذه السنة من "جياجي" سيعمّ الرخاء تحت أديم السماء كان المقصود بعبارة "تحت أديم السماء" هو الصين، بينما ترمز السماء الزرقاء إلى سلالة هان، والسماء الصفراء إلى أصحاب العمائم الصفراء ، وجياجي هو المبدأ الروحي للثورة . وقد أعلن چانگ على فرض المساواة بين جميع الناس، مؤكداً أن ذلك سوف يجلب للبلاد "سلام عظيم" ، حيث يتقاسم الشعب الثروة ولا يُحرم أحدٌ من الطعام أو المأوى . وبينما هو يدعو إلى "سلام عظيم"، كان في الوقت نفسه يحشّد الشعب لخوض كفاح مسلح لانتزاع هذا السلام بالقوة ؛ فقد كان يدرك (وهو محقٌ في ذلك) أن السلطة الحاكمة سوف لن تمنحه طواعية. تحركت أسرة هان بسرعة لقمع الثورة ، لكن مواردها كانت حينها مشتتة ومحدودة بسبب الفساد المستشري في نواحي البلاد؛ فقد اضطرت بسبب غزوات القبائل البدوية "شيانبي" و"شيونگنو" إلى تعزيز الحصون والقلاع الحدودية بقوات يقودها حكامٌ إقليميون، وهؤلاء هم أنفسهم من تم استدعاؤهم سريعاً لمواجهة المد الثوري . وبينما كانت اسرة هان تحشد قواتها ، كان الثوار يتزايدون ويتسع انتشارهم يوماً بعد يوم؛ فقد ظهرت معاقل ثورية لأصحاب العمائم الصفراء في جميع أنحاء الصين، كما عظُمت صفوفهم لتصل إلى الآلاف، ثم عشرات الآلاف من الثوار . كان من بين أوائل القادة الذين أرسلتهم اسرة هان لمواجهة الثوار؛ "هوانگفو سونگ"، و"لو چي" ، و"چو جن" ، الذين أجهضوا الثورة في النهاية من خلال القتل والتنكيل والقسوة الأشد في غضون عام واحد بأوامر القائد الأعلى "تساو تساو" ، وهو العام الذي شهد أيضاً وفاة قائد الثورة "چانگ چو". ومن الأسباب التي مكنت "تساو تساو" من امتلاك تلك القوة، يعود الى أن أحد مستشاري القصر والقادة العسكريين يدعى "ليو يان" ، الذي كان قد أقنع الإمبراطور "لينگدي" بالتخلي عن سلطته المباشرة على الحكام العسكريين وأقاليمهم، والسماح لكلٍ منهم بالتصرف وفقاً لظروف منطقته المسؤول عنها. ولإتساع نطاق الثورة وتعدد أشكال المقاومة فيها، كان من الأجدى ترك حرية التصرف لقادة المناطق بدلاً من فرض أوامر إمبراطورية موحدة على الجميع. وقد عنت هذه الخطوة منح حكام أو قادة المناطق حرية اتخاذ القرارات واستقلالية شبه تامة عن الإمبراطور، وعلى الرغم من عدم رضاه، وافق الإمبراطور لينگدي في النهاية على الخطة .
صعود الممالك الثلاث توفي الإمبراطور "لينگدي" عام 189 ميلادي، وخلفه ولي العهد "ليو بيان" الذي كان يبلغ من العمر نحو 12 عاماً ليصبح الإمبراطور "شاو" من أسرة هان . ونظراً لصغر سنه، عُيّن خاله "هي جن" وصياً على العرش. وكان "هي جن" أخاً غير شقيق للإمبراطورة "هي" ، وكان يشعر باستياء بالغ من النفوذ الكبير الذي يتمتع به خصيان القصر في شؤون البلاط والسياسة. لذا، فقد تواصل مع اثنين من أقوى أمراء الحرب، وهما "دونگ چو" و"يوان شاو" ،طالباً منهما القدوم بكامل قواتهما إلى "لويانگ" عاصمة أسرة هان، لدعمه في القضاء على "المرافقين العشرة" (مجموعة من الخصيان الاقوياء) وتطهير القصر منهم . لكن الخصيان علموا بخطته، فدبّروا مؤامرة لقتله.
عند وصوله، وجد "يوان شاو" أن "هي جين" خال الملك قد قُتل، فانتقم له عبر القضاء على المرافقين العشرة وقتل بقية الخصيان وأعوانهم. وفي تلك الأثناء، كان الإمبراطور "شاو" وشقيقه الأصغر "ليو شيه" قد فرا من المذبحة التي وقعت في القصر، وكانا في طريقهما للبحث عن ملاذ آمن برفقة حاشيتهما وأفراد عائلتهما، وذلك بالتزامن مع زحف " دونگ چو" نحو "لويانگ". وقد عثر "دونگ چو" عليهما وأعادهما إلى المدينة، وتمكن بذلك من فرض سيطرته المطلقة؛ إذ أصبح الإمبراطور وشقيقه تحت قبضته، بالإضافة إلى استحواذه على الختم الإمبراطوري . وبعد فترة وجيزة، ولتفضيله الأخ الأصغر، أمر "دونگ چو" بقتل الإمبراطور "شاو" ونَصّب مكانه شقيقه "ليو شيه"، الذي اتخذ لنفسه لقب الإمبراطور "شيان" (توفي عام 234 ميلادي)، وآخر أباطرة أسرة هان . يصف المؤرخون الصينيون اللاحقون "دونگ چو" بأنه كان طاغية قاسياً ومستغرقاً في ملذاته، بيد أنه لا بد قد امتلك بعض الصفات الحسنة ، بدليل الولاء الشديد الذي أبداه جيشه تجاهه. حيث بقي على رأس السلطة يملي سياساته على الإمبراطور الفتى "شيان"، إلى أن اغتاله "لو بو" الذي كان مقرباً منه جداً وحارساً شخصياً له وقائداً عسكرياً وذلك في عام 192 ميلادي .
لقد أدى الاتفاق الذي أبرمه "ليو يان" سابقاً مع الإمبراطور "لينگدي" إلى وضعٍ أصبح فيه أي حاكم إقليمي أو قائد عسكري ممن يمتلكون الموارد الكافية والكاريزما بمثابة حاكمٍ لدولة مستقلة فعلياً. وبعد وفاة "دونگ چو"، خاض القادة مثل "ليو باي" ، و"سون چوان" ، و"تساو تساو" صراعاتٍ فيما بينهم؛ سعياً لإثبات أنهم يحظون بـ "تفويض السماء" وأنهم المختارون لحكم الصين بأكملها. وكان "تساو تساو" أقواهم؛ إذ سيطر على شمال الصين بالكامل، ثم زحف جنوباً للسيطرة على بقية الأراضي وتوحيد البلاد تحت حكمه في عام 208 ميلادي . غير أنه مُني بالهزيمة في "معركة الجرف الأحمر" (عام 208 ميلادي)، واضطر للانسحاب شمالاً بعد تكبده خسائر فادحة. وفي أعقاب ذلك، انقسمت الصين إلى ثلاث ممالك؛ "تساو وي" (بقيادة تساو تساو)، و"وو الشرقية" (بقيادة سون چوان)، و"شو هان" (بقيادة ليو باي). واستمرت هذه الممالك الثلاث في حالة من التوتر الدائم تقريباً، إلى أن توحدت الصين مجدداً في ظل "سلالة جين" (عام 266–420 ميلادي)؛ التي ادعت امتلاكها "تفويض السماء" استناداً إلى إنجازها في توحيد البلاد عبر الحملات العسكرية، تماماً كما فعلت "سلالة چين" قبل ذلك بقرون .
تأسست سلالة جين على يد أسرة "سيما"، حين أجبر "سيما يان" أول أباطرتها حكومة "تساو وي" على التنازل عن السلطة، ليحكم سيطرته على الممالك الثلاث ويوّحدها تحت حكمه؛ وبذلك أثبت امتلاكه "تفويض السماء" من خلال استعادته مقاليد الحكم . كما سعت سلالة جين إلى تحقيق الاستقرار في البلاد، لكنها تصدعت بفعل صراع على خلافة العرش عُرف بـ "حرب الأمراء الثمانية" (عام 291-306 ميلادي) عقب وفاة "سيما يان"، مما أدى إلى انقسامها إلى "جين الغربية" (عام 266-316 ميلادي) و"جين الشرقية" (عام 317-420 ميلادي). وعندما ناضلت "جين الشرقية" للحفاظ على سيطرتها، تفككت البلاد مجدداً خلال "فترة الممالك الست عشرة"، ولم تُوحَّد من جديد إلا على يد سلالة "ليو سونگ" (عام 420-479 ميلادي)، التي ادعت هي الأخرى امتلاك "تفويض السماء" مستندةً إلى المبرر ذاته الذي استخدمته سلالة جين من قبل .
بالرغم من المثالية التي يزخر بها مفهوم "تفويض السماء"، إلا أن الملوك والطامعين استغلوه كذريعة لخدمة أهدافهم في السلطة ، وغالباً ما كان ذلك على حساب عامة الشعب. فالحكومة كيانٌ حي وهدفها الأسمى هو الحفاظ على بقائها. ولما كانت خدمة الشعب تحقق هذا الهدف ، كان من مصلحة الحكومة رعاية شعبها وتلبية مطالبه . غير أن مفهوم "خدمة الشعب" يمكن تفسيره بطرق شتى؛ وذلك عندما تركز الحكومة مثلاً في سياستها فقط على إدارة الأراضي، أو الصحة، أو إعادة توزيع الثروات، أو توفير فرص العمل . ولم يكن هناك تعريفاً محدداً لمصطلح "خدمة الشعب"، حيث استمر الفلاحون وهم الفئة الأكثر تأثراً بتلك السياسات ؛ بلا صوت للمشاركة في صياغة هذا التعريف .
لقد كانت "ثورة العمائم الصفراء" الحركة السياسية الوحيدة على مستوى البلاد التي انطلقت من الشعب ولأجل الشعب، لكن القوى التي ادعت امتلاك "تفويض السماء" سارعت إلى سحقها و تفكيكها في غضون عام واحد. ولم تكن سلالتا "جين" اللاحقة و"ليو سونگ" اللتان ادعتا امتلاك "تفويض السماء" أفضل حالاً من أسرة "هان" أو أيٍّ من الممالك الثلاث؛ فكل ما في الأمر أنهما استطاعتا اطلاق الوعود الأكثر إقناعاً في ذلك الوقت ، مثلما كان الحال مع السلالات الحاكمة السابقة التي رسمت سياساتها بمساندة ودعم من قادة الجيوش والموالين لحكمها، بناءً على هدف في أن لا تضع نصب أعينها تحقيق المصلحة العليا للشعب في إرساء الأمن والاستقرار والمساواة والرفاهية ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ترينتون كامبل ـ آلهة وإلهات الصين القديمة ـ الناشر: روزن للخدمات التعليمية ـ 2014 . پاتريشيا باكلي إيبري ـ تاريخ الصين ـ طباعة جامعة كامبريدج ـ 2010 . جين فانگ ـ الممالك الثلاث في الصين القديمة ـ منصة كرييت سپيس المستقلة للنشر ـ 2016 . جون كي ـ الصين: تاريخ ـ بيسيك بوكس للنشر ـ 2011 . گوردون كير ـ تاريخ موجز للصين ـ نو إكزيت پرس ـ 2013 . چيان سيما ـ سجلات المؤرخ الكبير: سلالة چين ـ طباعة جامعة كولومبيا ـ 1996 . جاستن وينتل ـ التسلسل الزمني لتاريخ الصين ـ بارنز ونوبل للكتاب ـ 2005 .
#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيش أول مدينة ذات مكانة سياسية بارزة في التاريخ
-
سيّد الرقص الإله الهندوسي شيڤا ناتاراجا
-
- كوه نور - أكبر ماسة في العالم
-
الحورية كاليپسو وأسيرها أوديسيوس
-
چارڤاكا الفلسفة الهندية القديمة عن المتعة
-
أقدم نص من بلاد الرافدين عن الطوفان العظيم
-
نانشي المتفانية إلهة الفقراء والمحتاجين السومرية
-
إنكي إله الحكمة السومري الماكر
-
إنليل حارس ألواح القدر في بلاد الرافدين
-
من قصص الآلهة ـ آنو أبو الآلهة في بلاد الرافدين
-
أوتو- شمش إله الشمس والعدالة عند السومريين
-
نانا إله القمر والحكمة في بلاد الرافدين
-
الشرق الأدنى مصطلح جديد لأرض قديمة
-
أدب بلاد الرافدين من أقدم أعمال الخيال
-
بابل بوابة الآلهة
-
كاليگولا الامبراطور المجنون !
-
بلاد سومر في التأريخ
-
حفلة الرجال المحترقين
-
السلالات المبكرة في بلاد الرافدين
-
أعمال السحر عند الإغريق والرومان
المزيد.....
-
جنوب إفريقيا.. هزيمة تاريخية لحزب نيلسون مانديلا في الانتخاب
...
-
الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية المغربي يجدد تضامنه مع
...
-
سرقة أدوية لعلاج مرضى الأورام من مستشفى جمال عبد الناصر بالإ
...
-
India in the Mediterranean
-
The Financial and Political Crisis in Paraguay: Yet Another
...
-
بسبب -إصابات المتظاهرين-.. فريق قانوني يعتزم ملاحقة وزير داخ
...
-
محامون يلاحقون وزير الداخلية الفرنسي قضائياً بتهمة استخدام ا
...
-
Hidden in Plain Sight: The Politics Behind the Art You Alrea
...
-
The Democratic Party Has to Prove That They Intend to Delive
...
-
The U.S. Midterm Elections and the World
المزيد.....
-
حينما غضب النيل
/ ماهر الكرارسي
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
/ محسين الشهباني
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
المزيد.....
|