أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - عبد الرحمن بوطيب يقدم قصيدة -جمرة أبي التي لا تنطفئ- للشاعرة السورية لينا حسين














المزيد.....

عبد الرحمن بوطيب يقدم قصيدة -جمرة أبي التي لا تنطفئ- للشاعرة السورية لينا حسين


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 18:05
المحور: الادب والفن
    


1/ تقديم
وهذه "جمرة أبيها التي لا تنطفئ"

ثمة غيابات لا تنجح المسافات ولا السنوات في استيعابها، لأنها لا تغادر الوجدان بقدر ما تعيد تشكيل حضوره، وثمة آباء يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون في أرواح أبنائهم جمرا من المحبة لا تخبو جذوته، ودفئا يتحدى قسوة الفصول ووحشة الأمكنة.

في قصيدتها "جمرة أبي التي لا تنطفئ"، تنسج الشاعرة لينا حسين نصا وجدانيا شفيفا، تستعيد من خلاله صورة الأب بوصفه ذاكرة حية ومصدرا أبديا للأمان والحنان، لا بوصفه غائبا تستحضره الذاكرة فحسب، بل حضورا يتجدد في التفاصيل الصغيرة: رائحة الكولونيا، المقعد عند الباب، المشط الأسود، الوشاح، حكايات الزيتون ومطر تشرين... تفاصيل يومية تتحول إلى علامات شعرية مشحونة بدلالات الفقد والحنين، وتغدو الأشياء فيها امتدادات حسية ليد الأب وصوته وابتسامته.

وتتخذ القصيدة من الشتاء فضاء رمزيا تتقاطع فيه برودة الغياب بحرارة الذاكرة، ومن جمرة الزيتون استعارة مركزية تختزل استمرارية المحبة وامتدادها عبر الزمن، في مفارقة شعرية لافتة، حيث لا يعود الدفء مرتبطا بحضور الجسد، بل بما تركه الراحل من أثر لا يقوى الغياب على محوه.

إنها كتابة تستمد قوتها من صدق التجربة وشفافية التعبير، وتنهض على لغة حميمية تتداخل فيها الذاكرة الشخصية بالرمز الطبيعي، ويتحول فيها الحزن من انكسار أمام الموت إلى شكل من أشكال الوفاء ومقاومة النسيان، فالأب هنا ليس مجرد موضوع للرثاء، وإنما ذاكرة تسكن تفاصيل الحياة، وتمنح الأشياء العادية قدرة استثنائية على استعادة الحضور.

ولعل خاتمة القصيدة تختزل جوهر هذه التجربة الشعرية، حين تنقلنا الشاعرة من الإحساس ببرودة الفقد إلى مفارقة الاحتراق بالحنين، وكأن الذاكرة لا تحفظ الراحل إلا بإبقاء جمرة المحبة متقدة في الداخل.
"نحن فقط نحترق حتى نتذكر، ونتذكر حتى ندفأ".

بهذا البوح الإنساني العميق، تفتح لينا حسين نافذة على تجربة فقد تتجاوز خصوصيتها الذاتية لتلامس الذاكرة العاطفية المشتركة، وتذكرنا بأن بعض الأحبة لا يغادروننا تماما، لأن ما يزرعونه في أرواحنا يظل مضيئا، حتى حين تنطفئ مصابيح الحضور.
قراءة ممتعة في هذا البوح الشعري، وفي جمرة المحبة التي لا تنطفئ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2/ القصيدة
"جمرة أبي التي لا تنطفئ" - لينا حسين

في شتاء بلا عناق أبي
لا برد يشبه بردنا هذا العام
لأن الدفء كله رحل معه
لم يترك مالا
ترك شجرة زيتون خلف القرية
وترك جمرة من بذورها
في كفي
تضيء روحي
كلما انطفأ الضوء في وجعي
رحل كما عاش .. هادئا
وترك كل شيء
وراءه معلقا في الهواء
رائحة الكولونيا لا تزال
عالقة في زوايا غرفته
وصوته لا يزال
يهمس في أذني:
تدفي يا صغيرتي
أعرفك عاشقة
لجنون الخريف
مقعده الدافئ عند الباب
ما زال كما هو
كأنه سيعود
في أي لحظة ويجلس
في الخارج المطر
يغرق المدينة
وفي الداخل
حنينه يغرق القلب
والمفارقة أن هذا الغرق دفء
ما زال مشطه الأسود هناك
ككحل أمي القديم
أفتح خزانة ذكرياته
فلا أجد إلا يديه
كانتا ناعمتين من فرط الحنان
وكانتا وحدهما تدفئان العالم
كم كان الشتاء قصيرا
حين كان يشعل لنا الحديث
بكلمة "يا بابا"
ويحكي لنا عن رائحة معصرةِ الزيتون
ومطر تشرين
وقطاف الزيتون
ويقول: أنا دفآن بكم
وكم أصبح طويلا الآن
طويلا كعمر امرأة ترتدي صوت أبيها
وتتلحف بضحكته
لا أريد شمسا
أريد يده الناعمة على رأسي
لا أريد ربيعا
أريد أن أسمعه يقول مرة ثانية
تعالي يا صغيرتي احكيلي
لكنه ليس هنا
لذا سأتدفأ بما تركه لي
بحديثه الحنون
الذي كان يخبئ لي فيه حبا
بملامحه الطيبة
التي كانت تبتسم لي وحدي
بوشاحه الذي ما زال
يحمل عطره
نسيه على الكرسي كأنه سيعود
وبقلب رغم الزمهرير
ما زال يخفق به
ويقول: أبي هنا
في الجمرة التي لم تنطفئ
في كل شتاء
مع قطاف الزيتون
شتاء بلا عناق أبي
نحن لا نبرد
نحن فقط نحترق
حتى نتذكر ونتذكر حتى ندفأ



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الرحمن بوطيب: هذه -ابنة رحلة الموت التي علّمتها كيف تكتب ...
- تمظهرات الكاليغرافيا ودلالاتها وشعريتها في قصائد عبد الرحمن ...
- أسابيع الرؤى الثقافية - إدارة عبد الرحمن بوطيب - الكتاب الرق ...
- قراءة نقدية - هجيرٌ في ثوب البرد: شعرية الزمن المتصدّع في شذ ...
- د. منير محقق: من التلقي إلى إعادة تشكيل المعنى: قراءة في تفا ...
- د. منير محقق: حين يمطر الحنين: من رثاء الأم إلى أفق الوطن: ق ...
- تبرئة ذمة - ورقة أدبية ذاتية - بوح: عبد الرحمن بوطيب
- قراءة نقدية في القصيدة النثرية -شتاءٌ لن يأتي- للشاعرة العرا ...
- نقاش نقدي معمق حول نص -حكايات الشيوخ الصباحية- للشاعر عبد ال ...
- -حلقة الشعراء المتقاعدين... وتلك القبلة الحمراء في أعماق ألا ...
- سقوط... غير حر - قصة قصيرة - الكاتب عبد الرحمن بوطيب - إنارة ...
- حلقة الشعراء المتقاعدين... وتلك القبلة الحمراء في أعماق ألاس ...
- قيم إنسانية على المحك: حين تصبح الإنسانية تمرينا يوميا وقفة ...
- الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب: من عبور العمر إلى خلود الأثر ...
- شعرية إبداع تمزقات نسائية... وصمود / في إبداع الأديبة كوثر ج ...
- الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب: من عبور العمر إلى خلود الأثر ...
- قراءة نقدية في القصة القصيرة -نصف يوم- للكاتبة السورية كوثر ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- شعرية المشي في مواجهة الحقد والغياب / قراءة نقدية في قصيدة « ...
- الأديبة السورية الكاتبة كوثر جعفر في حوار ثقافي مع الأديب ال ...


المزيد.....




- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - عبد الرحمن بوطيب يقدم قصيدة -جمرة أبي التي لا تنطفئ- للشاعرة السورية لينا حسين