أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - «باغلياتشي» .. مأساة الإنسان خلف قناع المهرج















المزيد.....

«باغلياتشي» .. مأساة الإنسان خلف قناع المهرج


محمد عبيدو
شاعر و سينمائي


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 13:19
المحور: الادب والفن
    


استعادت أوبرا «باغلياتشي» (Pagliacci) للمؤلف الموسيقي الإيطالي روجيرو ليونكافالو حضورها على خشبة المسرح الجهوي «عبد المالك بوقرموح» ببجاية، يوم 18 أكتوبر 2026، ضمن فعاليات الطبعة الخامسة عشرة من المهرجان الثقافي الدولي للمسرح، من خلال عرض قدمته الفرقة الإيطالية «TIR Opera Urbana APS»، برؤية إخراجية للمخرجة لوتشيا فالكـو، جامعاً بين الغناء الأوبرالي والتمثيل الدرامي والتعبير الجسدي، في تجربة فنية أعادت طرح العلاقة المعقدة بين الفن والحياة، وبين الشخصية التي يؤديها الممثل والمشاعر التي يعيشها الإنسان بعيداً عن الأضواء.
ويستند العرض إلى تحفة ليونكافالو التي ظهرت عام 1892، وتُعد من أبرز نماذج الواقعية الموسيقية الإيطالية، إذ تنطلق من حكاية بسيطة ظاهرياً عن فرقة من الممثلين الجوالين، قبل أن تتطور إلى مأساة تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية، وتضع الغيرة والخيانة والألم في مواجهة مباشرة مع متطلبات العرض المسرحي.

من الفرجة الكوميدية إلى المأساة

تدور أحداث «باغلياتشي» حول كانيو، قائد فرقة مسرحية جوالة، يعيش علاقة مضطربة مع زوجته نيدا، التي تتطلع إلى التحرر من حياة الترحال والقيود التي تفرضها عليها حياة الفنانين المتنقلين. وفي الوقت الذي يحاول فيه كانيو الحفاظ على تماسك فرقته واستمرار عروضها، تنشأ علاقة عاطفية بين نيدا وشاب آخر، لتبدأ خيوط المأساة في التشكل خلف الكواليس.
تتصاعد الأحداث عندما تصل أخبار العلاقة إلى كانيو، فتتحول الغيرة إلى جرح عميق يمس كرامته ومشاعره. ومع ذلك، يجد نفسه مطالباً بالصعود إلى الخشبة وأداء دوره أمام الجمهور، وكأن شيئاً لم يحدث. وهنا يبدأ الصراع الحقيقي بين الإنسان والفنان، بين الرجل الذي يعيش انكساراً عاطفياً والممثل الذي يفترض أن يواصل إضحاك الآخرين.
لكن التناقض بين الداخل والخارج لا يستطيع الصمود طويلاً. فخلال العرض الكوميدي الذي تقدمه الفرقة، تتداخل مشاعر كانيو الحقيقية مع الحوار المسرحي، ويتحول أداؤه تدريجياً إلى مواجهة مع زوجته، متجاوزاً حدود النص الذي يفترض أن يلتزم به. وهكذا تفقد الخشبة وظيفتها بوصفها فضاءً للتمثيل، وتصبح مكاناً لانفجار المأساة، حيث تتحول الغيرة من إحساس داخلي إلى فعل مدمر. بهذا البناء الدرامي، لا تكتفي «باغلياتشي» بتقديم حكاية عن الخيانة الزوجية، بل تكشف كيف يمكن للمشاعر المكبوتة أن تهدم الحواجز بين الحياة والتمثيل، وكيف يصبح المسرح، في لحظة حاسمة، مرآة لحقيقة حاولت الشخصيات إخفاءها خلف الأقنعة.

قناع المهرج وهشاشة الإنسان

تكمن القوة التعبيرية للعمل في المفارقة بين الصورة الكوميدية للمهرج وحقيقته الإنسانية. فالشخص الذي يصنع الضحك على الخشبة قد يكون أكثر الناس ألماً خارجها، والفنان الذي يتقن رسم الابتسامة على وجهه لا يمتلك بالضرورة القدرة على إخفاء جراحه الداخلية.
ومن هذا التناقض تنبثق الدلالة الإنسانية العميقة للأوبرا؛ إذ يصبح قناع المهرج رمزاً للأدوار التي يضطر الإنسان إلى أدائها أمام الآخرين، حتى عندما تتعارض مع مشاعره الحقيقية. فالجمهور يرى الشخصية التي يقدمها الفنان، لكنه لا يرى بالضرورة ما يعتمل داخله من خوف وغيرة وحزن وانكسار.
وتتجاوز هذه الفكرة حدود المسرح لتلامس الحياة اليومية، حيث يرتدي الإنسان أقنعة اجتماعية مختلفة، ويحاول إخفاء ضعفه أو ألمه حفاظاً على صورته أمام الآخرين. غير أن «باغلياتشي» تكشف أن هذه الأقنعة لا تستطيع دائماً احتواء المشاعر، وأن الحقيقة قد تنفجر في أكثر اللحظات التي يبدو فيها كل شيء خاضعاً للنظام والسيطرة.
كما تطرح الأوبرا تساؤلات حول طبيعة الحب حين يتحول إلى تملك، والغيرة حين تتجاوز حدود الشعور لتصبح رغبة في السيطرة على الآخر. ولا تنبع مأساة كانيو من انكشاف الخيانة وحده، بل من عجزه عن الفصل بين جرحه الشخصي والدور الذي يؤديه، وهو ما يجعل النهاية نتيجة لتراكم التوترات النفسية والدرامية.

الغناء والموسيقى في خدمة الدراما

في تقديمها للعمل ضمن مهرجان بجاية، اعتمدت فرقة «TIR Opera Urbana APS» صيغة فنية تجمع بين الغناء الأوبرالي الحي والأداء التمثيلي والحركة الجسدية، مع مصاحبة موسيقية على البيانو، بما يمنح الشخصيات مساحة للتعبير عن تحولاتهم النفسية من خلال الصوت والحركة والإيقاع.
وشارك في العرض التينور سالفاتوري رومي، والسوبرانو مارتينا باريكا، والباريتون دافيدي كانيبا، فيما تولت ميكيلا فاردا العزف على البيانو والإدارة الموسيقية، وأسهمت في ضبط الإيقاع العام للعمل ومواكبة الانتقالات بين لحظاته الدرامية.
ويؤدي الغناء في هذا العمل وظيفة تتجاوز استعراض القدرات الصوتية؛ فهو لغة درامية تكشف ما تعجز الشخصيات عن قوله في الحوار العادي. فالصوت الأوبرالي، بما يحمله من امتداد وانفعال وتدرجات تعبيرية، يمنح المشاعر كثافة خاصة، ويجعل التوتر الداخلي مسموعاً ومرئياً في آن واحد. أما البيانو، فيؤدي دوراً أساسياً في مرافقة الأصوات وتشكيل المناخ الموسيقي للمشاهد، رابطاً بين الأداء الغنائي والحركة المسرحية. ومن خلال هذا التكامل، تتقدم الموسيقى بوصفها عنصراً فاعلاً في بناء الدراما، لا مجرد خلفية ترافق الأحداث.
وتعكس هذه الصيغة حرص المخرجة لوتشيا فالكـو على تقديم قراءة تجمع بين خصوصية الأوبرا وتعدد وسائل التعبير المسرحي، مع التركيز على قدرة المؤدين على نقل التحولات العاطفية للشخصيات وإيصالها إلى المتلقي.
اكتسب العرض أهمية إضافية من خلال تقديمه أمام جمهور مهرجان بجاية، الذي أتاح له فرصة اكتشاف الأوبرا في صيغة حية، تجمع الصوت والموسيقى والحركة على الخشبة.
وقد لفت المخرجة لوتشيا فالكـو حضور جمهور شاب في معظمه، وهو ما أثار دهشتها، بحسب تصريحها عقب العرض، مقارنة بطبيعة جمهور الأوبرا في إيطاليا، الذي يميل، وفق ملاحظتها، إلى الفئات الأكبر سناً.
ويشير هذا التفاعل إلى إمكان توسيع دائرة المهتمين بالفنون الأوبرالية، خصوصاً عندما تُقدَّم في فضاءات ثقافية تتيح الاحتكاك المباشر بها، وتفتح المجال أمام الأجيال الجديدة لاكتشاف أشكال فنية قد تبدو بعيدة عن اهتماماتها، لكنها تحمل موضوعات إنسانية قادرة على التواصل معها.
وجاءت المشاركة بدعم من المعهد الثقافي الإيطالي بالجزائر وبرعاية بلدية كيانوكو، في إطار تعزيز التبادل الثقافي والفني بين البلدين. كما كان مقرراً تقديم العرض يوم 19 أكتوبر على خشبة المسرح الوطني الجزائري «محيي الدين بشطارزي» بالعاصمة، ضمن البرنامج الجزائري للفرقة.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاركة على استضافة عمل كلاسيكي من التراث الموسيقي الإيطالي، بل تمتد إلى إتاحة فرصة للتفاعل بين تقاليد فنية مختلفة، وتأكيد قدرة المسرح على بناء جسور التواصل بين الثقافات من خلال موضوعات تتجاوز الحدود واللغات.

حين تتطابق الخشبة مع الحياة

تظل «باغلياتشي» عملاً مفتوحاً على قراءات متعددة، لأنها لا تتوقف عند حدود حكاية الغيرة والخيانة، بل تذهب إلى جوهر العلاقة بين الإنسان والصورة التي يقدمها عن نفسه أمام الآخرين.
فالممثل الذي يصعد إلى الخشبة ليؤدي دوراً مكتوباً قد يجد نفسه عاجزاً عن السيطرة على مشاعره، والإنسان الذي يحاول الفصل بين حياته الخاصة وعمله قد يكتشف أن الجرح الداخلي قادر على اختراق أكثر الأدوار إحكاماً.
ومن هنا، تستمد الأوبرا قدرتها على الاستمرار؛ فهي لا تقدم مأساة مرتبطة بزمن محدد، بقدر ما تطرح أسئلة متجددة عن الحب والألم والكرامة، وعن قدرة الفن على كشف التناقضات التي تحكم النفس البشرية.
لقد أعادت فرقة «TIR Opera Urbana APS»، من خلال عرضها في مهرجان بجاية، تقديم عمل كلاسيكي لا يزال يحتفظ بقوته الدرامية، مستندة إلى تفاعل الغناء والموسيقى والتمثيل في بناء حكاية يتحول فيها المهرج من صانع للضحك إلى شخصية مأساوية، وينقلب العرض من فرجة ينتظر الجمهور نهايتها إلى مواجهة تكشف حقيقة المشاعر المختبئة خلف الأقنعة.
وهكذا، تؤكد «باغلياتشي» أن المسرح ليس مجرد مساحة لتقمص الشخصيات وإعادة إنتاج الحكايات، بل فضاء لاختبار الحقيقة الإنسانية، حيث قد تكون المسافة بين التمثيل والواقع أقصر مما نتصور، وحيث لا يستطيع قناع المهرج، مهما أتقن صاحبه ارتداءه، أن يخفي الألم إلى الأبد.



#محمد_عبيدو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -بذرة الشقاق-.. مسرحية سنغالية تحذّر من تحوّل الخلافات البسي ...
- نجوم هوليوود وفلسطين… حين يتحول التضامن إلى موقف وثمن
- المسرح والأنثروبولوجيا في مهرجان بجاية الدولي للمسرح: الممثل ...
- -المهرجون- الإيطالية في مهرجان بجاية.. يسقط قناع المهرج وتتك ...
- سيباستياو سالغادو أحد أعظم المصورين في عصرنا
- -أسوار من طين-… تحول الصحراء إلى مرآة للتمرد
- اسم الوردة : عودة سينمائية للقرون الوسطى
- فيلم «رُقية» حكاية غامضة تتقاطع فيها الذاكرة مع العنف والتطر ...
- افلام قصيرة ترصد تحولات المكان والإنسان في اليوم الثالث من ل ...
- اليوم الثاني من لقاءات بجاية السينمائية.. الذاكرة والحصار وا ...
- اليوم الأول من لقاءات بجاية السينمائية.. من بحر غزة إلى جاكر ...
- الملابس في السينما: لغة صامتة تبني المعنى والهوية
- ميشيل برولت: عينٌ صنعت ذاكرة كيبيك السينمائية
- راندي أولسون: تحوّل عالم الأحياء إلى إثنوغرافي بالكاميرا
- جون ل. إسبوزيتو... الرجل الذي اختار أن يفهم الإسلام بدل أن ي ...
- جان بول رابينو.. مخرج -سيرانو دي بيرجراك- وأحد كبار صناع الس ...
- خيط الروح
- السينماتيك الجزائرية تستحضر أنيس جعاد وأرزقي العربي بعروض خا ...
- بيونة… ضحكة الجزائر التي صارت ذاكرة
- محمد عهد بنسودة… رحيل مخرج اشتغل على العزلة والإنسان بصمتٍ ج ...


المزيد.....




- صفاء سلطان في ورطة بسبب العلم السوري القديم
- أمل عرفة تخوض أولى تجاربها في الدراما السعودية عبر -ليل خرمس ...
- بعد العوضي.. محمد رمضان يثير الجدل برسالة إلى أحمد فلوكس
- انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن ...
- السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم ...
- من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في ...
- زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا ...
- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - «باغلياتشي» .. مأساة الإنسان خلف قناع المهرج