أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - جان بول رابينو.. مخرج -سيرانو دي بيرجراك- وأحد كبار صناع السينما الفرنسية















المزيد.....

جان بول رابينو.. مخرج -سيرانو دي بيرجراك- وأحد كبار صناع السينما الفرنسية


محمد عبيدو

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 17:58
المحور: الادب والفن
    


فقدت السينما الفرنسية واحدًا من أبرز مخرجيها وكُتّابها، بوفاة "جان بول رابينو" عن عمر ناهز 94 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن. وبرحيله، تطوي السينما صفحة مخرج نادر الإنتاج، شديد العناية بأعماله، لم يقدّم خلال مسيرته سوى عدد محدود من الأفلام الروائية الطويلة، لكنها كانت كافية لتمنحه مكانة مميزة بين كبار السينمائيين الفرنسيين.
توفي رابينو في باريس في مطلع سبتمبر/أيلول 2026، تاركًا وراءه إرثًا سينمائيًا جمع بين الكوميديا والمغامرة والرومانسية والملحمة التاريخية، وبين متعة المشاهدة ودقة الكتابة. وقد عُرف بتواضعه وابتعاده عن التكلف، وبشغفه الكبير بالكلمات والممثلين، فضلاً عن اهتمامه بالتاريخ والأدب، وهما عنصران تركا بصمتهما الواضحة في معظم أعماله.
وُلد في 8 أبريل/نيسان 1932 في مدينة أوكسير بوسط فرنسا. وقد امتدت علاقته بالقصص والخيال منذ سنوات طفولته، إذ كان يرى في الحكاية وسيلة مبكرة للتعبير عن العالم من حوله. وتروي شهاداته أنه كان مولعًا بسرد القصص داخل محيطه العائلي، وأنه كان يدون بعض الحكايات التي يسمعها أو يرغب في روايتها. وكانت السينما بدورها حاضرة بقوة في طفولته وشبابه. فقد تركت أفلام المغامرات والمبارزات، ثم السينما الأمريكية وأفلام الغرب والموسيقى، أثرًا عميقًا في مخيلته. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشغف إلى قناعة بأن السينما ستكون المهنة التي يريد أن يكرس لها حياته.
قبل أن يصبح مخرجًا معروفًا، بدأ رابينو مسيرته من بوابة كتابة السيناريو. فقد تعاون مع عدد من الأسماء البارزة في السينما الفرنسية، وساهم في أعمال مبكرة من بينها فيلم "زازي في المترو" للمخرج لويس مال، كما شارك في كتابة أعمال أخرى، من بينها فيلم "ذلك الرجل من ريو"، الذي ارتبط باسم النجم جان بول بلموندو. وكانت تلك التجارب مدرسة مهمة ساعدته على تطوير علاقته بالكلمة وبناء الحكاية السينمائية.
دخل جان بول رابينو عالم الإخراج الروائي في ستينيات القرن الماضي من خلال فيلم "مسألة مقاومة"، الذي جمع بين الكوميديا والرومانسية في أجواء مرتبطة بمرحلة تحرير فرنسا من الحرب العالمية الثانية. ومنذ أعماله الأولى، بدأت ملامح أسلوبه تتضح: حوارات دقيقة، وإيقاع سريع، وحركة مستمرة داخل الصورة، وشخصيات تنخرط في مواقف تجمع بين الجدية والخفة. وقد تأثر رابينو بالكوميديا الأمريكية الكلاسيكية، ولا سيما الأعمال التي قدمها مخرجون مثل هوارد هوكس وإرنست لوبيتش، لكنه سعى إلى منح هذه التأثيرات طابعًا فرنسيًا خاصًا.
ولم يكن رابينو من المخرجين الغزيري الإنتاج. فقد كان يفضّل قضاء سنوات في التفكير والكتابة والتحضير، مؤمنًا بأن الفيلم يحتاج إلى وقت طويل حتى ينضج. وكان يصف نفسه في مراحل الإعداد بأنه حالم ودقيق، وهي صفتان تلخصان إلى حد بعيد طبيعة عمله السينمائي. بعد تجربته الأولى، واصل رابينو تقديم أفلام تركت بصمة واضحة في السينما الفرنسية. ومن أبرز أعماله فيلم "الزوجان المثاليان للعام الثاني"، الذي عاد من خلاله إلى التاريخ والثورة، مستفيدًا من شغفه بالأدب وبالروايات التي شكلت جزءًا من ذاكرته الثقافية. ثم جاء فيلم "المتوحش" عام 1975، وهو أحد الأعمال البارزة في مسيرته، وشارك في بطولته إيف مونتان. استلهم رابينو فكرة الفيلم من منظر طبيعي وجزيرة رآها خلال إحدى رحلاته، لتتحول تلك الصورة إلى نقطة انطلاق لحكاية رجل اختار العزلة والابتعاد عن العالم، قبل أن تتغير حياته بفعل سلسلة من الأحداث غير المتوقعة.
وفي فيلم "كل شيء نار، كل شيء لهب"، واصل المخرج العمل مع كبار نجوم السينما الفرنسية، ومن بينهم إيف مونتان وإيزابيل أدجاني. وقد تميزت أعمال رابينو عمومًا بقدرته على استقطاب ممثلين كبار، وبعلاقته الخاصة بهم. وكان يقول إن رؤيته للممثلين وهم ينطقون الكلمات التي كتبها تمنحه شعورًا خاصًا، إذ يتحول في تلك اللحظة إلى متفرج داخل فيلمه، فخورًا بما يقدمه ممثلوه للشخصيات والحوار.
غير أن العمل الذي ارتبط باسم جان بول رابينو عالميًا يبقى بلا شك فيلم "سيرانو دي بيرجراك" الصادر عام 1990، والمقتبس من المسرحية الشهيرة للكاتب إدموند روستان. تردد رابينو طويلًا قبل الإقدام على اقتباس العمل المسرحي، بعدما كان معتادًا على كتابة سيناريوهات أفلامه بنفسه، وساعيًا إلى أن يكون صاحب الكلمة الأساسية في بناء أعماله. لكنه اكتشف في النهاية أن الاقتباس الأدبي منحه طاقة جديدة، وحرره من بعض أعباء الكتابة، ليتفرغ بصورة أكبر لفن الإخراج.
اختار رابينو "جيرار ديبارديو" لأداء الدور الرئيسي، وقدم الفيلم في صيغة سينمائية ضخمة، امتزجت فيها قوة النص الأدبي بالمشاهد الواسعة والملابس التاريخية والمبارزات والحركة. عُرض الفيلم للمرة الأولى عالميًا في مهرجان كان عام 1990، حيث نال ديبارديو جائزة أفضل ممثل، قبل أن يبدأ الفيلم رحلة طويلة في موسم الجوائز. وحصل على خمسة ترشيحات لجوائز الأوسكار، من بينها ترشيحا أفضل ممثل وأفضل فيلم بلغة أجنبية، فيما فاز بجائزة أفضل تصميم أزياء. كما حصد الفيلم تقديرًا كبيرًا في فرنسا، وأصبح واحدًا من أهم الأعمال السينمائية الفرنسية المقتبسة عن المسرح الكلاسيكي. وقد اعتُبر مثالًا على قدرة رابينو على الجمع بين الفيلم الشعبي الكبير والطموح الفني الرفيع.
بعد نجاح "سيرانو دي بيرجراك"، عاد رابينو إلى السينما التاريخية من خلال فيلم "الفارس على السطح"، المقتبس من رواية تدور أحداثها في جنوب فرنسا خلال القرن التاسع عشر، في زمن انتشار وباء الكوليرا. كان الفيلم مشروعًا ضخمًا، يعكس شغف رابينو بالماضي والمناظر الطبيعية والأزياء والحركة. وقد رأى في السينما التاريخية مساحة مناسبة لتحقيق حلمه بتقديم أعمال كبيرة ومبهرة، لا تكتفي بالحوار أو الدراما النفسية، بل تجعل الصورة والحركة جزءًا أساسيًا من عملية السرد.
وفي عام 2003، قدم رابينو فيلم "رحلة سعيدة"، الذي عاد فيه إلى أجواء الحرب العالمية الثانية، لكن من زاوية مختلفة. وقد استلهم الفيلم فترة النزوح والارتباك التي عاشتها فرنسا، مقدّمًا قصة تجمع بين السياسة والمغامرة والكوميديا. شارك في كتابة العمل الكاتب "باتريك موديانو"، فيما عاد جيرار ديبارديو إلى العمل مع رابينو، إلى جانب إيزابيل أدجاني. وقد حظي الفيلم بعدد كبير من الترشيحات في جوائز سيزار.
كانت "العائلة" عنصرًا مهمًا في حياة جان بول رابينو وفي عالمه السينمائي. ويظهر ذلك بوضوح في آخر أفلامه، "العائلات الجميلة"، الذي صدر عام 2015. يتناول الفيلم قصة رجل يعود إلى فرنسا ليكتشف أن منزل العائلة معروض للبيع، في عمل تتداخل فيه الذكريات والانتماء والعودة إلى الجذور. كما حمل الفيلم عددًا من العناصر التي تكررت في مسيرة رابينو، مثل العودة إلى الوطن، والعلاقات العائلية، والماضي الذي يستمر في التأثير في الحاضر. وكان رابينو نفسه ينتمي إلى عائلة ارتبط عدد من أفرادها بعالم السينما، إذ تعاون مع شقيقته إليزابيث، كما عمل أبناؤه في مجالات مرتبطة بالكتابة والإخراج والموسيقى.
ربما يكون أكثر ما يميز مسيرة جان بول رابينو أنه لم يسعَ إلى كثرة الإنتاج. فقد أخرج ثمانية أفلام روائية طويلة فقط، لكنه استطاع من خلالها أن يترك أثرًا عميقًا في السينما الفرنسية، وأن يحصد العديد من الجوائز، وفي مقدمتها جوائز "سيزار". وقد جمع في أفلامه بين الدقة والخيال، والخفة والملحمة، والكوميديا والمغامرة. وكان يولي أهمية كبيرة لكل تفصيل، من كتابة الحوار إلى حركة الممثلين وموقع الكاميرا، حتى إنه كان يرسم ويخطط للمشاهد مسبقًا، مؤمنًا بأن الإخراج هو، في جانب منه، فن تنظيم المساحة والحركة داخل الصورة.
وفي سنواته الأخيرة، عبّر رابينو عن أسفه لأن السينما الفرنسية والأوروبية لم تعد، في نظره، توفر بسهولة الإمكانات اللازمة لإنتاج الأفلام التاريخية والملاحم الكبيرة التي أحب صنعها. ومع ذلك، ظل فخورًا بأعماله وبقدرته على إنجاز أفلام مثل "سيرانو دي بيرجراك" و"الفارس على السطح".
برحيل جان بول رابينو، تفقد السينما الفرنسية مخرجًا جمع بين أناقة السينما الكلاسيكية وحيوية السينما الشعبية. مخرجًا آمن بأن الفيلم يبدأ بحلم، ثم يتحول عبر الكتابة والممثلين والصورة إلى عالم كامل. ترك ثمانية أفلام فقط، لكنها كانت كافية لتأكيد مكانته في تاريخ الفن السابع. وسيبقى اسمه مرتبطًا خصوصًا بـ"سيرانو دي بيرجراك"، ذلك العمل الذي جسّد فيه قدرته على تحويل الأدب إلى فرجة سينمائية كبيرة، تجمع بين الشعر والمبارزة والحب والحركة، وتؤكد أن السينما، بالنسبة إلى جان بول رابينو، لم تكن مجرد مهنة، بل كانت قبل كل شيء فن الحكاية والحلم.



#محمد_عبيدو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خيط الروح
- السينماتيك الجزائرية تستحضر أنيس جعاد وأرزقي العربي بعروض خا ...
- بيونة… ضحكة الجزائر التي صارت ذاكرة
- محمد عهد بنسودة… رحيل مخرج اشتغل على العزلة والإنسان بصمتٍ ج ...
- عبد الهادي بلخياط… القمر الأحمر الذي أضاء ذاكرة الطرب
- رويشد والكوميديا الجزائرية
- انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين ...
- - بابل- : سينما العولمة وسوء الفهم الإنساني
- صنع الله إبراهيم (1937 – 2024) سيرة كاتب جعل من الكتابة فعلا ...
- مصطفى الحسن… أسطورة السينما النيجيرية ورائد الرسوم المتحركة ...
- محمد بكري… حين يصبح الفن شهادة والذاكرة موقفًا
- سينما الغجر: حين يتحوّل الهامش إلى سردٍ إنساني متمرّد
- -واتو ووتي / جميعنا-… حين تنتصر الإنسانية على الخوف
- مدائح لروحك الغريبة
- -بين أو بين-... حين يلتقي الخيال بالواقع على الحدود الجزائري ...
- سينما كيبيك في بجاية: تنوّع الرؤى وتقاطعات الهوية
- الشحوب والظلال
- السينما الإفريقية تفقد المخرج المالي سليمان سيسي(1941-2025)
- معرض الفنان -ميزو- بدار نحلة بقصبة الجزائر .. رؤية تشكيلية ب ...
- «السرديات البيئية.. نحو نقد بيئي للرواية العربية» كتاب جديد ...


المزيد.....




- قصة الأسد والأكتاف العريضة.. الثمانينات تخطف النجوم في رحلة ...
- أسطول الصمود العالمي يصل البندقية احتجاجاً على تجاهل العلم ا ...
- دور في الأوبرا.. لكن المرشح أفعى! ما القصة؟
- ما هو الواقع المالي الذي يواجهه الفنانون الأفارقة في قطاع ال ...
- في 5 قائق.. سرقة 3 لوحات بقيمة 10 ملايين دولار من متحف رينو ...
- التعليم العالي: 9 نصائح مهمة لطلاب الشهادات الفنية للتنسيق ا ...
- كيف صنع رغيف الخبز تاريخ الحضارات؟ من جلجامش إلى محمود درويش ...
- أنتوني هوبكنز يوثق رحلة حياته في ألبوم موسيقي جديد
- من نقد -الترمبية- إلى تبنيها طلبا للسلطة.. سيرة تحولات جيه د ...
- مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - جان بول رابينو.. مخرج -سيرانو دي بيرجراك- وأحد كبار صناع السينما الفرنسية