حسن عبد الحسين
كاتب وباحث
(Hasan Abdulhussein)
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 09:47
المحور:
الادب والفن
ناجيتُ قبرَكِ: حينَ يقفُ الشعرُ على تخومِ الموت
ليس الرثاءُ مجردَ استعادةٍ للميت، بل هو محاولةٌ من الحيّ لفهمِ ما خلّفه الغياب. حين يرحلُ شخصٌ يحتلُّ موقعًا عميقًا في الذاكرة، لا يغيبُ فردٌ فحسب، بل يتغيرُ إيقاعُ الحياة من حوله؛ يفقدُ المكانُ بعضَ ألفته، ويثقلُ الزمن، وتغدو الذاكرةُ المساحةَ الوحيدةَ التي يمكنُ للغائب أن يستمرَّ فيها.
من هذه المنطقة النفسية تنبثق قصيدةُ محمد مهدي الجواهري «ناجيتُ قبرَكِ»، التي كتبها في رثاءِ زوجته «أم فرات». غير أن القصيدة لا تستقرُّ عند حدود البكاء الشخصي، بل تتجاوزُ الحادثةَ إلى مساءلةِ معنى الفقد نفسه: ماذا يحدثُ للإنسان حين يعرفُ أن الموتَ حقيقةٌ لا يمكنُ ردُّها، بينما يظلُّ وجدانهُ متشبثًا بمن رحل؟
هذه المفارقةُ هي التي تمنحُ النصَّ توترهُ الداخلي؛ فالجواهري لا يحاولُ إنكارَ الموت، وإنما يحاولُ أن يجدَ طريقةً للحديثِ بعد أن أصبحَ الحديثُ مستحيلًا.
القبرُ بوصفهِ مخاطَبًا
يكشفُ العنوانُ منذ البداية عن طبيعةِ التجربة. لم يقل الجواهري «رثيتُ زوجتي»، وإنما قال: «ناجيتُ قبرَكِ».
الفعلُ «ناجيتُ» يفترضُ وجودَ مخاطَب، لكن المخاطَبَ هنا قبرٌ لا يجيب. وهذه المفارقةُ تكشفُ عمقَ الأزمة: الشاعرُ يحتفظُ بعادةِ مخاطبةِ من يحب، رغم أن الموتَ سلبَه إمكانيةَ الرد.
لذلك يتحولُ القبرُ من مكانٍ للصمت إلى فضاءٍ للكلام. لا لأن الحجرَ قادرٌ على الإجابة، وإنما لأن الشاعرَ لا يستطيعُ أن يجعلَ الصمتَ خاتمةً لعلاقته بالراحلة.
ومن هنا يصبحُ العنوانُ نفسه مفتاحًا للقصيدة: المناجاةُ محاولةٌ لاستمرارِ العلاقة بعد انقطاعِ وسائلها الطبيعية.
صدمةُ الفقد: حين يتحولُ الإدراكُ إلى سؤال
يفتتحُ الجواهري:
«في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أَجِدُ
أهذهِ صَخرةٌ أم هذهِ كَبِدُ؟»
لا يبدأُ الشاعرُ بوصفِ الراحلة، ولا بتعدادِ خصالها، بل يبدأُ من ذاتهِ المصدومة.
الاستفهامُ هنا لا ينتظرُ جوابًا؛ إنه صورةٌ لوعيٍ لم يستطع بعدُ أن يستوعبَ التحولَ المفاجئ من الحياة إلى الموت.
ويكثفُ الشاعرُ هذا الاضطرابَ بالمقابلةِ بين «الصخرة» و«الكبد». الأولى تنتمي إلى العالم الخارجي الصلب، والثانية إلى الجسد والداخل الإنساني.
كأن القبرَ أمامَ عينيه لم يعد مجردَ حجر، بل صار امتدادًا مباشرًا لألمه.
وهكذا يتداخلُ المكانُ مع الشعور، ويتحولُ المشهدُ الجنائزي إلى تجربةٍ داخلية.
الموتُ وغيابُ الاحتمال
ثم يقول:
«قد يقتلُ الحزنُ من أحبابُهُ بَعُدوا
عنه فكيفَ بمن أحبابُهُ فُقِدوا؟»
يقيمُ الجواهري هنا فرقًا دقيقًا بين البُعد والفقد.
الغائبُ في الحياة، مهما ابتعد، يتركُ احتمالًا؛ أما الميتُ فلا يتركُ سوى الذاكرة.
ولهذا لا تكمنُ قسوةُ الموت في الغياب وحده، بل في إغلاقِ إمكان العودة.
إن الإنسانَ يستطيعُ أن ينتظرَ البعيد، لكنه لا يستطيعُ أن ينتظرَ الميت بالطريقة نفسها. ومن هنا يصبحُ الحزنُ تجربةً مختلفةً في طبيعتها، لا في شدتها فقط.
«أم فرات»: المرأة داخلَ البيت والذاكرة
حين يقول:
«حُيّيتِ أمَّ فُراتٍ إنَّ والدةً
بمثلِ ما أنجبتْ تُكنى بما تَلِدُ»
يتجهُ الخطابُ إلى الراحلة نفسها.
واللافتُ أن الجواهري يستدعيها بكنيتها «أم فرات»، فيستحضرُ من خلالها وظيفتها الأسرية ومكانتها بوصفها أمًّا.
هذه الإشارةُ توسعُ دائرةَ الرثاء؛ فالقصيدةُ لا تتحدثُ عن فقدِ الزوجة فقط، بل عن غيابِ الأم وما يتركه ذلك في الأبناء والبيت.
وبذلك تصبحُ الراحلةُ جزءًا من بنيةٍ عائليةٍ كاملة، لا مجردَ شخصيةٍ في تجربةٍ عاطفية فردية.
اللحدُ بوصفهِ حدًّا بين عالمين
يقول:
«تحيّةً لم أجدْ من بثِّ لاعجِها
بُدًّا، وإنْ قامَ سَدًّا بيننا اللَّحدُ»
يمنحُ الجواهري اللحدَ صورةَ «السد».
والتعبيرُ شديدُ الدلالة؛ لأن السدَّ يفصلُ بين جهتين ويمنعُ العبور.
بهذه الصورة يتحولُ الموتُ من حدثٍ إلى حدٍّ مكاني يفصلُ بين الشاعر والراحلة.
غير أن اللافتَ أن الجواهري لا يكتفي بوصفِ الحاجز، بل يواصلُ الخطابَ من ورائه. وهكذا تتخذُ القصيدةُ شكلَ محاولةٍ للحديثِ عبرَ ذلك الحد.
حين يصبحُ الجسدُ غيرَ كافٍ
ويقول:
«بالرُّوحِ رُدِّي عليها إنَّها صِلَةٌ
بينَ المحبّينَ ماذا ينفعُ الجسدُ؟»
ينقلُ الشاعرُ العلاقةَ من مستوى الجسد إلى مستوى الروح.
فالجسدُ أصبحَ تحتَ التراب، لكن أثرَ العلاقة لم ينتهِ في وجدانه.
والسؤالُ «ماذا ينفعُ الجسدُ؟» لا يلغي قيمةَ الجسد، بقدر ما يعكسُ عجزه عن استيعابِ علاقةٍ تجاوزت في وجدان الشاعر حدودَ الحضور المادي.
هنا تظهرُ فكرةُ الحب بوصفه ذاكرةً مستمرة، لا حضورًا جسديًا فقط.
سقوطُ القناع
من أكثرِ أبيات القصيدة كشفًا لذات الشاعر:
«خلعتُ ثوبَ اصطبارٍ كانَ يَسترُني
وبانَ كذبُ ادّعائي أنَّني جَلِدُ»
الصبرُ هنا يتحولُ إلى «ثوب»، وهي استعارةٌ تمنحه طبيعةَ الشيء الذي يمكنُ ارتداؤه وخلعه.
وبذلك يفرقُ الجواهري بين الصورة التي يقدمها الإنسانُ للآخرين، وبين حاله حين ينفردُ بألمه.
إنه يعترفُ بأن صلابته الظاهرة لم تكن قادرةً على الصمود أمامَ هذا الفقد.
وهذا الاعترافُ يمنحُ القصيدةَ صدقها النفسي؛ فالشاعرُ الكبير لا يتحدثُ من موقعِ المتعالي على الألم، بل من موقعِ الإنسان الذي أصابه الألم في أكثرِ مواضعه هشاشة.
صلابةٌ تتفجرُ منها الدموع
ويتابع:
«كما تفجّرَ عينًا ثرّةً حجرٌ
قاسٍ تفجّرَ دمعًا قلبيَ الصَّلِدُ»
تقومُ الصورةُ على مفارقةٍ بين الحجرِ والماء.
الحجرُ يوحي بالجمود والقسوة، والعينُ الثرةُ بالماء والانسياب؛ أما قلبُ الشاعر فيجمعُ المتناقضين: صلابةٌ في بنيته، وانفجارٌ بالبكاء في داخله.
وهذا لا يقدمُ الحزنَ باعتباره إلغاءً للقوة، بل يكشفُ أن القوةَ نفسها قد تخفي مقدارًا هائلًا من الألم.
الصورةُ هنا لا تصفُ دموع الجواهري فحسب؛ إنها تعيدُ تعريفَ الصلابة ذاتها.
الرثاءُ حين يتجاوزُ المديح
تتميزُ القصيدةُ بأنها لا تجعلُ من الراحلةِ مجردَ موضوعٍ لسردِ المناقب.
فالجواهري لا يكتبُ سيرةً مختصرةً لزوجته، وإنما يرصدُ أثرَ غيابها في وعيه وفي محيطه الأسري.
وهذا ما يجعلُ الرثاءَ أكثرَ قربًا من التجربة الإنسانية المباشرة.
فالقصيدةُ لا تسألُ فقط: من كانت «أم فرات»؟
بل تجعلُنا نسألُ أيضًا: كيف يعيدُ الإنسانُ بناءَ حياته حين يغيبُ شخصٌ كان جزءًا من بنائها؟
وهذا هو الانتقالُ الذي يمنحُ التجربةَ خصوصيتها؛ إذ تتحولُ حادثةٌ عائليةٌ إلى سؤالٍ إنساني قابلٍ للتعميم.
الشعرُ على تخومِ الموت
في «ناجيتُ قبرَكِ» لا يقدمُ الجواهري الشعرَ باعتباره وسيلةً لهزيمةِ الموت.
هو يعرفُ أن الموتَ لا يُرد، وأن الجسدَ لا يعود.
لكن الشعرَ يستطيعُ أن يعيدَ صياغةَ علاقة الإنسانِ بما فقده؛ أن يحولَ الغيابَ إلى ذكرى، والذكرى إلى لغة، واللغةَ إلى أثرٍ يتجاوزُ زمنَ صاحبه.
وهنا تكمنُ قيمةُ القصيدة.
لقد غابت «أم فرات» عن الحياة، لكن حضورها الشعري ظلَّ مفتوحًا. والقبرُ الذي مثّل في الواقع نهايةَ الحياة، صار في القصيدةِ بدايةَ خطابٍ طويل.
لم يستطع الجواهري أن يستردَّ زوجته من الموت، لكنه استطاع أن يمنحَ تجربتهما حياةً أخرى في الشعر.
وهذا، في نهاية الأمر، هو الحدُّ الذي يستطيعُ الشعرُ أن يبلغه أمامَ الموت: لا أن يردَّ الغائب، وإنما أن يحولَ غيابه إلى حضورٍ لا ينقطع.
#حسن_عبد_الحسين (هاشتاغ)
Hasan_Abdulhussein#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟