أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن عبد الحسين - المقهى الثقافي حين يصبح مسرحًا














المزيد.....

المقهى الثقافي حين يصبح مسرحًا


حسن عبد الحسين
كاتب وباحث

(Hasan Abdulhussein)


الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 10:13
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، حيث كان المقهى يومًا امتدادًا للصحيفة والكتاب والصالون الأدبي، نجد أنفسنا أمام ظاهرة تتجاوز الفلكلور: مقاهٍ تحمل اسم «ثقافية» كعلامة تجارية، لا كمرجع معرفي. لم يعد السؤال الحاكم في هذه التجمعات: ماذا قرأت أو كتبت؟ بل: أين صورتك؟ ومن حضر؟ وكم إعجابًا حصدت؟ لقد انتقلت الثقافة من سؤال المعنى (ماذا تقول؟) إلى استعراض الهيئة (كيف تبدو وأنت تقول؟).
ليست الأزمة في المقهى كفضاء، ولا في المنصات كأدوات؛ الأزمة في تحويل الفكر إلى «ديكور اجتماعي»، والكتابة إلى بطاقة تعريف. لقد تسربت ثقافة الاستعراض إلى المشهد الأدبي حتى صار التعامل مع الندوة كالسجادة الحمراء: حضور، التقاط صور، عبارات احتفالية، ثم انسحاب متبادل. أما النص، فيأتي هامشًا في نهاية القائمة.
كان المقهى التقليدي مساحةً لتهديم الغرور؛ يدخل الكاتب بنص يظنه عظيمًا، ليخرج بعد ساعة نقاش وقد أُعيدت صياغة وعيه عبر مواجهة نقادية حقيقية. كانت الخسارة هناك ربحًا تأسيسيًا. اليوم، حلت «الدوائر المغلقة» محل المواجهة: أصدقاء يصفقون، ومتابعون يمدحون، وشبكات مجاملة تتبادل الثناء. لكن المشهد ليس هو الثقافة؛ فقد يمتلئ المسرح بينما ينعدم العرض.
وهنا تنشأ المفارقة الكبرى: التضخم الاستعراضي الموازي لضمور المنتج المعرفي. فعاليات أكثر، وصور أكثر، وأسماء أسرع بروزًا؛ لكن في المقابل: قراءة أقل، نقد غائب، ونصوص استهلاكية صُممت لتعجب الخوارزمية لا لتعيش في الذاكرة.
لقد أفرز هذا الواقع آفتين قاتلتين:
1. تصفية النقد لصالح العلاقات: تحول المثقف إلى عضو في شبكة أمان اجتماعي؛ «أمدح نصك لتمدح نصي». اختفت جملة «أنت مخطئ» أو «هذا النص ضعيف» لأنها باتت تُكلف صاحبها قطيعة أو استبعادًا من الفعاليات القادمة.
2. سلطة الشهرة المبكرة: جعلت المنصات من «عدد المتابعين» معيارًا للوزن الأدبي. حين تسبق الشهرةُ المشروعَ المعرفي، يصبح الكاتب أسيرًا للجمهور؛ يكتب ما يجلب التفاعل السريع، ويختار العبارة القابلة للاقتباس بدل الفكرة القابلة للنقاش.
إن الجيل الجديد يمتلك فرصة تاريخية للتواصل المباشر دون وسائط، لكن هذه الفرصة تتحول إلى نقمة حين يُستبدل بناء الذات بالوصول السريع. المطلوب ليس إنكار التقنية ولا محاربة المقاهي الحديثة، بل امتلاك الجرأة لمواجهة هذا السؤال: هل نبني مشروعًا ثقافيًا، أم نسوق صورة شخصية داخل المشهد؟
كيف نستعيد المعنى؟
استعادة عافية المشهد لا تتم عبر الندب، بل عبر خطوات عملية:
1. فصل العلاقات عن المادة النقدية: إعطاء الأولوية لمراجعات الكتب الجادة والنقد القاسي البنّاء، وترسيخ ثقافة أن التفكيك النقدي للنص هو أعلى درجات الاحترام للكاتب.
2. تأسيس حلقات قراءة مغلقة (Off-grid): خلق جلسات نقاشية مصغرة تُحظر فيها الكاميرات والتغطيات المباشرة، ليكون التركيز حصريًا على تشريح النص والفكرة دون رغبة في الاستعراض.
3. ترشيد الاستهلاك الرقمي للكاتب: الانتقال من الإنتاج اليومي السريع الموجه للإعجابات، إلى المشاريع الطويلة التي تحتمل الشك والمراجعة والتعديل.
الثقافة ليست حفلة دائمة، ولا التقاط صور جماعية. الثقافة، في جوهرها، فعل مقاومة للسطحية. وحين تخاف البيئة الثقافية من التمييز بين الجيد والرديء، فإنها تتجه نحو مساواتهما؛ وعندما يصبح الجميع «مبدعين»، تفقد الكلمة معناها تمامًا. لقد آن الأوان لإعادة شيء من «القسوة الجميلة» للثقافة: أن نخرج من المقهى بأفكار جديدة تزعج الوعي وتطوره، لا بصور أنيقة على الشاشات



#حسن_عبد_الحسين (هاشتاغ)       Hasan_Abdulhussein#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان والأحلام
- ناجيتُ قبرَكِ
- بين وجع النفس وسلطة الدواء
- سعيتُم فخُذِلتُم
- التعايش مابعد الفقد


المزيد.....




- عبر مكبر صوت هاتف رئيس -إنفيديا-.. ترامب عن مخاوف الذكاء الا ...
- مَن كانت الأكثر أناقة؟ نجمات هوليوود يتنافسن بإطلالاتهنّ على ...
- برئاسة ولي العهد.. هذا ما قاله مجلس الوزراء السعودي بشأن هجم ...
- اعتراف أميركي رسمي بنقص الذخائر.. حرب إيران تستنزف 33.4 مليا ...
- التصعيد يتزايد في المنطقة.. توتر في هرمز وقصف إسرائيلي على ل ...
- انتكاسة مزدوجة لترامب.. القضاء يحسم معركتي التصويت والهجرة
- الحوثيون يعلنون استهدافهم بـ54 غارة سعودية
- الجيش الإيراني: العدو بلغ حد العجز واليأس بفعل وحدة الداخل
- وسائل إعلام ترصد حقيقة فيديو دهس صور الشرع
- الاستخبارات الخارجية الروسية: الناتو أوصى بعدم اتهام روسيا ف ...


المزيد.....

- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن عبد الحسين - المقهى الثقافي حين يصبح مسرحًا