أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - - بابل- : سينما العولمة وسوء الفهم الإنساني















المزيد.....

- بابل- : سينما العولمة وسوء الفهم الإنساني


محمد عبيدو

الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 22:20
المحور: الادب والفن
    


يقدّم فيلم «بابل» (2006) للمخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو واحدة من أكثر التجارب السينمائية طموحًا، ليس فقط على مستوى البناء السردي المتشظي، بل في رهانه الجمالي والفكري على مساءلة العالم المعاصر، عالم العولمة، والحدود، واللغات، وسوء الفهم الإنساني. فالفيلم، الممتد على ثلاث قارات من العالم ويروي أربعَ قصصٍ بأربعِ لغاتٍ مختلفة هي العربية والإنجليزية والإسبانية واليابانية، لا يسعى إلى حكاية قصة واحدة بقدر ما يحاول الإمساك بخيط خفي يربط مصائر بشر لا يعرف بعضهم بعضًا، لكنهم يتشاركون الهشاشة ذاتها أمام عبث المصادفة وقسوة الواقع. قصصٌ تشُدكَ ببساطتِها وحِبكتها المُتقنة في الآن نفسه. تنتَقلُ عدسةُ المُخرج من بلدٍ لآخر وتنتقلُ معها تفاصيلُ التجاربُ الإنسانية ما بينَ شقاءٍ وكفاحٍ للعيشِ بكرامة والبحثِ عن الذات وسطَ متاهاتِ العالم.
ينطلق «بابل» من حدث بسيط ظاهريًا: بندقية صيد تنتقل من يد إلى أخرى، من اليابان إلى المغرب، لتُطلق رصاصة طائشة تغيّر حياة الجميع. هنا، يستثمر إيناريتو وكاتب السيناريو غييرمو أرياغا ما يُعرف بـ«تأثير الفراشة»، حيث يتحوّل فعل عابر وغير مقصود إلى سلسلة من الكوارث الأخلاقية والسياسية والإنسانية. غير أن الفيلم لا يقدّم هذا الترابط بوصفه لعبة سردية فحسب، بل بوصفه رؤية للعالم: عالم مترابط ظاهريًا، لكنه مفكك عاطفيًا وثقافيًا.
في الحكاية المغربية، يرسم الفيلم صورة قاسية للهامش: الفقر، العزلة، وسوء الفهم الذي يحوّل طفلين بريئين إلى «إرهابيين» في نظر الإعلام العالمي. يحاول طفلان صغيران تجريب بندقية اشتراها والدهما، يطلقان رصاصة بدون هدف ولا اتجاه، لكنها تصيب سائحة أمريكية (كيت بلانشيت) التي تخوض برفقة زوجها (براد بيت) وعدد من السياح الأمريكيين رحلة استكشاف. هذا الحادث سيولد الكثير من القلق والذعر وسط السياح، فالتأويل الذي صارت تجهر به الألسن، هو: "الرصاصة ـ قد يكون ـ أطلقها إرهابي..."، يتخاذل السياح الأجانب في مساعدة ريشتارد وزوجته، لكن الدليل المغربي كان حاضرا لمساعدتهم، يتجه سائق الحافلة إلى أقرب قرية بحثا عن طبيب أو وسيلة لإيقاف النزيف والحد من خطورة الجرح الغائر، وتضطر سوزان، أخيراً، إلى الخضوع لأسلوب القرويين المغربيين في الإسعاف الطارئ الرصاصة التي أطلقها الصبيان بدافع الفضول تتحوّل، بفعل الخطاب السياسي والإعلامي، إلى تهديد أمني دولي. هنا، يُعرّي «بابل» آليات التصنيف السريع، وكيف تُختزل حياة البشر في عناوين إخبارية جاهزة، بينما تُمحى إنسانيتهم الفردية. في المقابل، يُظهر الفيلم مفارقة أخلاقية لافتة: إنسانية القرويين المغاربة البسطاء، مقابل خوف السياح الغربيين وأنانيتهم.
تتوصل عناصر الشرطة إلى صاحب البندقية، ينهالون عليه بالضرب، فيعترف بأنه حصل عليها هدية من سائح ياباني، وهنا تبدأ الحكاية الثانية، وهي الأكثر حميمية وتجريدًا. ففي اليابان يبحث ضابط شرطة عن مدير مصرف بنكي، لاستجوابه بشأن البندقية، فتقترب الكاميرا منه ومن تفاصيل حياته اليومية، خصوصا ابنته البكماء التي تعاني من إحساس فظيع بالوحدة، وعاجزة عن التواصل في مجتمع شديد الانضباط، وانشغال أبيها بعد انتحار أمها والتي تبحث عن الخلاص من ضغط هذا الشعور الرهيب، فتبحث عن صداقة ودفء انساني حتى أنها تفاجئ الطبيب بتكرار محاولات تقبيله أثناء فحص أسنانها. وترتبط بضابط الشرطة في علاقة عاطفية... تمثّل القصة بُعدًا آخر من «بابل»: العزلة داخل الحداثة. صمت تشيكو ليس مجرد إعاقة جسدية، بل استعارة لانقطاع التواصل الإنساني حتى داخل اللغة الواحدة. إنّها «بابل» الداخلية، حيث يفشل الكلام، وتصبح الجسدانية والانفعالات محاولات يائسة للقول.
وهنا تنتهي هذه الحكاية الثانية لتنبثق حكاية ثالثة تدور في كاليفورنيا، فهناك في الجنوب الغربي من أمريكا تشرع الشرطة في البحث مع شقيق المرأة المصابة "شيكو"، الذي يحاول الهرب، عن طريق الحدود "الميكسيكو ـ أمريكية"...
الحكاية الأمريكية ـ المكسيكية تكشف وجهًا آخر من وجوه الظلم المعاصر: الهجرة غير الشرعية، والحدود بوصفها خطوطًا قاسية تفصل بين البشر أكثر مما تحميهم. شخصية أميليا، الخادمة المكسيكية، تُجسّد التناقض المؤلم بين الإخلاص الإنساني والقسوة القانونية. فهي «أم» بديلة للأطفال، لكنها تُعامل كجريمة متنقلة عند أول خطأ. هنا، يتخلى الفيلم عن أي خطاب أخلاقي مباشر، ويترك المشاهد أمام مأزق إنساني معقّد، حيث لا يوجد خير مطلق ولا شر مطلق. الفيلم يؤكد أن: اختلاف اللغات والثقافات البشرية، لا يلغي اشتراكهم في نفس الهواجس...
أسلوبيًا، يعتمد إيناريتو على سرد غير خطي، وتقطيع زمني يُشرك المتفرج في بناء المعنى، لا استهلاكه. كما تلعب الصورة، بعدسة رودريغو بريتو، دورًا أساسيًا في خلق التوتر الوجودي للفيلم، من قسوة الصحراء المغربية إلى برودة المدينة اليابانية. وتأتي الموسيقى، التي نالت الأوسكار، لتعمّق الإحساس بالمأساة الإنسانية العابرة للثقافات.
لكن «بابل» ليس فيلمًا بلا إشكاليات. فبعض النقاد رأوا فيه نزعة تعميمية، تُساوي بين ضحايا غير متساوين في عالم تحكمه علاقات قوة غير عادلة. كما أن التركيز العاطفي الأكبر يبقى موجّهًا نحو الشخصيات الغربية، ما يعيد إنتاج مركزية خفية، رغم الخطاب الإنساني الشامل.
مع ذلك، يظل «بابل» عملًا سينمائيًا بالغ الأهمية، لأنه لا يدّعي امتلاك الإجابات، بل يضعنا أمام أسئلة مؤلمة: هل يمكن للعالم أن يتفاهم حقًا؟ وهل اللغة، التي يفترض أن توحّد البشر، ليست سوى شكل آخر من أشكال العزلة؟ في هذا المعنى، يستعيد الفيلم أسطورة برج بابل لا بوصفها حكاية دينية، بل بوصفها قدرًا إنسانيًا متجددًا: نحن متصلون أكثر من أي وقت مضى، لكننا نفهم بعضنا أقل من أي وقت مضى.
سيناريو: غولير ارياغا, و أليخاندورو غونزاليز انيرتو
إخراج : أليخاندورو غونزاليز انيرتو
بطولة: براد بيت, كايت بلانتشت, رينكو كيكوتشي, بو بكر عيد السعيد, مصطفى رشدي, غايل غارسيا بيرنال, كوجي ياكوشو و ادريانا بارازا
تصوير السينمائي: رودريغو بريتو
مدة الفيلم 143 دقيقة
فاز ب 28 جائزة منهم نال عنه غونزاليس جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان 2006 كما فاز الفيلم بجائزة أفضل دراما سينمائية في غولدن غلوب "الكرة الذهبية" اضافة الى جائزة الاوسكار لأفضل موسيقى تصويرية 2007.



#محمد_عبيدو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صنع الله إبراهيم (1937 – 2024) سيرة كاتب جعل من الكتابة فعلا ...
- مصطفى الحسن… أسطورة السينما النيجيرية ورائد الرسوم المتحركة ...
- محمد بكري… حين يصبح الفن شهادة والذاكرة موقفًا
- سينما الغجر: حين يتحوّل الهامش إلى سردٍ إنساني متمرّد
- -واتو ووتي / جميعنا-… حين تنتصر الإنسانية على الخوف
- مدائح لروحك الغريبة
- -بين أو بين-... حين يلتقي الخيال بالواقع على الحدود الجزائري ...
- سينما كيبيك في بجاية: تنوّع الرؤى وتقاطعات الهوية
- الشحوب والظلال
- السينما الإفريقية تفقد المخرج المالي سليمان سيسي(1941-2025)
- معرض الفنان -ميزو- بدار نحلة بقصبة الجزائر .. رؤية تشكيلية ب ...
- «السرديات البيئية.. نحو نقد بيئي للرواية العربية» كتاب جديد ...
- المهرجان الوطني للمسرح الفكاهي طبعة ناجحة تحت شعار -الكوميدي ...
- المؤرخة والكاتبة الأمريكية أليس كابلان تقدم روايتها عن الفنا ...
- غياب الفنان التشكيلي والسينوغراف والسينمائي أرزقي العربي
- أميرة الراي الشابة -نورية-
- رغبة غامضة ****!
- وفاة المخرجة شيرين غيث
- تسرب عبر الشجن مصيرك
- مارك غارانغر غياب مصور كبير وموثق وجوه جزائرية


المزيد.....




- -خروج آمن- و-لمن يجرؤ- يشاركان في مهرجان برلين السينمائي
- روسيا: الرواية الأمريكية حول تشكيل موسكو تهديدا على غرينلاند ...
- الممثل الأميركي ويل سميث يزور أهرامات الجيزة في مصر
- -الذكاء الاصطناعي.. ببساطة-: دليل جديد لهيلدا معلوف ملكي يفك ...
- كضيف شرف معرض القاهرة الدولي للكتاب: رومانيا تستعرض تراثها ا ...
- هل يقود العدوان على غزة لتعليق مشاركة إسرائيل في بينالي فيني ...
- عقدان من تدريس الأمازيغية.. ماذا يحول دون تعميم تدريس لغة ال ...
- -أوبن إيه آي- تطلق نسخة مخصصة للترجمة من -شات جي بي تي-
- العمدة الشاعر الإنسان
- إيران في مرآة السينما: كيف تُصوّر الأفلام مجتمعا تحت الحصار؟ ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - - بابل- : سينما العولمة وسوء الفهم الإنساني