أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن عبد الحسين - الإنسان والأحلام















المزيد.....

الإنسان والأحلام


حسن عبد الحسين
كاتب وباحث

(Hasan Abdulhussein)


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 08:12
المحور: قضايا ثقافية
    


يقول أبو الطيب المتنبي:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
هل للأحلام نهاية؟
وهل يقتنع الإنسان عندما يصل إلى ما كان يبتغيه؟
منذ الوهلة الأولى التي ينشأ فيها الإنسان طفلًا صغيرًا، يبدأ الحلم بالتشكّل في داخله. ولعلّ أول أمنية تراوده تكون بسيطة، كاقتناء دراجة هوائية؛ فإذا امتلكها، لم تتوقف رغبته عندها، بل سرعان ما يتطلع إلى ما هو أكبر منها. يكبر الطفل، فتكبر معه أحلامه، وتتغير الأشياء التي يريدها، لكن شيئًا واحدًا يبقى ثابتًا: ذلك الشعور الداخلي الذي يدفعه إلى أن يقول لنفسه: ما زال هناك شيء أريده.
وهكذا تبدأ رحلة الإنسان مع الأحلام، رحلة لا يبدو أن لها محطة أخيرة.
فالذي كان يحلم بدراجة في طفولته، قد يحلم في مراهقته بهاتف أو سيارة، ثم يحلم بالجامعة، وبعدها بالوظيفة، ثم بالمال والاستقرار، ثم بالبيت والأسرة والمكانة الاجتماعية. وبعد أن يحقق بعض ذلك، يكتشف أن الإنسان لا يصل إلى نهاية الطريق، وإنما ينتقل من حلم إلى حلم، وكأن الحياة نفسها قائمة على هذه الحركة المستمرة بين ما نملك وما نريد.
وربما هنا تكمن إحدى أكثر المفارقات غرابة في طبيعة الإنسان؛ أن الشيء الذي يتعب من أجله طويلًا قد يفقد بريقه بعد أن يمتلكه.
لماذا؟
لأن الإنسان حين ينظر إلى الشيء من بعيد، يراه أكبر مما هو عليه. يصنع حوله صورة مثالية في مخيلته، ويعتقد أن امتلاكه سيمنحه ذلك الشعور الكامل بالسعادة. لكنه حين يصل إليه، يعتاد وجوده، ويتحول الحلم الذي كان يشغل جزءًا كبيرًا من تفكيره إلى شيء من تفاصيل حياته اليومية.
ثم يظهر حلم آخر.
وهكذا لا تنتهي المسألة عند امتلاك الأشياء، بل تتكرر في كل جوانب الحياة. قد يحلم الإنسان بالشهرة، فإذا اشتهر بحث عن التقدير. وقد يحلم بالمال، فإذا امتلكه بحث عن الأمان. وقد يبحث عن المكانة، فإذا وصل إليها اكتشف أن المكانة وحدها لا تمنحه الطمأنينة التي كان يتصورها.
ولذلك، فربما لم تكن المشكلة في أن الإنسان لا يملك ما يكفي، بل في أن الرغبة الإنسانية لا تعرف الاكتفاء بسهولة.
لكن هل هذا أمر سيئ؟
ليس بالضرورة.
فلولا الأحلام، ربما بقي الإنسان في مكانه. إن الحلم هو الذي يدفع الطالب إلى الدراسة، والعامل إلى الاجتهاد، والباحث إلى المعرفة، والمبدع إلى الكتابة، والإنسان إلى محاولة صناعة حياة أفضل مما يعيشها الآن.
الحلم في جوهره ليس مجرد رغبة في امتلاك شيء، وإنما هو صورة لحياة لم تحدث بعد، يحاول الإنسان أن يجعلها حقيقة.
ومن هنا يمكن أن نفهم معنى بيت المتنبي؛ فهو لا يدعو الإنسان إلى الطمع بالمفهوم الضيق، وإنما يدفعه إلى ألا يجعل الخوف أو القناعة المحدودة سقفًا لطموحه. فالنجوم في البيت ليست مجرد نجوم، بل صورة للشيء البعيد الذي يبدو الوصول إليه صعبًا، ومع ذلك يظل الإنسان قادرًا على محاولة بلوغه.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الطموح والجشع.
الطموح أن تسعى إلى الأفضل دون أن تحتقر ما بين يديك، أما الجشع فهو أن يتحول ما تريده إلى سببٍ دائم لعدم رضاك عما تملك.
وقد يمتلك الإنسان كل أسباب الراحة، لكنه يظل فقيرًا من الداخل؛ لأنه يقيس حياته دائمًا بما ينقصه، لا بما لديه.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
هل نحن نعيش لتحقيق أحلامنا، أم أننا نخلق أحلامًا جديدة كي نستمر في الحياة؟
ربما كلاهما.
فالإنسان يحتاج إلى غاية يسعى إليها، لأن الحياة الخالية من الغايات قد تتحول إلى أيام متشابهة لا يعرف المرء لماذا يعيشها. لكن الإنسان يحتاج أيضًا إلى أن يتعلم فن الوصول؛ لأن من لا يعرف كيف يتوقف قليلًا ليتأمل ما حققه، سيظل يركض خلف المستقبل، وقد يكتشف في النهاية أنه أمضى حياته كلها في انتظار الحياة.
كم من إنسان قال: سأكون سعيدًا عندما أنجح.
ثم قال: سأكون سعيدًا عندما أعمل.
ثم: عندما أمتلك المال.
ثم: عندما أتزوج.
ثم: عندما أشتري البيت.
ثم: عندما أحقق المكانة التي أريدها.
ويمضي العمر، وتتحول كلمة «عندما» إلى جسر طويل يمشي عليه الإنسان دون أن يصل إلى الضفة الأخرى.
ولعل الحكمة ليست في أن نتوقف عن الحلم، بل في أن نتعلم كيف نحلم دون أن نؤجل سعادتنا إلى أجل غير معلوم.
فليس كل حلم يجب أن يتحقق حتى تكون له قيمة. أحيانًا يكفي أن يمنحنا الحلم اتجاهًا. قد لا يصل الإنسان إلى القمة التي تخيلها، لكنه يصبح أثناء صعوده شخصًا آخر؛ أكثر معرفة، وأكثر تجربة، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة.
وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للأحلام: أنها لا تغيّر الواقع فقط، بل تغيّر صاحبها أيضًا.
والأجمل أن بعض الأحلام لا علاقة لها بالمال أو الممتلكات. هناك من يحلم بأن يترك أثرًا طيبًا، وأن يكتب كتابًا يقرأه الناس بعد رحيله، وأن يساعد إنسانًا، وأن يجعل والديه فخورين به، وأن يعيش بكرامة، وأن يجد مكانًا يشعر فيه بأنه ينتمي.
هذه الأحلام، وإن بدت بسيطة، قد تكون أعظم من امتلاك الكثير.
فالإنسان في نهاية الأمر لا يأخذ معه سيارة ولا بيتًا ولا حسابًا مصرفيًا. يأخذ معه ما تركه في نفوس الآخرين، وما صنعه من أثر، وما كان عليه من إنسان.
وربما لذلك تختلف الأحلام باختلاف مراحل العمر. ففي الطفولة نحلم بما نراه، وفي الشباب نحلم بما نريد أن نكونه، وفي النضج نبدأ بالسؤال عمّا يستحق أن نحلم به أصلًا.
وهنا يتحول الحلم من «ماذا أريد أن أملك؟» إلى «ماذا أريد أن أكون؟»
وهذا التحول قد يكون أعظم نضج يصل إليه الإنسان.
فليس النجاح أن تحصل دائمًا على ما تريد، بل أن تعرف ماذا تريد، ولماذا تريده، وماذا ستفعل عندما تحصل عليه.
لأن الإنسان قد يصل إلى حلمه ثم يشعر بالفراغ، وقد يفشل في حلمه ثم يكتشف أن الطريق إليه كان أجمل ما عاشه.
ولذلك، لا أظن أن للأحلام نهاية حقيقية ما دام الإنسان حيًا. قد تتغير، تتقلص، تكبر، تتبدل، أو تستبدل بأحلام أخرى، لكنها تبقى في مكان ما داخل الإنسان، تدفعه إلى الأمام.
وربما يكون آخر حلم للإنسان مختلفًا عن كل أحلامه السابقة؛ حلمًا لا يريد فيه امتلاك شيء، ولا الوصول إلى مكان، ولا الحصول على منصب، وإنما يريد فقط أن يشعر أنه عاش كما ينبغي.
عندها قد يفهم الإنسان أن أعظم الأحلام لم تكن تلك التي امتلك بسببها الأشياء، بل تلك التي جعلته إنسانًا أفضل وهو يسعى إليها.
فالحياة ليست في أن نصل دائمًا، ولا في أن نركض بلا توقف، وإنما في أن نعرف متى نحلم، ومتى نسعى، ومتى نتوقف لننظر إلى الطريق الذي قطعناه.
أما الأحلام، فلا أظن أنها تموت.
إنما نحن الذين نتغير، فتتغير أحلامنا معنا.
وربما ما دام في الإنسان قلب ينبض، سيبقى هناك حلم ينتظر أن يُروى.



#حسن_عبد_الحسين (هاشتاغ)       Hasan_Abdulhussein#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناجيتُ قبرَكِ
- بين وجع النفس وسلطة الدواء
- سعيتُم فخُذِلتُم
- التعايش مابعد الفقد


المزيد.....




- شاهد.. راكون قزم نادر يحوّل القمامة إلى ألعاب
- CNN تكشف حجم العمليات لأول مرة.. ما قد لا تعلمه عن قتال أوكر ...
- شحنة ملفوف تخفي مفاجأة صادمة.. ضبط أكثر من طن من المخدرات في ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلق على تقدم الحوثي في اليمن: -تجسيد ...
- عقود من التوتر والتحولات.. ماذا يكشف تاريخ العلاقات السعودية ...
- سجون تونس.. اكتظاظ وتأخر في الإبلاغ عن الوفيات وحقوقيون يتح ...
- لماذا قد يؤثر شخير شريكك على صحتك؟
- مصر .. تقليص دعم الخبز يفاقم عوز عائلات محدودة الدخل
- هل هناك أمل في إنهاء الصراع الأوكراني هذا العام؟
- مدرسة مصرية تصدم طلابها وتثير عاصفة جدل مع بداية العام الدرا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن عبد الحسين - الإنسان والأحلام