أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - -المهرجون- الإيطالية في مهرجان بجاية.. يسقط قناع المهرج وتتكلم الحقيقة















المزيد.....

-المهرجون- الإيطالية في مهرجان بجاية.. يسقط قناع المهرج وتتكلم الحقيقة


محمد عبيدو
شاعر و سينمائي


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 14:04
المحور: الادب والفن
    


بين ضحكات المهرجين وآلام الإنسان، وبين ما يقدمه الممثل للجمهور وما يختزنه قلبه من مشاعر متناقضة، استعاد العرض الأوبرالي المسرحي «المهرجون» (Pagliacci) للفرقة الإيطالية «TIR Opera Urbana APS» واحدة من أبرز تحف الواقعية الموسيقية الإيطالية، ضمن فعاليات الطبعة الخامسة عشرة من المهرجان الثقافي الدولي للمسرح ببجاية، مقدماً للجمهور الجزائري تجربة فنية تتقاطع فيها الموسيقى والغناء والتمثيل والتعبير الجسدي.
واستقبل ركح المسرح الجهوي لبجاية «عبد المالك بوقرموح»، يوم 18 أكتوبر 2026، هذا العمل الذي أعاد إلى الواجهة أوبرا الموسيقار الإيطالي روجيرو ليونكافالو، المنجزة عام 1892، في قراءة إخراجية جديدة للمخرجة الإيطالية لوتشيا فالكـو، سعت إلى المحافظة على روح العمل الأصلي، مع تقديمه في صيغة تجمع بين خصوصية الفن الأوبرالي ومرونة التعبير المسرحي المعاصر.
ويأتي هذا العرض، المدعوم من المعهد الثقافي الإيطالي بالجزائر، وبرعاية بلدية كيانوكو الإيطالية، ضمن مشاركة فنية تعكس حضور التقاليد الأوبرالية الإيطالية في المشهد الثقافي الجزائري، وتفتح أمام الجمهور فرصة لاكتشاف هذا الفن في صورته الحية، بعيداً عن وسائط السينما والتلفزيون التي أسهمت في التعريف به على نطاق واسع.

من كوميديا المهرجين إلى مأساة الإنسان

تستمد «المهرجون» قوتها الدرامية من المفارقة التي تقوم عليها أحداثها؛ فخلف الوجوه المرسومة والأزياء المضحكة، تختبئ حكاية إنسانية مثقلة بالغيرة والخيانة والألم، تتصاعد تدريجياً حتى تنقلب الفرجة الكوميدية إلى مأساة حقيقية.
تدور الأحداث حول كانيو، قائد فرقة مسرحية جوالة، يعيش علاقة مضطربة مع زوجته نيدا، التي تتوق إلى التحرر من حياة الترحال والقيود التي تحاصرها، وتقع في حب شاب آخر. وحين تنكشف العلاقة السرية، يجد كانيو نفسه ممزقاً بين جرح الخيانة وضرورة الاستمرار في أداء دوره أمام الجمهور.
غير أن المأساة لا تنفجر خارج المسرح، بل تتسلل إلى قلب العرض الذي تقدمه الفرقة، حيث يفقد كانيو تدريجياً قدرته على الفصل بين الشخصية التي يؤديها ومشاعره الحقيقية. ويتحول الحوار المسرحي إلى مواجهة مكشوفة، تتراجع فيها حدود التمثيل أمام سطوة الغيرة والرغبة في الانتقام.
هنا تكمن إحدى أهم دلالات العمل؛ فالمهرج الذي اعتاد إضحاك الآخرين ليس بمنأى عن الحزن، والفنان الذي يتقن إخفاء ألمه خلف قناع الشخصية يظل إنساناً تحكمه العواطف والصراعات ذاتها التي يعيشها الآخرون.
ومن خلال هذا التداخل بين الواقع والخيال، تطرح الأوبرا أسئلة تتجاوز الحكاية المباشرة، لتلامس العلاقة بين الحب والتملك، وبين المظهر والحقيقة، وبين الدور الاجتماعي الذي يؤديه الإنسان وما يعتمل في داخله من مشاعر قد يعجز عن التعبير عنها.

الغناء الأوبرالي بوصفه لغة للمشاعر

قدمت فرقة «TIR Opera Urbana APS» العمل من خلال صيغة فنية تمزج الغناء الأوبرالي الحي بالأداء الدرامي والتعبير الجسدي، مع الاعتماد على البيانو في بناء الخلفية الموسيقية المصاحبة للتحولات النفسية للشخصيات.
وشارك في العرض التينور سالفاتوري رومي، والسوبرانو مارتينا باريكا، والباريتون دافيدي كانيبا، فيما تولت ميكيلا فاردا العزف على البيانو والإدارة الموسيقية، وأسهمت في تشكيل الإيقاع الدرامي للعرض ومواكبة انتقالاته بين لحظات التوتر والانفعال.
ولم يكن الصوت الأوبرالي مجرد استعراض للقدرات الغنائية، بل تحول إلى وسيلة للتعبير عن الانكسار الداخلي للشخصيات، ونقل مشاعر الغيرة والخذلان والاضطراب التي تتراكم خلف المواقف المسرحية. كما أتاح التعبير الجسدي توسيع المجال الدلالي للأداء، مانحاً الحركة حضوراً مكملاً للكلمة والموسيقى.
وفي هذا التكوين، احتل البيانو موقعاً محورياً، إذ ربط بين المسارات الصوتية والحركية، وأسهم في توجيه الإيقاع العاطفي للمشاهد، من لحظات الهدوء النسبي إلى تصاعد التوتر الذي يقود الحكاية نحو نهايتها المأساوية.
أما الرؤية الإخراجية للوتشيا فالكـو، فعملت على إعادة تقديم النص الأوبرالي ضمن مقاربة متعددة التعبيرات، تراهن على قدرة الممثلين والمغنين على نقل التحولات النفسية للشخصيات، مع الحفاظ على جوهر العمل الذي جعل من التناقض بين المأساة الشخصية والفرجة العامة أساساً لبنائه الدرامي.

شكل حضور «باغلياتشي» في مهرجان بجاية مناسبة للقاء مباشر بين الجمهور الجزائري وفن أوبرالي ارتبط تاريخياً بالتقاليد الموسيقية الإيطالية، ولا يزال يحتفظ بمكانته في المسارح العالمية.
وقد لفت المخرجة لوتشيا فالكـو حضور جمهور شاب في معظمه، وهو ما أثار دهشتها، بالنظر إلى أن جمهور الأوبرا في إيطاليا يميل، بحسب ملاحظتها، إلى الفئات الأكبر سناً. ويطرح هذا التفاعل إمكانية توسيع دائرة متلقي الفنون الأوبرالية، متى أتيحت لها فضاءات العرض المناسبة، وتوفرت صيغ فنية تساعد الأجيال الجديدة على الاقتراب منها.
فالأوبرا، على الرغم من تعقيد تقنياتها الصوتية والموسيقية وارتباطها بتاريخ طويل من التقاليد الفنية، ليست بالضرورة فناً بعيداً عن الجمهور المعاصر. وقد أثبتت التجارب التي تمزج الغناء بالتمثيل والحركة أن القضايا الإنسانية التي تتناولها الأعمال الكلاسيكية قادرة على عبور الحواجز اللغوية والثقافية، والوصول إلى المتلقي من خلال قوة الأداء وصدق التعبير.
وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة الفرقة الإيطالية في المهرجان أهمية تتجاوز تقديم عرض منفرد، لتصبح جزءاً من حوار ثقافي أوسع بين الجزائر وإيطاليا، تتقاطع فيه الخبرات المسرحية والموسيقية، وتتبادل فيه التجارب الفنية أدواتها وأساليبها.
تستعيد «المهرجون» في قراءة لوتشيا فالكـو سؤالاً قديماً يتجدد مع كل عرض: إلى أي حد يستطيع الفنان الفصل بين حياته الشخصية والشخصية التي يؤديها أمام الجمهور؟ وهل يظل المسرح مساحة آمنة للتمثيل حين تتجاوز المشاعر حدود الدور المكتوب؟
لا تقدم الأوبرا إجابات مباشرة عن هذه الأسئلة، بل تتركها تتكشف عبر تصاعد المأساة، حين ينهار الحاجز بين ما هو متخيل وما هو حقيقي، وتصبح الخشبة فضاءً تنكشف فيه هشاشة الإنسان خلف الأقنعة التي يرتديها.
ومن هنا، لا تبدو مأساة كانيو مجرد حكاية عن الغيرة والخيانة، بل تأملاً في طبيعة الأداء الإنساني نفسه؛ فكما يتخفى الممثل خلف شخصية مكتوبة، قد يختبئ الإنسان خلف أدوار اجتماعية يفرضها عليه محيطه، قبل أن تأتي لحظة ينكشف فيها ما حاول طويلاً إخفاءه.
وبين قوة الأصوات الأوبرالية، وحضور البيانو، وتكامل الحركة والتمثيل، أعادت «المهرجون» إلى ركح بجاية عملاً كلاسيكياً لا تزال أسئلته حاضرة، مؤكدة أن الفن لا يستمد خلوده من جمالياته الموسيقية والمسرحية فحسب، بل أيضاً من قدرته على ملامسة التجارب الإنسانية العميقة.
فخلف ضحكة المهرج قد يقيم حزن لا يراه أحد، وخلف الستار الذي يفصل العرض عن الحياة قد تختفي مسافة قصيرة لا تحتاج إلا إلى لحظة واحدة حتى تنهار. عندها، لا يعود المسرح مجرد مكان لتمثيل الحكايات، بل يصبح مرآة تكشف الحقيقة التي تعجز الأقنعة عن إخفائها.



#محمد_عبيدو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيباستياو سالغادو أحد أعظم المصورين في عصرنا
- -أسوار من طين-… تحول الصحراء إلى مرآة للتمرد
- اسم الوردة : عودة سينمائية للقرون الوسطى
- فيلم «رُقية» حكاية غامضة تتقاطع فيها الذاكرة مع العنف والتطر ...
- افلام قصيرة ترصد تحولات المكان والإنسان في اليوم الثالث من ل ...
- اليوم الثاني من لقاءات بجاية السينمائية.. الذاكرة والحصار وا ...
- اليوم الأول من لقاءات بجاية السينمائية.. من بحر غزة إلى جاكر ...
- الملابس في السينما: لغة صامتة تبني المعنى والهوية
- ميشيل برولت: عينٌ صنعت ذاكرة كيبيك السينمائية
- راندي أولسون: تحوّل عالم الأحياء إلى إثنوغرافي بالكاميرا
- جون ل. إسبوزيتو... الرجل الذي اختار أن يفهم الإسلام بدل أن ي ...
- جان بول رابينو.. مخرج -سيرانو دي بيرجراك- وأحد كبار صناع الس ...
- خيط الروح
- السينماتيك الجزائرية تستحضر أنيس جعاد وأرزقي العربي بعروض خا ...
- بيونة… ضحكة الجزائر التي صارت ذاكرة
- محمد عهد بنسودة… رحيل مخرج اشتغل على العزلة والإنسان بصمتٍ ج ...
- عبد الهادي بلخياط… القمر الأحمر الذي أضاء ذاكرة الطرب
- رويشد والكوميديا الجزائرية
- انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين ...
- - بابل- : سينما العولمة وسوء الفهم الإنساني


المزيد.....




- ليوبيموفا: تزايد الاهتمام بالتعليم العالي الثاني المجاني في ...
- لماذا عارض قدامى محاربي عام 1812 رواية تولستوي -الحرب والسلا ...
- سبوتيفاي تستبعد 50 مليون مقطع من التوصيات بسبب المحتوى المزع ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- دانييل فيليستوفيتش.. طفل روسي يقلد مايكل جاكسون ويحصد 15 ملي ...
- كازاخستان.. العثور على نقوش صخرية وُصفت في يوميات الرحالة ال ...
- حفل -النسر الذهبي- السينمائي في 29 يناير وقائمة أولية تضم 35 ...
- فتحة جريئة وتطريزات لامعة.. دوا ليبا تستحضر أجواء الأوبرا عل ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- برنامج ثقافي يمتد ثلاثة أعوام للاحتفاء ببوشكين ومتحفه في روس ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبيدو - -المهرجون- الإيطالية في مهرجان بجاية.. يسقط قناع المهرج وتتكلم الحقيقة