أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد عبيدو - جون ل. إسبوزيتو... الرجل الذي اختار أن يفهم الإسلام بدل أن يخشاه















المزيد.....

جون ل. إسبوزيتو... الرجل الذي اختار أن يفهم الإسلام بدل أن يخشاه


محمد عبيدو

الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 11:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ليس من المعتاد أن يحظى أكاديمي أمريكي غير مسلم بمكانة خاصة في الوجدان الإسلامي، وأن تتحول كتبه إلى مراجع معتمدة في الجامعات، وأن يُستشهد بأفكاره في المساجد كما في قاعات البحث العلمي. لكن جون ل. إسبوزيتو لم يكن باحثًا عاديًا، بل كان استثناءً في زمن امتلأ بالأحكام المسبقة، وصوتًا أكاديميًا نادرًا اختار المعرفة طريقًا لمواجهة الخوف، والحوار سبيلًا لتجاوز الصور النمطية.
برحيله في الخامس عشر من يوليو/تموز 2026 عن عمر ناهز السادسة والثمانين، فقدت الدراسات الإسلامية أحد أبرز أعلامها في الغرب، كما فقد العالم العربي والإسلامي صديقًا ظل لأكثر من نصف قرن يدافع عن حق المسلمين في أن يُعرَّفوا من خلال حضارتهم وقيمهم، لا عبر الصور التي صنعتها السياسة والإعلام والخطابات المتطرفة.
ولد جون لويس إسبوزيتو عام 1940 في حي بروكلين بمدينة نيويورك داخل أسرة كاثوليكية متدينة من أصول إيطالية. لم يكن أحد يتوقع أن يصبح ذلك الفتى الذي أمضى سنوات شبابه في دير للرهبان الكبوشيين أحد أشهر المتخصصين في الإسلام في العالم. فقد كان مشروع حياته الأول أن يصبح كاهنًا، حيث عاش عقدًا كاملًا في حياة الرهبنة، ملتزمًا بالصلاة والصمت والانضباط، قبل أن يقرر مغادرة الدير وهو على بعد عامين فقط من الرسامة الكهنوتية. لم يكن خروجه تمردًا على الإيمان، بل بداية رحلة جديدة للبحث عن الحقيقة خارج الأسوار الضيقة.
في تلك المرحلة لم يكن الإسلام حاضرًا في اهتماماته. كان يدرّس اللاتينية واللاهوت، إلى أن دفعه أحد أساتذته إلى الالتحاق بمساق عن الإسلام، وهو القرار الذي اعترف لاحقًا بأنه غيّر حياته بالكامل. هناك اكتشف دينًا لم يكن يشبه الصورة التي رسختها المخيلة الغربية، بل وجد تراثًا يعترف بالأنبياء، ويوقر المسيح وأمه مريم، ويقيم علاقة عميقة مع الديانات الإبراهيمية الأخرى. كانت تلك المفاجأة الفكرية الشرارة الأولى لمشروع علمي امتد أكثر من ستين عامًا.

قادته هذه الرحلة إلى جامعة تمبل، حيث التقى بالمفكر الفلسطيني الأمريكي إسماعيل راجي الفاروقي، أحد أبرز رواد الدراسات الإسلامية في الغرب. لم يكن الفاروقي مجرد أستاذ جامعي، بل كان المعلم الذي فتح أمام تلميذه الأمريكي بابًا جديدًا لفهم الإسلام من داخله، بعيدًا عن الإرث الاستشراقي التقليدي. ظل إسبوزيتو طوال حياته يردد أن الفاروقي غيّر مسار تفكيره، وأنه كان أول طالب دكتوراه أشرف عليه هذا المفكر الكبير، وهي علاقة علمية وإنسانية تركت بصمتها الواضحة على مجمل أعماله اللاحقة.
لم يكن اختيار الدراسات الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي طريقًا مضمونًا. كان هذا الحقل هامشيًا في الجامعات الأمريكية، ولم يكن يعد صاحبه بمستقبل أكاديمي لامع. لكن إسبوزيتو اختار أن يسلك الطريق الأصعب. بدأ التدريس في كلية هولي كروس، ثم انتقل عام 1993 إلى جامعة جورجتاون، حيث أسس مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي، الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أهم المراكز العالمية المتخصصة في الحوار بين الأديان ودراسة العلاقات الإسلامية الغربية. هناك لم يكتف بالتدريس والبحث، بل صنع فضاءً أكاديميًا جمع علماء الدين والسياسة والاجتماع في محاولة لفهم العالم الإسلامي بعيدًا عن الاستقطاب الأيديولوجي.
كان يؤمن بأن المعرفة الحقيقية لا تولد داخل المكاتب وحدها، لذلك جاب العالم الإسلامي من المغرب العربي إلى جنوب شرق آسيا، وزار مصر والسودان والأردن والكويت وباكستان وماليزيا وإندونيسيا والهند ولبنان، والتقى علماء الدين والمثقفين وقادة الحركات الإسلامية. تعلم العربية في لبنان، وأصر على أن فهم الإسلام لا يتحقق بقراءة النصوص وحدها، بل بمعايشة المجتمعات التي تعيش هذا الدين في تفاصيل حياتها اليومية. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة التي لخصت منهجه: "إذا أردت أن تعرف ما يؤمن به الناس، فأنت بحاجة إلى النص والسياق معًا".

هذا المنهج انعكس في مؤلفاته التي تجاوزت الخمسين كتابًا، وأصبحت مراجع أساسية في الجامعات الغربية والعربية. فمن "الإسلام: الصراط المستقيم" إلى "الإسلام والسياسة"، مرورًا بـ "التهديد الإسلامي: خرافة أم حقيقة؟" و"من يتحدث باسم الإسلام؟" و"ما يجب أن يعرفه الجميع عن الإسلام" و"الإسلاموفوبيا: تحدي التعددية في القرن الحادي والعشرين"، لم يكن هدفه الدفاع عن الإسلام بقدر ما كان يسعى إلى تقديمه كما يفهمه المسلمون أنفسهم، بعيدًا عن الاختزال الإعلامي والخطابات الأيديولوجية. كما أشرف على أهم الموسوعات المرجعية الصادرة عن جامعة أكسفورد، مثل "قاموس أكسفورد للإسلام" و"تاريخ أكسفورد للإسلام" و"موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي"، وهي أعمال كرست مكانته كأحد أبرز بناة المعرفة الإسلامية في الغرب.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وجد إسبوزيتو نفسه في قلب واحدة من أكثر المعارك الفكرية حساسية. ففي الوقت الذي كانت فيه قطاعات واسعة من الإعلام والسياسة الغربية تميل إلى ربط الإسلام بالعنف، اختار هو طريقًا أكثر صعوبة، مؤكدًا أن الإرهاب لا يمثل الإسلام، وأن محاكمة أكثر من مليار مسلم بأفعال جماعات متطرفة لا تختلف عن محاكمة المسيحية أو اليهودية بأفعال متطرفين ينتسبون إليهما. عارض بقوة أطروحة "صدام الحضارات" لصمويل هنتنغتون، ورأى أنها تحول الاختلاف الثقافي إلى قدر محتوم، بينما كان يؤمن بأن المعرفة والحوار قادران على بناء مستقبل مختلف.
لم تمر هذه المواقف دون ثمن. فقد تعرض لهجمات عنيفة من بعض الأوساط المحافظة التي اتهمته بتبرير الإسلام السياسي أو بالدفاع عن المسلمين، لكنه كان يرى أن مهمة الباحث ليست الانحياز للأيديولوجيا، بل الانحياز للحقيقة. رد على منتقديه بالبحث والدليل، واستمر في الكتابة والتدريس دون أن يغير قناعاته، حتى أصبح اسمه مرادفًا للموضوعية في الدراسات الإسلامية المعاصرة.
وفي سنواته الأخيرة، ركز اهتمامه على ظاهرة الإسلاموفوبيا، فأسس "مبادرة الجسر" في جامعة جورجتاون لرصد خطاب الكراهية ضد المسلمين وتحليل جذوره السياسية والإعلامية. كان يرى أن الخوف من الإسلام لم يعد مجرد موقف ثقافي، بل تحول إلى صناعة متكاملة تستثمر فيها السياسة والإعلام، وأن مقاومة هذه الظاهرة تبدأ بالمعرفة الدقيقة، لا بالشعارات. وحتى في وصيته بعد وفاته، طلب أن تُوجَّه التبرعات إلى هذه المبادرة بدلًا من إرسال الزهور، في إشارة إلى أن مشروعه الفكري يجب أن يستمر بعد رحيله.
المفارقة التي صنعت فرادة إسبوزيتو أنه ظل كاثوليكيًا ملتزمًا طوال حياته، ولم ير في ذلك أي تناقض مع احترام الإسلام والدفاع عن المسلمين. كان يردد أن الإيمان الحقيقي لا يكتمل إلا بالقدرة على فهم الآخر، وأن العلاقات بين الأديان ينبغي أن تبنى على التفاهم لا على الخوف. لذلك اكتسب احترامًا واسعًا في العالم الإسلامي، حتى إن خطباء مساجد أوصوا بقراءة كتبه لفهم الإسلام، في مشهد نادر لعالم مسيحي يصبح مرجعًا يثق به مسلمون في قضايا دينهم.
حاز خلال مسيرته العلمية جوائز مرموقة، من بينها جائزة مارتن إي. مارتي للفهم العام للدين، وجائزة قائد أعظم الباكستانية، كما ترأس أكبر الهيئات الأكاديمية المتخصصة في الدراسات الدينية ودراسات الشرق الأوسط، وقدم استشارات للحكومات والمؤسسات الدولية ووسائل الإعلام العالمية. غير أن إرثه الحقيقي لم يكن في المناصب ولا الجوائز، بل في الأثر الذي تركه في أجيال من الباحثين الذين تعلموا منه أن دراسة الإسلام لا تكون بالتصورات المسبقة، وإنما بالبحث الرصين والإنصاف العلمي.
برحيل جون ل. إسبوزيتو، خسر العالم واحدًا من أكثر الأصوات اتزانًا في زمن الاستقطاب. لقد كان أكاديميًا حمل قلمه بدل الأحكام الجاهزة، وجعل من الجامعة جسرًا بين الحضارات، ومن البحث العلمي وسيلة لمقاومة الكراهية. وربما لهذا السبب لم يكن حضوره مقتصرًا على قاعات الجامعات، بل امتد إلى وجدان ملايين القراء الذين وجدوا في كتبه دعوة صادقة إلى أن يكون الاختلاف بداية للحوار، لا ذريعة للصدام. سيظل اسمه حاضرًا كلما طُرح سؤال العلاقة بين الإسلام والغرب، لأن مشروعه لم يكن دفاعًا عن دين بعينه، بل دفاعًا عن حق المعرفة في الانتصار على الخوف، وعن قدرة الثقافة على بناء جسور تعجز السياسة



#محمد_عبيدو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جان بول رابينو.. مخرج -سيرانو دي بيرجراك- وأحد كبار صناع الس ...
- خيط الروح
- السينماتيك الجزائرية تستحضر أنيس جعاد وأرزقي العربي بعروض خا ...
- بيونة… ضحكة الجزائر التي صارت ذاكرة
- محمد عهد بنسودة… رحيل مخرج اشتغل على العزلة والإنسان بصمتٍ ج ...
- عبد الهادي بلخياط… القمر الأحمر الذي أضاء ذاكرة الطرب
- رويشد والكوميديا الجزائرية
- انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين ...
- - بابل- : سينما العولمة وسوء الفهم الإنساني
- صنع الله إبراهيم (1937 – 2024) سيرة كاتب جعل من الكتابة فعلا ...
- مصطفى الحسن… أسطورة السينما النيجيرية ورائد الرسوم المتحركة ...
- محمد بكري… حين يصبح الفن شهادة والذاكرة موقفًا
- سينما الغجر: حين يتحوّل الهامش إلى سردٍ إنساني متمرّد
- -واتو ووتي / جميعنا-… حين تنتصر الإنسانية على الخوف
- مدائح لروحك الغريبة
- -بين أو بين-... حين يلتقي الخيال بالواقع على الحدود الجزائري ...
- سينما كيبيك في بجاية: تنوّع الرؤى وتقاطعات الهوية
- الشحوب والظلال
- السينما الإفريقية تفقد المخرج المالي سليمان سيسي(1941-2025)
- معرض الفنان -ميزو- بدار نحلة بقصبة الجزائر .. رؤية تشكيلية ب ...


المزيد.....




- إيهود أولمرت لـCNN: ما يجري في الضفة الغربية -تطهير عرقي- وي ...
- -الحرس الثوري- يحمل -انفصاليين- مسؤولية مقتل رجل دين كردي سن ...
- مدير دائرة الإعلام بمحافظة القدس: موسم الأعياد اليهودية من أ ...
- تحذير فلسطيني من استغلال الأعياد اليهودية لفرض وقائع بالأقصى ...
- بعد اتهامه بالتعاون مع الحرس الثوري.. جماعة كردية تغتال رجل ...
- دول عربية وإسلامية ترحّب بقرار بريطانيا حظر منتجات المستوطنا ...
- محافظة القدس تحذر من استغلال الأعياد اليهودية لفرض وقائع في ...
- العراق.. الأذان يصدح منذ 148 عاما بجامع عثماني في كركوك
- جملة قالها عبدالرحمن نجل يوسف القرضاوي بأول رسالة بعد عفو ال ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى وسط إجراءات أمنية مشد ...


المزيد.....

- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد عبيدو - جون ل. إسبوزيتو... الرجل الذي اختار أن يفهم الإسلام بدل أن يخشاه