أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن عبد الحسين - ليس كل شقاءٍ طريقًا إلى الصفاء















المزيد.....

ليس كل شقاءٍ طريقًا إلى الصفاء


حسن عبد الحسين
كاتب وباحث

(Hasan Abdulhussein)


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 09:24
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن الإنسان يولد بشقاء، ويبقى دهره هكذا، أو يولد بصفاء، وربما يمضي دهره في صفائه. وبين هذين الحالين تتوزع حكايات البشر، وتتباين مصائرهم، وتختلف حظوظهم من الحياة، حتى ليخيّل إلينا أحيانًا أن الإنسان لا يختار بدايته بقدر ما يرثها، ولا يصنع ظروفه الأولى بقدر ما يُلقى في أحضانها.

كذب من قال إن الإنسان يشقى ليصفو في النهاية؛ فليس كل من أتعبته الحياة أنصفته، وليس كل من صبر على قسوتها وجد في آخر الطريق ما يعوّضه عن سنواته الضائعة. فالشقي الفقير قد يمضي عمره فقيرًا، والغني قد يظل غنيًا، ومن وُلد وفي يده ما يعينه على الحياة قد لا يعرف من قسوتها إلا ما يسمعه من الآخرين، بينما هناك من يولد وفي عنقه سلسلة من الاحتياجات، يقضي عمره كله محاولًا التخلص منها.

إنها ليست دعوة إلى اليأس، بل محاولة للنظر إلى الحياة بعيدًا عن العبارات التي اعتدنا ترديدها حتى صارت عندنا حقائق لا تقبل النقاش.

نقول للفقير: اصبر، فالغد أجمل. ونقول للمظلوم: ستأخذ الحياة حقك يومًا. ونقول للمتعب: إن بعد العسر يسرًا. لكننا نادرًا ما نسأل أنفسنا: ماذا لو لم يأتِ ذلك الغد الذي وعدناه به؟ وماذا لو انقضى عمر الإنسان وهو ينتظر عدالة لم تصل، وفرصة لم تأتِ، وبابًا ظل مغلقًا في وجهه حتى آخر أيامه؟

إن المشكلة ليست في الأمل، فالأمل ضرورة لاستمرار الإنسان، وإنما في تحويله إلى وعدٍ مضمون، وكأن الحياة مدينة لكل متعب بتعويض مؤجل، وكأن الزمن موظف عدالة يتولى إعادة توزيع الخسائر والأرباح بين البشر.

ليس الأمر كذلك دائمًا.

ثمة من يبدأ حياته في بيت تتوافر فيه أسباب التعليم والراحة والأمان، فيكبر وهو يمتلك خيارات متعددة، ويخطئ دون أن تكون أخطاؤه نهاية العالم، ويتعثر ثم يجد من يمد له يدًا تعينه على النهوض. وثمة من يبدأ حياته في مكان آخر؛ حيث تكون أبسط الاحتياجات معركة، ويكون التعليم امتيازًا، والعمل ضرورة مبكرة، والخطأ ثمنًا قد لا يستطيع دفعه.

كلاهما يعيش في العالم نفسه، لكنهما لا يعيشان الحياة ذاتها.

وهنا تتجلى واحدة من أكثر المفارقات قسوة: أننا كثيرًا ما نحاكم الناس إلى نتائجهم، وننسى أن لكل إنسان نقطة انطلاق مختلفة. نرى الناجح ولا نسأل عن المسافة التي قطعها، ونرى المتعثر ولا نعرف كم بابًا طرقه قبل أن يصل إلى عثرته. نمدح الأول على اجتهاده، ونعاتب الثاني على تقصيره، وكأن الظروف لم تكن يومًا جزءًا من الحكاية.

وليس معنى ذلك أن الإنسان مسلوب الإرادة، أو أن مصيره مكتوب بالكامل منذ ولادته؛ فهناك من يغيّر حياته، ومن ينتزع من الظروف فرصة لم تكن متاحة له، ومن يصنع لنفسه طريقًا رغم ضيق الطرق. لكن وجود هؤلاء لا يجعل قصصهم قانونًا عامًا، ولا يحق لنا أن نحول الاستثناء إلى معيار نحاكم به الجميع.

فليس كل فقير كسولًا، وليس كل غني مجتهدًا، وليس كل ناجح أكثر استحقاقًا من غيره، كما أن الفشل لا يعني بالضرورة غياب المحاولة.

إننا نخلط أحيانًا بين الاستحقاق والنتيجة، فنظن أن من وصل يستحق الوصول بالضرورة، وأن من بقي في مكانه لم يبذل ما يكفي. وهذه واحدة من أكثر الأحكام ظلمًا؛ لأن الحياة لا توزع نتائجها وفق ميزان أخلاقي دقيق، ولا تمنح كل إنسان بقدر ما يستحق من تعب أو إخلاص أو صبر.

كم من إنسان أمضى سنواته في العمل ولم يمتلك بيتًا، وكم من آخر ورث بيتًا لم يعمل من أجله يومًا. وكم من طالب أفنى عمره في الدراسة ثم عجز عن الحصول على فرصة، بينما وجد آخر طريقه مفتوحًا بفعل علاقة أو مال أو ظرف لم يصنعه بنفسه.

فأين يقع العدل في كل ذلك؟

ربما تكمن المأساة الأعمق في أن الإنسان لا يخسر الأشياء وحدها، بل يخسر معها صورته التي تخيلها لنفسه. ذلك الطفل الذي كان يظن أنه سيصبح شيئًا عظيمًا، والشاب الذي رسم لحياته مسارات كثيرة، والرجل الذي انتظر سنوات حتى يقطف ثمرة تعبه؛ جميعهم قد يجدون أنفسهم في لحظة ما أمام واقع لا يشبه أحلامهم، لا لأنهم لم يحلموا بما يكفي، بل لأن الأحلام لا تمتلك سلطة على الظروف.

ثم إن الزمن ليس منصفًا بالضرورة؛ فهو لا يعيد للشاب سنوات طفولته إذا عاشها محرومًا، ولا يمنح من فقد أمه فرصة أخرى ليجلس معها، ولا يعيد إلى الفقير شبابه إذا قضاه في العمل من أجل لقمة العيش. بعض الخسارات لا يعوّضها المال، وبعض الأعمار لا تستردها النجاحات المتأخرة.

ولذلك لا أؤمن بتلك الفكرة التي تجعل الشقاء مرحلة ضرورية تسبق الصفاء، وكأن الألم امتحان لا بد أن ينتهي بجائزة. فهناك من يخرج من ألمه أكثر قوة، وهناك من يخرج منه أكثر انكسارًا، وهناك من لا يخرج منه أصلًا. وليس من الإنصاف أن نطالب الجميع بتحويل جراحهم إلى حكم، أو أن نطلب من المكسور أن يشكر الحياة لأنها منحته تجربة.

إن للإنسان حقًا في حياة لا تكون فيها الكرامة مكافأة على الصبر، ولا الراحة جائزة بعد الاستنزاف، ولا أبسط حقوقه أمنيات مؤجلة إلى إشعار آخر.

ولعل أكثر ما ينبغي أن نعيد النظر فيه هو الطريقة التي نفسر بها مصائر الآخرين. فبدلًا من أن نسأل الفقير لماذا لم يصبح غنيًا، علينا أن نسأل عن الظروف التي جعلت الخروج من فقره بهذه الصعوبة. وبدلًا من أن نطلب من المتعب مزيدًا من الصبر، علينا أن نتساءل لماذا صار التعب شرطًا للحصول على أبسط مقومات العيش.

فليس عيبًا أن يتعب الإنسان، ولا عيبًا أن يفشل، ولا عيبًا أن يبقى في مكانه رغم محاولاته. العيب أن نختصر حياة كاملة في نتيجة واحدة، وأن نجعل من امتلاك المال دليلًا على النجاح، ومن فقدانه دليلًا على التقصير.

في النهاية، قد يتغير الإنسان، وقد تتبدل أحواله، وقد ينتقل من الشقاء إلى الصفاء، لكن ذلك ليس وعدًا تكتبه الحياة على جبين كل مولود. إنها احتمالات تتداخل فيها الإرادة والظروف والفرص والصدف، ولا يمكن اختزالها في عبارة جميلة نواسي بها بعضنا بعضًا.

ولعل الحقيقة التي يصعب علينا الاعتراف بها هي أن بعض الناس لا يحتاجون إلى مزيد من الصبر بقدر ما يحتاجون إلى حياة أقل قسوة، ولا يحتاجون إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاجون إلى فرص حقيقية، ولا يحتاجون إلى من يخبرهم أن الغد أجمل، بقدر ما يحتاجون إلى ألا يكون الغد نسخة أخرى من الأمس.

فليس كل شقاءٍ طريقًا إلى الصفاء، وليس كل صبرٍ ينتهي بالوصول، وليس كل من تأخر كان مقصرًا.

إن الإنسان لا يحتاج إلى أن يتألم كي يستحق حياة كريمة؛ فالكرامة ليست جائزة نهاية الطريق، بل حق ينبغي ألا يُحرم منه أحد منذ بدايته.



#حسن_عبد_الحسين (هاشتاغ)       Hasan_Abdulhussein#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عمر نوح يخلص .. و-طلايب- العراق ماتخلص
- الصيدلي بين التهميش والواقع
- أينما ولّى الأحرار ، فأنا معهم
- الليل حين يصبح عدوًا
- المواطن والدولار
- هذا ماجنيتُ على نفسي
- عسل اسود : قراءة في فيلم مرّ على عرضه ستة عشر عامًا
- المقهى الثقافي حين يصبح مسرحًا
- الإنسان والأحلام
- ناجيتُ قبرَكِ
- بين وجع النفس وسلطة الدواء
- سعيتُم فخُذِلتُم
- التعايش مابعد الفقد


المزيد.....




- -البوابة الحديدية-.. الجيش الأمريكي يشكل قوة مهام لمنع إيران ...
- السيسي يعقد اجتماعا طارئا مع قيادات عسكرية
- وسط انتقادات ومقاطعة .. نجل شاه إيران السابق يتسلم جائزة الح ...
- بعيداً عن ترامب.. جي دي فانس يشق طريقه لخوض سباق انتخابات 20 ...
- التضامن تحذر من صفحات مزيفة تروج لمعلومات مغلوطة عن برنامج “ ...
- وزيرة الإسكان تلتقي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وعواقل وشيوخ ...
- محافظ القليوبية يوجه بتعميم آليات جديدة لتطوير الأداء بالوحد ...
- التضامن :  فريق التدخل السريع بالإسكندرية يُعيد شاباً من ذوي ...
- لماذا تستهدف بلاغات بوجود قنابل الحركة الجوية في أوروبا؟
- ما دلالات تعيين ترامب لستيفن ميلر مديرا لمكتبه في البيت الأب ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن عبد الحسين - ليس كل شقاءٍ طريقًا إلى الصفاء