أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن عبد الحسين - المواطن والدولار














المزيد.....

المواطن والدولار


حسن عبد الحسين
كاتب وباحث

(Hasan Abdulhussein)


الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 20:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إنَّ الارتفاع الشديد في سعر الدولار اليوم لهو خبرٌ صادم للمواطن العراقي، كخبر وفاة أحد أحبّته؛ لأن الدولار لم يعد مجرد رقمٍ يُتداول في الأسواق، ولا شأنًا اقتصاديًا يخصّ الخبراء والمختصين وحدهم، بل أصبح رقمًا ينعكس مباشرةً على حياة المواطن، وعلى طعامه ودوائه وإيجاره وحاجاته اليومية.

المواطن العراقي لا ينظر إلى الدولار بوصفه عملةً أجنبية، وإنما ينظر إليه بوصفه مقياسًا جديدًا لما يستطيع أن يشتريه براتبه، وما يعجز عن شرائه.

فحين يرتفع الدولار، لا يرتفع معه راتب الموظف، ولا يزداد دخل العامل، ولا تتحسن أحوال الفقير، وإنما ترتفع أسعار السلع والخدمات، ويصبح الراتب الذي كان بالكاد يكفي صاحبه أقل قدرةً على مواجهة متطلبات الحياة.

وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن يمرّ مرور الكرام:

من المسؤول عن هذا الارتفاع؟

ومن المسؤول عن حماية المواطن من تبعاته؟

وأصحاب الدخل المحدود، من لهم؟ ومن سيعينهم إذا أصبحت أسعار الأسواق أعلى من قدرتهم على الشراء؟

إنَّ المواطن البسيط لا يملك مدخراتٍ بالدولار حتى يستفيد من ارتفاعه، ولا يملك تجارةً كبيرةً تحميه من تقلبات السوق، ولا يستطيع أن يرفع راتبه كلما ارتفعت الأسعار.

هو يملك راتبًا ثابتًا، والتزاماتٍ لا تتغير، وعائلةً تنتظر منه أن يوفر لها احتياجاتها.

ولهذا فإنَّ أي ارتفاعٍ في سعر الدولار لا يعني بالنسبة إليه مجرد تغيرٍ في سعر الصرف، بل يعني اقتطاع جزءٍ آخر من قدرته على العيش.

والأخطر من ذلك أنَّ المواطن كثيرًا ما يجد نفسه أمام ارتفاعٍ سريع في الأسعار، بينما يبقى تفسير ما يحدث غامضًا بالنسبة إليه.

فإذا كانت هناك أسباب اقتصادية ومالية حقيقية تقف وراء ارتفاع الدولار، فمن حق المواطن أن يعرفها بوضوح، ومن واجب الجهات المسؤولة أن تشرح له ما يجري، وأن تعلن الإجراءات التي ستتخذها لحماية السوق وحماية أصحاب الدخل المحدود.

أما إذا كان صعود الدولار ورقة ضغطٍ لمآرب أخرى، فإنَّ الأمر يصبح أكثر خطورة؛ لأن المواطن في هذه الحالة يتحول إلى الطرف الذي يدفع ثمن صراعاتٍ لا علاقة له بها.

لا يجوز أن يكون رغيف الفقير، ودواء المريض، وحاجة العائلة، ومستقبل الأبناء، أدواتٍ في أي صراع.

المواطن لا يريد الكثير.

هو يريد أن يعيش بكرامة، وأن يعرف أن راتبه الذي ينتظره في نهاية الشهر لن يفقد جزءًا من قيمته في اليوم التالي.

يريد أن يدخل السوق من دون أن يشعر بالخوف من الأسعار.

يريد أن يشتري دواءه من دون أن يحسب ثمنه مراتٍ عدة.

ويريد أن يستطيع ربُّ الأسرة أن يعود إلى بيته بما يكفي أسرته، لا أن يقضي يومه وهو يفكر: ماذا سأحذف من قائمة احتياجاتنا هذه المرة؟

إنَّ الاقتصاد في النهاية ليس أرقامًا وجداول فقط؛ الاقتصاد هو إنسان.

وحين ترتفع الأسعار، فإننا لا نتحدث عن أرقامٍ صاعدة في شاشة، بل عن عائلةٍ قد تستغني عن حاجاتٍ أساسية، وعن شابٍ يؤجل مشروع زواجه، وعن أبٍ يعجز عن تلبية احتياجات أطفاله، وعن مريضٍ يبحث عن دوائه، وعن عاملٍ ينفق معظم دخله قبل أن يصل منتصف الشهر.

لذلك فإنَّ مسؤولية الدولة لا ينبغي أن تقتصر على مراقبة سعر الصرف، بل يجب أن تمتد إلى مراقبة الأسواق، ومنع استغلال الأزمات، ومحاسبة من يحاول تحويل ارتفاع الدولار إلى فرصةٍ لرفع الأسعار بصورةٍ غير مبررة.

فالأسواق لا ينبغي أن تكون ساحةً مفتوحةً لاستنزاف المواطن.

وإذا كانت الدولة قادرةً على اتخاذ القرارات التي تمس سعر الصرف، فعليها أيضًا أن تكون قادرةً على اتخاذ الإجراءات التي تحمي المواطن من نتائج تلك القرارات.

أما المواطن، فلا ينبغي أن يُطلب منه في كل مرة أن يتحمل ويصبر ويدفع الثمن.

إلى متى يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف؟

وإلى متى يبقى صاحب الدخل المحدود مطالبًا بأن يتحمل أزماتٍ لم يصنعها؟

إنَّ الوطن لا يُقاس فقط بحجم موارده، ولا بما يملكه من نفطٍ وثروات، بل يُقاس أيضًا بمدى قدرة المواطن البسيط على أن يعيش فيه بكرامة وأمان.

فإن كان ارتفاع الدولار نتيجةً لظروف اقتصادية قاهرة، فليُصارح المواطن بالحقيقة، ولتُطرح أمامه الحلول.

وإن كان نتيجةً لقراراتٍ وسياساتٍ يمكن مراجعتها، فلتُراجع.

وإن كان ورقة ضغطٍ لمآرب أخرى، فإنَّ من يستخدم قوت المواطن ومعيشته وسيلةً لتحقيق أهدافه عليه أن يدرك أنَّ الفقراء ليسوا أرقامًا في معادلة، وأنَّ قوت الناس ليس ساحةً للمساومة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:

من يحمي المواطن حين تهتز قيمة ماله، وترتفع أسعار معيشته، ويصبح راتبه عاجزًا عن مجاراة السوق؟

إنَّ المواطن العراقي لا يريد أن يكون غنيًا بسبب الدولار، ولا يريد أن يربح من ارتفاعه.

كل ما يريده هو ألّا يخسر حياته بسببه.

ومن له يدٌ في إفقار الناس، أو يستغل أزماتهم لتحقيق مآربه، فإنَّ ما يفعله لن يكون مجرد قرارٍ عابر، بل سيترك بصمةً لا تُمحى من ذاكرة هذا الوطن.



#حسن_عبد_الحسين (هاشتاغ)       Hasan_Abdulhussein#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هذا ماجنيتُ على نفسي
- عسل اسود : قراءة في فيلم مرّ على عرضه ستة عشر عامًا
- المقهى الثقافي حين يصبح مسرحًا
- الإنسان والأحلام
- ناجيتُ قبرَكِ
- بين وجع النفس وسلطة الدواء
- سعيتُم فخُذِلتُم
- التعايش مابعد الفقد


المزيد.....




- فيديو يُظهر لحظة حادث تصادم مميت بين حافلة مدرسية وسيارة في ...
- شاهد.. إسرائيليون يحيون ذكرى بدء هجوم 7 أكتوبر بالصمت
- -نصر غصب عنك-.. ساويرس يرد على إيدي كوهين بشأن حرب أكتوبر
- كريستا بايك -تستعيد وعيها وتتحدث-، بعد نجاتها من محاولتين لت ...
- تهديد إسرائيلي بتدمير سيناء يشعل الغضب في مصر.. إعلاميون: لن ...
- زلزال نقدي في بغداد.. العراق يخفض قيمة الدينار بـ 15% لمواجه ...
- رداءة الوقود في سوريا تلغي زيارة رسمية لوفد تركي
- في ذكرى 7 أكتوبر الثالثة.. إرث الإخفاق الأمني يلاحق نتنياهو ...
- تحسبا لتوسع أزمة إثيوبيا.. تنسيق أمني وعسكري بين مصر وإريتري ...
- -قضية الرهائن تعرضت للتسييس لتبرير استمرار الحرب-.. هجوم شرس ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن عبد الحسين - المواطن والدولار