أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - صنع الله إبراهيم (1937 – 2024) سيرة كاتب جعل من الكتابة فعلاً مقاوماً














المزيد.....

صنع الله إبراهيم (1937 – 2024) سيرة كاتب جعل من الكتابة فعلاً مقاوماً


محمد عبيدو

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 12:02
المحور: الادب والفن
    


وُلد الأديب المصري الكبير صنع الله إبراهيم عام 1937، وعاش حياته وفياً للحرف، نزيهاً في مواقفه، زاهداً في الأضواء، ومؤمناً بأن الأدب لا ينفصل عن الموقف الأخلاقي والسياسي. لم يرَ في الكتابة ترفاً جمالياً، بل مسؤولية تاريخية، وفعلاً مقاوماً في مواجهة القمع، والنسيان، وتزييف الوعي.

منذ خطواته الأولى مع روايته الأولى «تلك الرائحة» (1966)، التي شكّلت صدمة في المشهد الأدبي العربي، أعلن صنع الله إبراهيم تمرده على الأشكال التقليدية للسرد. قدّمت الرواية صورة قاتمة لشاب يخرج من السجن ليصطدم بفراغ وجودي ومجتمع فاقد للبوصلة، فواجهت المنع والمصادرة بدعوى “البذاءة”، ولم تُنشر كاملة إلا بعد عشرين عاماً. ومع ذلك، ستُعدّ لاحقاً واحدة من العلامات الفارقة في تطور الرواية العربية الحديثة.

تكوّنت تجربة صنع الله إبراهيم الإبداعية من مسار حياتي قاسٍ وغني في آن واحد: من السجن إلى المنافي، ومن الصحافة إلى الأدب والسينما. هذه التجربة جعلته شاهداً حيّاً على تحولات القرن العشرين العربي، وصوتاً صريحاً في مواجهة السلطة، حتى حين كلّفه ذلك الإقصاء أو الحرمان من الجوائز. فقد اختار دائماً أن يحمي مبادئه، لا أن يساوم عليها.

ابتكر صنع الله إبراهيم أسلوباً سردياً متفرّداً، مزج فيه بين السرد الأدبي والوثيقة التاريخية، ليؤسس ما عُرف لاحقاً بـ**«الرواية التسجيلية»**. في هذا الشكل الجديد، تحوّل التوثيق إلى عنصر جمالي، وأداة لكشف الحقائق السياسية والاجتماعية، دون أن يفقد النص روحه الإبداعية أو طاقته التخيلية. وقد استند هذا الخيار الجمالي إلى خلفية فكرية نقدية وتجربة سياسية عميقة، بدأت منذ انخراطه المبكر في العمل السياسي.

إلى جانب الرواية، دخل صنع الله إبراهيم عالم السينما من باب الكتابة. ففي عام 1973، عاش في موسكو مع المخرج السينمائي السوري محمد ملص، حيث تقاسما غرفة صغيرة في بيت طلاب معهد السينما، وكتبا معاً سيناريو مشروع تخرّج ملص، الذي تناول تجربة السجن المصري وهزيمة عام 1967. كما أسهمت علاقاته بالسينمائيين العرب في تعاونه مع المؤسسة العامة للسينما في سوريا، فكتب عام 1979 سيناريو فيلم «القلعة الخامسة» للمخرج بلال صابوني، عن قصة للكاتب العراقي فاضل العزاوي.

وشارك كذلك في كتابة سيناريو فيلم مأخوذ عن روايته الشهيرة «شرف»، بالتعاون مع مخرج الفيلم سمير نصر. تناول العمل قسوة الحياة خلف القضبان من خلال قصة شاب يدخل السجن بعد جريمة دفاع عن النفس، ليكتشف ذاته والمجتمع بأسره عبر عالم السجن المغلق. كما تحولت روايته «ذات» إلى مسلسل تلفزيوني ناجح، أعاد تقديم رؤيته النقدية للمجتمع المصري عبر عقود من التحولات السياسية والاجتماعية.

في أعماله اللاحقة، واصل صنع الله إبراهيم مشروعه السردي التوثيقي؛ ففي «بيروت بيروت» (1984) نقل تجربته القصيرة في العاصمة اللبنانية خلال إحدى هدنات الحرب الأهلية، وفي «وردة» (2000) عاد إلى تاريخ ثورة ظفار في سلطنة عُمان، عبر مذكرات مناضلة يسارية، حيث تداخل الخاص بالعام، والذاتي بالوثائقي، في بنية سردية شديدة الوعي.

عام 2003، سجّل موقفاً ثقافياً وأخلاقياً استثنائياً حين رفض تسلّم جائزة الرواية العربية، احتجاجاً على ما اعتبره انتهاكاً للحريات العامة وتطبيعاً مع إسرائيل. لم يكن ذلك الموقف حدثاً عابراً، بل امتداداً طبيعياً لمسار كاتب آمن بأن المثقف لا يملك ترف الصمت أو المهادنة على حساب ضميره. ورغم ذلك، نال لاحقاً عدداً من الجوائز المهمة، من بينها جائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2004، وجائزة كفافيس للأدب عام 2017.

اختار صنع الله إبراهيم أن يعيش بعيداً عن الأضواء والاحتفالات، قليل الظهور، كارهاً للضجيج الثقافي. عاش سنواته في شقته المتواضعة، ملتزماً بطقوس صارمة من القراءة والكتابة والمشي اليومي. غير أن هذه العزلة لم تكن انسحاباً، بل شكلاً آخر من الحضور العميق، خاصة لدى الأجيال الجديدة من الكتّاب الذين رأوا فيه نموذجاً نادراً للمثقف النزيه، والكاتب الذي يدفع ثمن مواقفه دون شكوى.

برحيله، فقدت الساحة الأدبية العربية واحداً من أهم أصواتها النقدية، وخسرت الرواية العربية ضميراً يقظاً وحارساً لذاكرة جيل بأكمله. لم يكن صنع الله إبراهيم مجرد كاتب، بل معلماً صامتاً ألهم أجيالاً من الروائيين أن يحملوا همّ الإنسان العربي، وأن ينقبوا في الجرح المفتوح للأوطان.

سيبقى أثره حاضراً في كل نص يجرؤ على قول الحقيقة، وفي كل كاتب يؤمن بأن الأدب ليس حيادياً، بل موقف، وأن الكتابة –كما علّمنا صنع الله إبراهيم– يمكن أن تكون سلاحاً للحرية، وفعلاً مقاوماً بامتياز.



#محمد_عبيدو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصطفى الحسن… أسطورة السينما النيجيرية ورائد الرسوم المتحركة ...
- محمد بكري… حين يصبح الفن شهادة والذاكرة موقفًا
- سينما الغجر: حين يتحوّل الهامش إلى سردٍ إنساني متمرّد
- -واتو ووتي / جميعنا-… حين تنتصر الإنسانية على الخوف
- مدائح لروحك الغريبة
- -بين أو بين-... حين يلتقي الخيال بالواقع على الحدود الجزائري ...
- سينما كيبيك في بجاية: تنوّع الرؤى وتقاطعات الهوية
- الشحوب والظلال
- السينما الإفريقية تفقد المخرج المالي سليمان سيسي(1941-2025)
- معرض الفنان -ميزو- بدار نحلة بقصبة الجزائر .. رؤية تشكيلية ب ...
- «السرديات البيئية.. نحو نقد بيئي للرواية العربية» كتاب جديد ...
- المهرجان الوطني للمسرح الفكاهي طبعة ناجحة تحت شعار -الكوميدي ...
- المؤرخة والكاتبة الأمريكية أليس كابلان تقدم روايتها عن الفنا ...
- غياب الفنان التشكيلي والسينوغراف والسينمائي أرزقي العربي
- أميرة الراي الشابة -نورية-
- رغبة غامضة ****!
- وفاة المخرجة شيرين غيث
- تسرب عبر الشجن مصيرك
- مارك غارانغر غياب مصور كبير وموثق وجوه جزائرية
- -إيدير - وداعا


المزيد.....




- كضيف شرف معرض القاهرة الدولي للكتاب: رومانيا تستعرض تراثها ا ...
- هل يقود العدوان على غزة لتعليق مشاركة إسرائيل في بينالي فيني ...
- عقدان من تدريس الأمازيغية.. ماذا يحول دون تعميم تدريس لغة ال ...
- -أوبن إيه آي- تطلق نسخة مخصصة للترجمة من -شات جي بي تي-
- العمدة الشاعر الإنسان
- إيران في مرآة السينما: كيف تُصوّر الأفلام مجتمعا تحت الحصار؟ ...
- ذاكرة تعود من جبهات القتال.. السودان يسترد مئات القطع الأثري ...
- متهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال... المخرج تيموثي بوسفيلد ي ...
- بالفيديو.. راموس يتدرب مع توبوريا بطل فنون القتال المختلطة
- من كان آخر سلاطين الدولة العثمانية؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - صنع الله إبراهيم (1937 – 2024) سيرة كاتب جعل من الكتابة فعلاً مقاوماً