أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - رويشد والكوميديا الجزائرية














المزيد.....

رويشد والكوميديا الجزائرية


محمد عبيدو

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:49
المحور: الادب والفن
    


حين نتحدث عن الكوميديا الجزائرية، فإننا لا نستحضر فقط ضحكًا عابرًا أو لحظات تسلية، بل نستحضر تاريخًا اجتماعيًا وثقافيًا كاملاً، كانت فيه الكوميديا مرآة للمجتمع، وأداة نقد، ووسيلة مقاومة، وأحيانًا شكلًا من أشكال العلاج الجماعي.
لقد عاشت الكوميديا الجزائرية عصرها الذهبي خاصة خلال الثمانينات والتسعينات، وقدّمت لنا أعمالًا ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، مثل: كرنفال في دشرة، عايلة كي ناس، حسن طيرو، عطلة المفتش الطاهر وغيرها، وهي أعمال استطاعت أن تمزج بين الضحك والوعي، وبين المتعة والفائدة.
تميّزت هذه الكوميديا بتنوعها، بين الكوميديا الاجتماعية التي استمدت مادتها من نقائص المجتمع اليومية، والكوميديا الصادمة التي عبّرت عن الإنسان المقهور، حيث يمتزج الضحك بالبكاء، والهزل بالجد، في نوع قريب من التراجيكوميديا، إضافة إلى الكوميديا العائلية التي التقطت مفارقات الحياة داخل الأسرة الجزائرية.
هذه الأعمال كانت تلامس “الذات الجريحة” للجمهور، وتمنحه فرصة للضحك على أوجاعه، لا للهروب منها.
غير أن المفارقة المؤلمة اليوم، هي أن هذا النفس الكوميدي العميق تراجع، أمام إصرار بعض صناع السينما على التكرار، أو العودة النمطية إلى الماضي، أو السقوط في الابتذال والتهريج، بدل استثمار الكوميديا كأفق فني قادر على مساءلة الحاضر واستشراف المستقبل.
ومن هنا، تكتسب ذكرى الفنان الراحل رويشد قيمة خاصة، لأنها تتيح لنا إعادة التفكير في معنى الكوميديا الهادفة، وفي دور الفنان في المجتمع.
رويشد، أو أحمد عياد، ليس مجرد ممثل فكاهي، بل هو كاتب مسرحي، ومؤلف، ومجاهد بالصورة والكلمة. وُلد في القصبة سنة 1921، وعاش طفولة قاسية بين اليتم والفقر، اشتغل ماسحًا للأحذية وحمّالًا وبائعًا متجولًا، قبل أن يجد في الفن خلاصًا وصوتًا. هذه التجربة الحياتية العميقة جعلت فنه مشبعًا بالصدق، ومتصالحًا مع آلام الناس البسطاء.
في المسرح، استطاع رويشد أن يطوّر كوميديا نابعة من الواقع الاجتماعي، خالية من التهريج، قائمة على السخرية الذكية، واللغة الشعبية المتعددة المستويات، والارتجال الخلاق، والحركة الجسدية الدقيقة.
كان بارعًا في تحويل المواقف غير الفكاهية إلى لحظات ضاحكة، دون أن يفقد بعدها النقدي. ضحكه لم يكن بريئًا، بل كان ضحكًا “مزعجًا” للسلطة، ولذلك زُجّ به في سجن سركاجي خلال الفترة الاستعمارية بسبب مواقفه وأعماله.
في مسرحيات مثل حسان طيرو، البوابون، الغولة وآه يا حسان، قدّم رويشد نموذجًا للمسرح الكوميدي الانتقادي، الذي يفضح البيروقراطية، والطبقية، والانتهازية، وسلطة المال، ويضع المواطن البسيط في قلب الفعل الدرامي. شخصية “إسماعيل البواب” في البوابون مثلًا، ليست شخصية مضحكة فقط، بل رمز لإنسان مسحوق، عالق بين الأوامر والطاعة، بين القيم والواقع.
أما في السينما، فقد تحوّلت شخصياته إلى أيقونات، خاصة شخصية حسان طيرو، التي سخرت من التردد، ومن الاستعمار، ومن الخوف، وقدّمت الثورة الجزائرية من زاوية إنسانية ساخرة، دون أن تنتقص من قداستها.
رويشد كان قادرًا على أن يُضحكك وهو يحكي عن القمع، وأن يجعلك تبتسم وأنت أمام مواقف قاسية، في تجسيد نادر للكوميديا الصادمة.
إن قوة رويشد تكمن في أنه كان يضحك معنا، لا علينا، وكان يرى في الكوميديا وسيلة للتغيير لا للاستهلاك. لذلك أحبّه الجمهور، وامتلأت القاعات بأعماله، وبقي اسمه حاضرًا إلى اليوم، لأن فنه كان صادقًا، وإنسانيًا، ومتجذرًا في الثقافة الشعبية الجزائرية.
ختامًا، يمكن القول إن رويشد ليس مجرد صفحة من تاريخ الفن الجزائري، بل هو درس دائم: درس في كيف نصنع كوميديا بلا ابتذال، وكيف نضحك دون أن نتخلى عن الوعي، وكيف يكون الفنان شاهدًا على عصره، لا مهرّجًا فيه.
رحم الله رويشد، وجعل من ذكراه دعوة صريحة لاستعادة روح الكوميديا الجزائرية الأصيلة، كوميديا تضحك، وتفكّر، وتقاوم.



#محمد_عبيدو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين ...
- - بابل- : سينما العولمة وسوء الفهم الإنساني
- صنع الله إبراهيم (1937 – 2024) سيرة كاتب جعل من الكتابة فعلا ...
- مصطفى الحسن… أسطورة السينما النيجيرية ورائد الرسوم المتحركة ...
- محمد بكري… حين يصبح الفن شهادة والذاكرة موقفًا
- سينما الغجر: حين يتحوّل الهامش إلى سردٍ إنساني متمرّد
- -واتو ووتي / جميعنا-… حين تنتصر الإنسانية على الخوف
- مدائح لروحك الغريبة
- -بين أو بين-... حين يلتقي الخيال بالواقع على الحدود الجزائري ...
- سينما كيبيك في بجاية: تنوّع الرؤى وتقاطعات الهوية
- الشحوب والظلال
- السينما الإفريقية تفقد المخرج المالي سليمان سيسي(1941-2025)
- معرض الفنان -ميزو- بدار نحلة بقصبة الجزائر .. رؤية تشكيلية ب ...
- «السرديات البيئية.. نحو نقد بيئي للرواية العربية» كتاب جديد ...
- المهرجان الوطني للمسرح الفكاهي طبعة ناجحة تحت شعار -الكوميدي ...
- المؤرخة والكاتبة الأمريكية أليس كابلان تقدم روايتها عن الفنا ...
- غياب الفنان التشكيلي والسينوغراف والسينمائي أرزقي العربي
- أميرة الراي الشابة -نورية-
- رغبة غامضة ****!
- وفاة المخرجة شيرين غيث


المزيد.....




- كيف رسمت حرب إيران وتهديدات الذكاء الاصطناعي ملامح الليلة ال ...
- فلسطين في قلب -أوسكار 2026-.. حضور لافت لفيلم -صوت هند رجب- ...
- على خشبة مارليبون: صراع الحرية والتقاليد في المسرح اليهودي
- جهاتٌ في خريطة
- -جمهورية الكلب- من السرد العربي إلى القارئ العالمي
- الممثلة أناهيد فياض وزوجها يتبرعان بقرنيتي نجلهما الراحل
- الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
- 26 رمضان.. 3 أحداث حولت الخلافة من مصر لإسطنبول
- مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners- ...
- صناع أفلام إيرانيون يتوجهون إلى حفل الأوسكار بينما تعصف الحر ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - رويشد والكوميديا الجزائرية