حسن عبد الحسين
كاتب وباحث
(Hasan Abdulhussein)
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 16:32
المحور:
الطب , والعلوم
منذ أقدم العصور، اعتمد العرب على الأعشاب للتداوي من الأسقام، ومع تعاقب الأزمان وتطور العلوم، تطورت طرق الاستفادة من هذه المواد الطبيعية، حتى ظهرت المستحضرات الدوائية بصورها الحديثة، وأصبحت الصيدلة مهنةً لا غنى عنها في بنية المجتمع.
من أين جاءت تسمية «صيدلي»؟
اختلف المؤرخون في أصل هذه التسمية، ويرجع ذلك إلى مرور اللفظ عبر لغات متعددة، مما يدل على عراقة جذورها. ومن أبرز تلك الآراء:
* الأصل الفارسي المعرّب: تُعد اللفظة فارسيةً معرّبة، وكان يُقصد بها العشّاب أو بائع العقاقير.
* الرأي الهندي أو اللغوي: يرى آخرون أن الكلمة تعريبٌ لكلمة «جندلي»؛ إذ تشير كلمة «جندل» الهندية إلى بائع العطور والأطياب الثمينة، وبإبدال حرف الجيم صادًا أصبحت «صيدلي». ويُذكر هذا الرأي في مصادر تاريخ الصيدلة، ومنها ما نُقل عن البيروني في اشتقاق لفظ «الصيدلاني».
* التسمية التاريخية البديلة: لقد عُرف الصيدلي سابقًا بـ«العطّار» في حقبٍ وأصقاعٍ مختلفة.
والمهم في نهاية المطاف أن الاسم استقر على ما نعهد اليوم: صيدلي.
للالتحاق بهذه الكلية في العراق، يتطلب الأمر معدلًا يقارب 98% في القبول المركزي، وتدوم الدراسة الجامعية خمس سنوات، وذلك في الجامعات الحكومية والأهلية على حد سواء. وتؤكد أدلة وزارة التعليم العالي أن الحدود الدنيا للقبول المركزي في عدد من كليات الصيدلة الحكومية بلغت نحو 98% في السنوات الأخيرة، كما تؤكد الجامعات العراقية أن مدة دراسة الصيدلة خمس سنوات. ففي القبول المركزي للسنة الدراسية 2024–2025، بلغ الحد الأدنى لكليات الصيدلة 98.43%، وقُبل 2383 طالبًا وطالبة فيها ضمن القبول المركزي. كما تؤكد وزارة التعليم أن برنامج بكالوريوس الصيدلة مدته خمس سنوات في الجامعات العراقية. (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي)
أما في التعليم الأهلي، وهو حق مكفول في الدستور العراقي، فقد تفاوت المعدل المؤهل للقبول، إذ بلغ المعدل الأدنى في بعض قنوات القبول والنقل إلى كليات الصيدلة الأهلية 80%، وفق ضوابط وقرارات صادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وهذا تفاوت كبير سأتطرق إليه لاحقًا. وينص الدستور العراقي في المادة (34/رابعًا) على أن «التعليم الخاص والأهلي مكفول وينظم بقانون»، كما أصدرت وزارة التعليم العالي في عامي 2020 و2021 قرارات تضمنت اعتماد معدل 80% في بعض قنوات القبول والنقل إلى كليات الصيدلة الأهلية. (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي)
تُعد كلية الصيدلة من الأقسام التي تستحوذ على معدلات قبول مرتفعة، بعد كليتي الطب وطب الأسنان، وقد لجأ إليها الكثير من الطلبة المتميزين في العراق، لاسيما في مرحلة ما بعد عام 2003. ومع التوسع الكبير في أعداد المقبولين واستحداث كليات وأقسام جديدة، ارتفعت أعداد خريجي كليات الصيدلة، الأمر الذي انعكس على فرص العمل وأصبح أحد مظاهر التهميش التي تواجه المهنة.
كيف بدأ تهميش المهنة؟
* تقليص المناهج: أدى تقليص المناهج الدراسية في أعوام 2020 و2021 و2022 إلى حصول العديد من الطلبة على معدلات عالية جدًا مكنتهم من القبول في الكليات، فضلًا عن خفض الحدود الدنيا للمعدلات في كليات الصيدلة الأهلية خلال تلك السنوات.
* الانتشار الواسع للجامعات الأهلية: أدى افتتاح الكثير من الجامعات الأهلية واستحداث أقسام الصيدلة فيها إلى قبول أعداد متزايدة من الطلبة؛ نظرًا لقدرتها على استيعاب الطلبة بمعدلات تتراوح بين 80% و100%. وتظهر بيانات وزارة التعليم توسعًا فعليًا في استحداث المؤسسات والأقسام الجامعية، إذ أعلنت الوزارة في عام 2020 استحداث سبع كليات و20 قسمًا وفرعًا في 15 جامعة، ومن بينها كلية الصيدلة في جامعة نينوى. (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي)
وهذا يعني وجود أعداد متزايدة من الطلبة تدخل الكليات سنويًا، لتتخرج لاحقًا بأعداد كبيرة، مما أسهم في زيادة أعداد الخريجين وتراجع فرص التعيين الحكومي، كما تراجعت فرص العمل في القطاع الخاص لتصبح محدودة، وفي بعض الحالات برواتب زهيدة.
واقع المهنة بعد التخرج
عندما يتخرج الصيدلي، لا يجد أمامه في الوقت الحالي سوى عدد محدود من الخيارات للعمل؛ من أبرزها التواجد داخل صيدلية، أو العمل ممثلًا علميًا لشركة دوائية، وهناك وظائف أخرى ضمن المجال، لكنها شحيحة للغاية مقارنة بأعداد الخريجين.
وكما هو متعارف عليه في العراق، فإن الصيدلي يقتصر عمله في الغالب على صرف الدواء بناءً على وصفة طبية، أو تقديم العلاج في بعض الحالات المرضية البسيطة. وفي عدد من الدول، تطور دور الصيدلي ليشمل خدمات الرعاية الصيدلانية والوقاية ومتابعة العلاج وبعض الخدمات السريرية، إلى جانب صرف الأدوية، ليكون الصيدلي أحد خطوط الدفاع الأولى عن سلامة المريض، بينما يتولى الطبيب عملية التشخيص؛ أي إن كل اختصاص يعمل في مجاله دون تداخل أو تعدٍّ على اختصاص الآخر.
ولهذا السبب، صرنا نسمع في الآونة الأخيرة مصطلح «الصيدلي البياع»، في حين أن دوره الحقيقي يكمن في الصرف الدقيق للعلاج، وتقديم المشورة الدوائية، ومتابعة استخدام الدواء والحالة المرضية، فالصيدلي أحد أهم خطوط الأمان في منظومة الرعاية الصحية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الصيدلي يؤدي دورًا أساسيًا في صرف الأدوية، وتقديم المشورة الدوائية، ومتابعة استخدام العلاج، كما تطور دوره في العديد من الدول ليشمل خدمات الرعاية الصيدلانية والوقاية والفحوصات والتطعيمات وإدارة بعض الحالات المزمنة والبسيطة.
أما داخل الصيدليات، فنرى دخلاء من مهن أخرى لا توجد أي صلة تربطهم بالصيدلة، يعملون فيها ويتقمصون دور الصيدلي، الأمر الذي يشكل خطرًا على المريض وعلى المهنة في آنٍ واحد. فكيف لمن لم يدرس المناهج الصيدلانية أن يكتفي بحفظ أسماء الأدوية فقط ليعرضها ويبيعها للمريض؟ ومن أبرز الأسباب التي تدفع البعض إلى تشغيل هؤلاء الدخلاء قبولهم بالرواتب الزهيدة، فضلًا عن ضعف الرقابة في بعض الحالات, فضلًا عن كون ألدخلاء داخل الصيدلية كشجرةٍ يابسةٍ لا ظِلَّ فيها ولا ثمار.
ويحظر قانون مزاولة مهنة الصيدلة العراقي ممارسة المهنة من غير إجازة، كما يفرض عقوبات على من ينتحل صفة المرخّص له، وعلى الصيدلي الذي يسمح لشخص غير مجاز بمزاولة المهنة باسمه في الصيدلية. كما يمنح القانون الجهات المختصة صلاحيات غلق الصيدليات والمحال المخالفة وفق الحالات المنصوص عليها.
إن مجمل الأسباب التي تم ذكرها تؤدي دورًا كبيرًا ومباشرًا في تهميش هذه المهنة على أرض الواقع.
دور النقابة والجهات الرسمية، وحلول مقترحة
بذلت نقابة الصيادلة جهودًا في متابعة المخالفات المهنية، وقدمت عددًا من الحلول، وشكّلت فرق تفتيش لضبط الدخلاء والسيطرة على ممارسة المهنة، فضلًا عن تفعيل نظام لتلقي الشكاوى مجهولة المصدر. ورغم ذلك، ما زلنا نرى مخالفات ودخلاء في بعض الصيدليات، وهو ما يستدعي تعزيز الرقابة وتطبيق القوانين بصورة أكثر فاعلية.
ويمنح قانون نقابة الصيادلة النقابة صلاحيات تتعلق بتنظيم المهنة والدفاع عن حقوق أعضائها، كما ينص على تشكيل لجنة للمراقبة والإشراف على تطبيق أحكام القانون.
إلى جانب ذلك، حرصت نقابة الصيادلة، متمثلةً بنقيبها العام ونقباء المحافظات واللجان التفتيشية، على إقامة ندوات تثقيفية للتعريف بالمهنة؛ ليعلم المجتمع من هو الصيدلي وما دوره الحقيقي، ومن هو الدخيل وما مدى ضرره. كما استطاعت النقابة، بالتعاون مع الجهات الرقابية، المساهمة في إجراءات أفضت إلى إغلاق عدد من الصيدليات المخالفة ومحاسبة المتجاوزين فيها.
أما وزارة التعليم العالي ووزارة الصحة، فلم تنجح الإجراءات المتخذة حتى الآن في الحد من هذا الفائض الصيدلي، إذ لا تزال أعداد الخريجين في تزايد مستمر، في ظل محدودية فرص التعيين والاستيعاب في سوق العمل.
لذلك، فإنني والعديد ممن يبتغون لعراقهم رقيًا وازدهارًا، ندعو إلى أن يعمل كل ذي اختصاص في مجاله، مع سنّ قوانين صارمة ورادعة لكل من ينتحل صفة الصيدلي أو أي مهنة أخرى، إلى جانب:
* رفع معدلات القبول في الكليات الأهلية بما يتناسب مع حاجة سوق العمل وقدرة المؤسسات الصحية على استيعاب الخريجين.
* دعم الدولة للقطاع الخاص ليكون قادرًا على استيعاب ورفد هذه الكوادر الصيدلانية، وذلك من خلال دعم وتطوير الصناعة الدوائية المحلية، عبر النهوض بالمصانع والشركات الدوائية الوطنية وتشجيع الاستثمار فيها؛ لتكون حاضنة كبرى تستوعب هذه الطاقات في مجالات الإنتاج والبحث والتطوير والرقابة الدوائية.
* وضع خطة مدروسة ومستدامة من قِبل وزارة الصحة ونقابة الصيادلة لاستثمار هذه الأعداد من الخريجين في المؤسسات الصحية الحكومية، كالمستشفيات وغيرها، وفقًا لحاجة القطاع الصحي، ليجدوا السبيل إلى ممارسة مهنة سامية بذلوا في سبيلها غالي الجهود وسنينًا من أعمارهم.
لا أن يُهمَّشوا، ويُضطروا إلى الاعتصام دون أن يجدوا آذانًا صاغية تلتفت إلى نداءاتهم.
من أجل عراق أفضل، يجب أن يقتصر كل عمل على أهله المختصين، وألّا يُفسح المجال للتطفل وانتحال ما ليس من حق الآخرين.
المصادر
1. محمد كامل حسين، الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب، مباحث اشتقاق الألفاظ الصيدلية والعقاقير والأقربازين.
2. مجلس النواب العراقي، الدستور العراقي لسنة 2005، المادة 34.
3. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، دائرة الدراسات والتخطيط والمتابعة، الحدود الدنيا للقبول المركزي للسنة الدراسية 2024–2025.
4. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، الحدود الدنيا للقبول المركزي للسنة الدراسية 2025–2026، دائرة الدراسات والتخطيط والمتابعة.
5. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، «التعليم تعلن تخفيض أجور المنقولين ضمن قناة الموازي الدولي واعتماد معدل 80% لنقل طلبة طب الأسنان والصيدلة»، 13 أيلول 2020.
6. جامعة البصرة، كلية الصيدلة، برنامج بكالوريوس الصيدلة ومدة الدراسة.
7. منظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لأوروبا، Advancing the role of pharmacists to meet changing patient and health system needs، 20 أيلول 2024.
8. منظمة الصحة العالمية، Developing Pharmacy Practice – A Focus on Patient Care.
9. قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 40 لسنة 1970 المعدل، المواد المتعلقة بممارسة المهنة والعقوبات وغلق المحال المخالفة.
10. قانون نقابة الصيادلة رقم 112 لسنة 1966، المواد المتعلقة بتنظيم المهنة والرقابة.
11. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، دليل الجامعات والكليات الأهلية 2025–2026.
#حسن_عبد_الحسين (هاشتاغ)
Hasan_Abdulhussein#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟