فارس حامد عبد الكريم
الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 15:43
المحور:
قضايا ثقافية
كانت العرب قديمًا تقول في أمثالها: «مادح نفسه يقرئك السلام»، أو «مادح نفسه كذّاب». فهل يصح هذا الحكم على إطلاقه، أم أن لمدح النفس مواضع يكون فيها مقبولًا ومشروعًا؟
في واقع الأمر، إذا كان مدح الإنسان لنفسه دون حاجة أو مصلحة راجحة، وكان دافعه الغرور والمفاخرة والعُجب، فإنه يدخل في دائرة الذم والنهي.
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].
وقال الطبري في تفسيرها: «يقول جل ثناؤه: لا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي».
لكن ماذا لو كان التعريف بالنفس يهدف إلى تحقيق مصلحة مشروعة، أو إحقاق الحق، أو المطالبة بالحقوق، أو تمكين الناس من معرفة الكفاءات؟
ولا سيما في مجتمعات قد تنشغل فيها الأذهان بتذكّر العيوب وتغفل عن الفضائل والإنجازات.
أولاً: الضابط الشرعي لتزكية النفس عند الحاجة
يجيب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن هذا التساؤل بعبارة موجزة، حين سأله سائل: «أيجوز أن يزكي الرجل نفسه؟»
فقال: «نعم، إذا اضطر إلى ذلك. أما سمعت قول يوسف (عليه السلام): ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾».
واستناداً إلى النصوص القرآنية والشرعية، وردت عدة مواضع ذكر فيها بعض الأنبياء (عليهم السلام) صفاتهم ومؤهلاتهم، ولم يكن ذلك من الكِبر أو الغرور المذموم، بل جاء في مقام الضرورة، أو إظهار الكفاءة لإحقاق الحق، أو أداء الأمانة ونفع العباد. ومن أبرز هؤلاء الأنبياء:
1. نبي الله يوسف (عليه السلام):
حين طلب من ملك مصر أن يوليه إدارة شؤون الاقتصاد والتخزين، قال كما حكى القرآن الكريم في سورة يوسف (الآية 55):
﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
ووجه ذلك أنه عرّف بنفسه وذكر كفاءته وقدرته (حفيظ أمين، عليم بتدبير الأمور)، لمصلحة عامة جليلة، وهي رفع البلاء ودفع المجاعة عن الناس.
2. نبي الله هود (عليه السلام):
حين خاطب قومه عاداً محذراً لهم وناصحاً، قال كما جاء في سورة الأعراف (الآية 68):
﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾.
ووجه ذلك بيان صفاته في الصدق والنصح والأمانة، في مقام دعوتهم إلى طريق الحق وهدايتهم، وهي شهادة اقتضاها واجب البلاغ.
ثانياً: التعريف بالذات في السنة والآثار
وردت في السنة النبوية شواهد متعددة على جواز التعريف بالذات وذكر الفضائل في مقام يقتضيه البيان أو التعليم، منها قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):
* «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».
* «أنا سيد ولد آدم ولا فخر».
* «أنا أول من تنشق عنه الأرض».
* «أنا أعلمكم بالله وأتقاكم له».
وجاء في صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال:
«والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم إليّ: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق».
وفي السياق نفسه، كيف نفهم الكلمات والخطب المأثورة عن أهل البيت والصحابة، التي تضمنت التعريف بالفضل والمكانة وإظهار الحق؟
فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «إني النبأ الأعظم، والصديق الأكبر»، ويشير إلى صدره قائلاً: «إن هاهنا لعلماً جمّاً». وعندما سُئل عن صفة الموت قال: «على الخبير سقطتم».
ومن رجزه المشهور:
أنا الذي سمّتني أمي حيدرهْ
كليث غاباتٍ شديد القسورهْ
وهذه الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تخاطب الناس قائلة: «اعلموا أني فاطمة، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً».
ويعرّف الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) بنفسه فيقول: «فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير».
كما يصدح الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) في الشام بقوله: «أنا ابن مكة ومنى».
الخليفة عثمان بن عفان (رض)
ومن الشواهد التاريخية أيضاً ما ورد في صحيح البخاري عن الخليفة عثمان بن عفان (رض)، حين حُوصر، فذكّر الناس بفضائله وسابقته، قائلاً: «ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جهّز جيش العسرة فله الجنة، فجهزتهم؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة، فحفرتها؟».
فصدّقه الناس فيما قال.
ثالثاً: اختلاف الحكم باختلاف المقام والغاية
يتضح من ذلك أن تزكية النفس ليست مذمومة لذاتها، وإنما يتحدد حكمها بحسب الغرض والنية والظروف المحيطة بها؛ فقد تكون مذمومة حين تصدر عن الكِبر والعُجب، ومقبولة حين تقتضيها الحاجة أو المصلحة المشروعة.
ومن الشواهد على ذلك أن التفاخر في ميدان القتال قد يكون محموداً لما يحدثه من رهبة في نفوس الأعداء.
ففي يوم أُحد، اعتمّ أبو دجانة الأنصاري (رضي الله عنه)، وأرخى عذبة عمامته بين كتفيه، وجعل يتبختر في مشيته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن هذه مشية يبغضها الله عز وجل، إلا عند القتال في سبيل الله».
رابعاً: الفخر بالنفس في الشعر العربي
لم يكن الفخر بالنفس طارئاً على الثقافة العربية، بل عُدّ غرضاً شعرياً أصيلاً وفناً قائماً بذاته، تنوعت دوافعه بين الاعتزاز بالذات والقبيلة، وإبراز الشجاعة والكرم والمروءة والصفات الأخلاقية. وقد اختلفت مظاهره باختلاف العصور:
* العصر الجاهلي: ارتبط الفخر بظروف الحياة الصحراوية، فبرز الاعتزاز بالشجاعة والصبر وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف.
* العصر الإسلامي: اتجه الفخر من العصبية القبلية إلى الاعتزاز بالعقيدة والدفاع عن الدين ونصرة الحق.
* العصر العباسي وما بعده: اتخذ طابعاً فردياً وفلسفياً، وبرزت فيه النزعة الذاتية وتحدي الصعاب وإثبات المكانة الشخصية.
ومن أبرز شواهد الفخر في الشعر العربي:
عنترة بن شداد:
اشتهر عنترة باعتزازه بشجاعته وسمو أخلاقه، ورفضه الانتقاص من قدره بسبب لون بشرته، فقال:
لَئِنْ أَكُ أَسْوَدًا فَالْمِسْكُ لَوْنِي
وَمَا لِسَوَادِ جِلْدِي مِنْ دَوَاءِ
وَلَكِنْ تَبْعُدُ الْفَحْشَاءُ عَنِّي
كَبُعْدِ الْأَرْضِ عَنْ جَوِّ السَّمَاءِ
الفرزدق:
كان من أكثر الشعراء افتخاراً بنسبه وقومه، ومن قوله:
إِذَا غَسَّانُ لَمْ تَنْصُرْ أَبَانَا
فَعَوْفٌ تَنْصُرُ الْحَسَبَ الْمَنِيعَا
وَإِنْ تَكُ عَامِرٌ خَالَتْ عَلَيْنَا
فَقَدْ صَدَقَتْ وَقَدْ عَلِمَ الْجَمِيعَا
أبو الطيب المتنبي:
يُعد من أبرز الشعراء الذين عبّروا عن الاعتزاز بالذات وإثبات المكانة، ومن أشهر أبياته:
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الْأَعْمَى إِلَى أَدَبِي
وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي
وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ
وقال أيضاً:
أَنَا صَخْرَةُ الْوَادِي إِذَا مَا زُوحِمَتْ
وَغَيْرِي خَفَّاقُ النَّسِيمِ الْمُحَرَّمِ
خامساً: التعريف بالكفاءة والسيرة الذاتية
لم يقتصر التعريف بالنفس على المواقف الدينية أو ميادين الفخر الشعري، بل امتد إلى الحياة العملية، حيث اقتضت الحاجة أن يعرّف الإنسان بخبرته وعلمه وقدرته عند تولّي المسؤوليات العامة، أو ممارسة القضاء والتعليم وسائر المهن والحرف. فالغاية هنا ليست طلب الثناء، وإنما تمكين الآخرين من معرفة أهل الاختصاص والكفاءة، تحقيقاً لمبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
وفي العرف المعاصر، أصبح توثيق الإنجازات والمهارات والمؤهلات أمراً أساسياً من خلال ما يُعرف بالسيرة الذاتية (CV)، التي تُعد وثيقة معتمدة للتقديم على الوظائف في القطاعين العام والخاص، والقبول في الدراسات العليا، وغيرها من المجالات القائمة على معايير الكفاءة والاستحقاق.
ومن هذا الباب أيضاً إعلان المحامين والأطباء والمهندسين والحرفيين عن خبراتهم وإنجازاتهم المهنية، ليتمكن الناس من اختيار أصحاب الكفاءة والاختصاص.
الخلاصة
إن مدح النفس أو التعريف بإنجازاتها العلمية والأدبية والمهنية ليس مذموماً على إطلاقه؛ فذكر الفضائل قد يكون مشروعاً، بل مطلوباً، إذا اقتضته الحاجة، أو استهدف إحقاق الحق، أو حفظ الحقوق، أو تقديم نموذج يُحتذى به للأجيال، أو التعريف بالكفاءة اللازمة لتولّي مسؤولية أو ممارسة اختصاص.
وعليه، فإن المعيار ليس مجرد الحديث عن النفس، وإنما صدق ما يُذكر، ومشروعية الغاية، ووجود الحاجة، وانتفاء الغرور والرياء والتعالي على الآخرين.
فليس كل من مدح نفسه مغروراً، كما أن التواضع لا يعني إنكار الفضائل أو إخفاء الكفاءات؛ إذ قد يكون السكوت عنها تفريطاً في حق الذات، أو إضراراً بالمصلحة العامة.
إن المجتمع الذي يعيب على الإنسان أن يذكر فضائله وكفاءاته، قد يفتح المجال أمام الأقل كفاءة ليشغل المواقع التي يستحقها أصحاب الخبرة والاختصاص.
فكما أن الغرور آفة أخلاقية، فإن إخفاء الكفاءة عند الحاجة قد يكون تفريطاً في المسؤولية، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمصلحة الآخرين.
فالتواضع لا يعني أن تنكر ما تملك من فضائل، وإنما أن تعرف قدر نفسك دون أن تنتقص من قدر غيرك؛ وأن تذكر إنجازك حين تقتضي المصلحة ذلك، دون أن تحوّله إلى وسيلة للتعالي أو الانتقاص من الآخرين.
#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟