أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن عبد الحسين - التعايش مابعد الفقد














المزيد.....

التعايش مابعد الفقد


حسن عبد الحسين

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 07:22
المحور: قضايا ثقافية
    


يمرُّ الإنسان، بعد رحيل من يحب رحيلًا بلا عودة، بمراحل متباينة؛ تبدأ بالصدمة، ثم إنكار الحقيقة، فالاشتياق، ثم محاولة الاعتياد على الغياب، إلى أن يصل إلى مرحلة يعيش فيها مع الذكرى، ويواصل حياته رغم ذلك الفراغ الذي خلّفه الراحلون.
فالإنسان، منذ طفولته، يألف وجوهًا كان لها الدور الأكبر في تربيته وصقله وتشكيل ملامح شخصيته. وهذه الوجوه هي العائلة، ويمكن أن يتسع مفهوم العائلة ليشمل كل من أسهم في صناعة الإنسان، وأخذ بيده نحو أن يكون فردًا سليمًا نافعًا في المجتمع.
ولعل أبا تمام اختصر شيئًا من هذا المعنى حين قال:
فَلَوْ كَانَ يُعْمَى عَنْ عُمُومِ نَوَالِكُمْ
لَمَا عَمِيَتْ فِيكُمْ عُيُونُ الْمَصَادِرِ
هُمُ الْقَوْمُ، إِنْ قَالُوا أَصَابُوا، وَإِنْ دُعُوا
أَجَابُوا، وَإِنْ أَعْطَوْا أَطَاحُوا الْمَفَاقِرِ
إنها الوجوه التي لا تمر في حياتنا مرورًا عابرًا؛ بل تترك فينا أثرًا يتجاوز حضورها. ومع مرور السنوات، قد تفنى هذه الوجوه واحدًا تلو الآخر، ويبقى الإنسان واقفًا أمام ذاكرته، يستعيد لكل وجه موقفًا، ولكل صوت كلمة، ولكل يومٍ ذكرى.
فالسنوات التي قضاها الإنسان مع من أحب لم تكن مجرد زمنٍ مضى، بل كانت جزءًا مما أصبح عليه اليوم. شاركوه أفراحه وأحزانه، رأوه في ضعفه وقوته، وكانوا شهودًا على مراحل تكوّنه الأولى.
إلا أن طبيعة الإنسان تقف عند الحزن طويلًا؛ فربما يمر دهرٌ كامل، ويبقى يومٌ واحد أكثر رسوخًا من أعوامٍ بأكملها: يوم الفقد.
وكأن أعوامًا كاملة قد اختُصرت في يومٍ واحد؛ فما أثقل ما يفعله بنا الزمن حين يمر متخفيًا داخل يومٍ واحد.
ولذلك قال المتنبي:
وَكَيْفَ أُعَلِّلُ النَّفْسَ بَعْدَكُمُ
وَكَيْفَ يَلَذُّ لِي نَوْمٌ وَطَعَامُ
فبعض الأيام لا تنقضي بانقضاء ساعاتها؛ إذ يبقى منها شيءٌ في الذاكرة، وشيءٌ في القلب، وشيءٌ في الإنسان نفسه.
ومن هنا يبرز السؤال الأصعب:
كيف يتعايش الإنسان بعد فقد الوجوه التي ألفها، والتي كانت جزءًا من حياته؟
يختلف البشر في طريقة مواجهتهم للفقد؛ فمنهم من ينطوي على حزنه، ومنهم من يجسّده شعرًا وغناءً وبكاءً، ومنهم من يلقي بنفسه في مشاغل الحياة، محاولًا أن يجد في الانشغال وسيلةً للتخفف من وطأة الغياب. وهناك من يجد في الدين والإيمان عزاءً يرشده إلى الصبر، ويمنحه القدرة على تقبّل ما لا يستطيع تغييره.
لكن التعايش مع الفقد لا يعني أن ننسى من فقدنا، ولا أن نتظاهر بأن الغياب لم يؤلمنا، ولا أن نغلق أبواب الذاكرة.
التعايش هو أن نحمل ذلك اليوم معنا، لا بوصفه جرحًا مفتوحًا، بل بوصفه جزءًا من قصتنا.
أن نحتفظ بالذين رحلوا في ذاكرتنا، وأن نجعل من حضورهم القديم أثرًا صالحًا في حياتنا الجديدة. أن نرى عاداتهم في سلوكنا، وكلماتهم في حديثنا، وتعاليمهم في قراراتنا، وأن نواصل الأشياء الجميلة التي كانوا يحبونها.
فإذا كان من فقدنا قد ترك فينا شيئًا، فإن أجمل الوفاء له أن يبقى ذلك الشيء حيًّا.
أن نحول الذكرى إلى فعل؛ فنكون أكثر رحمة، وأكثر فهمًا للآخرين، وأكثر عونًا للمحتاج، وأكثر نفعًا للمجتمع. أن نعيش بطريقة تجعل الذين غادروا الحياة حاضرين في آثارهم، لا في صورهم وحدها.
وهنا ربما نفهم أن الفقد، على قسوته، لا يكون دائمًا نهايةً للحكاية.
فقد يكون الفقد بدايةً لمعرفة الذات، وبدايةً لرؤية الدنيا على حقيقتها؛ جميلةً حينًا، وقاسيةً حينًا آخر. يعلمنا أن الوجوه التي اعتدنا وجودها ليست باقية إلى الأبد، وأن الوقت الذي نقضيه مع من نحب هو أثمن مما ندرك.
لذلك لا يكون التعايش مع الفقد بأن نعتاد الغياب تمامًا، بل بأن نتعلم كيف نعيش ونحن نحمل من فقدنا في داخلنا.
فبعض الذين نحبهم يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادرون ما صنعوه فينا.
وربما تكون هذه هي الطريقة الأصدق لمواصلة الحياة:
أن نمضي إلى الأمام، لا تاركين الراحلين خلفنا، بل حاملين شيئًا منهم معنا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- بسبب الجرائم العنيفة.. فرض -منطقة أمنية حمراء- حول الكولوسيو ...
- جولة نادرة داخل جنوب لبنان المحتل.. شاهد ما رصدته كاميرا CNN ...
- -ليست حرباً-.. فانس يثير الجدل بشأن المواجهة مع إيران وترامب ...
- إنقاذ عاملين في مشروع كهرومائي بعد 9 أيام داخل نفق في نيبال ...
- استهداف محطات كهرباء في ألمانيا والشرطة تشتبه في أعمال تخريب ...
- أوكرانيا.. نصب شكسبير يحل مكان تمثال بوشكين في بولتافا ويثير ...
- سوريا تطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية بإغلاق ملف -عدم ال ...
- السفير الروسي لدى تل أبيب يكشف عن وجود آلية بين الجيشين الرو ...
- بدء تطهير منطقة حوصرت فيها قوات أوكرانية في خاركوف
- الجيش الروسي يستهدف مركزا لوجيستيا في كييف وسفينتين تحملان ش ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن عبد الحسين - التعايش مابعد الفقد