أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - تمظهرات الكاليغرافيا ودلالاتها وشعريتها في قصائد عبد الرحمن بوطيب - دراسة نقدية: قراءة في التشكيل البصري، وانتفاح الدلالة، وأفق الشعرية.















المزيد.....

تمظهرات الكاليغرافيا ودلالاتها وشعريتها في قصائد عبد الرحمن بوطيب - دراسة نقدية: قراءة في التشكيل البصري، وانتفاح الدلالة، وأفق الشعرية.


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 00:33
المحور: الادب والفن
    


ليست القصيدة، في أفق الكتابة الشعرية الحديثة، كلماتٍ تنتظم على الصفحة لتؤدي معنى محددا فحسب، بل هي أيضا فضاء تتفاعل داخله اللغة مع الصورة، والصوت مع الصمت، والقول مع البياض، بما يجعل الكتابة نفسها مجالا لإنتاج الدلالة وتشكيل التجربة الجمالية.
من هذا المنظور، تكتسب الكاليغرافيا أهميتها بوصفها مدخلا إلى مساءلة العلاقة بين الحرف العربي وهيئته المرئية، وبين ما تحمله القصيدة من رؤى وانفعالات وتوترات دلالية، فالحرف، حين يتجاوز وظيفته التواصلية المباشرة ليصبح عنصرا من عناصر التشكيل، لا يفقد لغويته، وإنما يكتسب إلى جانبها طاقة إيحائية تجعل المرئي شريكا في بناء المعنى.
تتأكد أهمية هذه المقاربة في تجربة الشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب، الذي يشتغل على قصيدة النثر الحداثية، وتتوزع أعماله بين القصائد المطولة والشذرات الشعرية والنصوص ذات الكثافة التعبيرية.
غير أن مقاربة تمظهرات الكاليغرافيا في شعره تستدعي التمييز بين المفهوم الدقيق للكاليغرافيا، بما هو تشكيل جمالي للحرف وهيئته، وبين البنية البصرية للقصيدة، بما تتضمنه من تقطيع وتوزيع للأسطر وتفاوت في أطوالها، وتوظيف للفراغات والفواصل، فهذه المستويات قد تتفاعل، لكنها لا تتطابق بالضرورة، وهو تمييز ضروري حتى لا يتحول كل خروج عن انتظام السطر التقليدي إلى كاليغرافيا بالمعنى الاصطلاحي.
تتيح النصوص المنشورة للشاعر إمكانا ملموسا للانتقال من التأمل النظري إلى التحليل التطبيقي، خصوصا في بعض شذراته التي لا تكتفي بتوزيع الكلام على أسطر قصيرة، وإنما تذهب إلى تفكيك الكلمة نفسها، وإعادة ترتيب حروفها في الفضاء الكتابي، وهنا تحديدا تتضح أهمية النظر إلى الكتابة بوصفها بنية لغوية وبصرية في آن واحد، تتداخل فيها العلامة المكتوبة مع الطريقة التي تُعرض بها على الصفحة، ويغدو فيها التنظيم المكاني عنصرا مشاركا في إنتاج الدلالة.
يقدم نص "وقوف"، ضمن مجموعة "هجير الليالي الباردة"، شاهدا لافتا على هذا المستوى من الاشتغال، ففي مقطع منه، يرد التشكيل الآتي:

"لا أبريل
لا نيسان
لا زيتونة
لا عرعارة
لا… وردة حمراء
لا
ر
ج
ا
ل
لا
ن
س
و
ا
ن"

إن أهمية هذا المقطع لا تكمن في التقطيع وحده، بل في الانتقال من الكلمة المكتملة إلى الحرف المفرد، ومن وحدة لغوية قابلة للقراءة المباشرة إلى سلسلة بصرية تتطلب من العين أن تتوقف عند كل حرف، قبل أن تعيد تركيب العلاقات التي تجمع الحروف بعضها ببعض، فالشاعر لا يكتفي بكتابة كلمة "رجال" في سطر مستقل، وإنما يوزع حروفها عموديا، ثم يتبعها بالطريقة نفسها في كلمة "نسوان"، فيجعل التفكيك البصري جزءا ظاهرا من بناء المقطع.
هنا، تتجاوز الكتابة انتظامها المألوف، لتصبح هيئة الحرف وطريقة ظهوره عنصرين فاعلين في تجربة القراءة، فالقارئ لا يواجه الكلمة دفعة واحدة، بل يمر عبر حروفها المتفرقة، ويعيد وصلها ذهنيا، فينشأ توتر بين التفكيك وإمكان إعادة التركيب، وبين التتابع العمودي للكلمات واستقرار معناها في الوعي. وبذلك يصبح توزيع الحروف فعلا بصريا له أثره في الإيقاع وفي زمن التلقي، إذ يبطئ القراءة ويجعل كل وحدة كتابية موضع انتباه مستقل.
وإذا كان هذا المقطع يقدم مثالا واضحا على التشكيل الحرفي، فإن دلالته لا تُستنفد في هيئته، فالسياق الذي ترد فيه السلسلة الحرفية يربطها بمناخ من النفي والافتقاد، يبدأ بتتابع عبارات من قبيل "لا أبريل" و"لا نيسان"، ويمتد إلى غياب عناصر الطبيعة والحياة، قبل أن يصل إلى تفكيك كلمتي "رجال" و"نسوان".
ويمكن قراءة هذا الانتقال بوصفه تصعيدا في بناء الإحساس بالغياب، حيث يتدرج النفي من أشياء وعلامات ذات حضور رمزي إلى كلمات تحيل على الوجود الإنساني نفسه.
غير أن القيمة النقدية لهذا التشكيل لا تتوقف عند تأويله باعتباره صورة للغياب، بل تمتد إلى ملاحظة الطريقة التي يتجسد بها الغياب داخل الكتابة، فالكلمتان اللتان يمكن أن تظهرا في سطر واحد، وفي بنية متماسكة، تفقدان هنا وحدتهما البصرية المعتادة، وتتحولان إلى حروف متعاقبة في فضاء عمودي، وتتيح هذه الهيئة قراءة التباعد بين الحروف باعتباره مقابلا بصريا محتملا لتفكك الدلالة داخل سياق النص، من دون الجزم بأن كل حرف مفرد يرمز، بصورة مستقلة، إلى معنى محدد، فالدلالة تنشأ من التفاعل بين الشكل والسياق، لا من إسناد رموز ثابتة إلى الحروف.
يمكن، في هذا المستوى، الحديثُ عن تمظهر كاليغرافي ذي وظيفة شعرية، مع التحفظ الاصطلاحي اللازم: فالمقطع يثبت اشتغالا مقصودا على توزيع الحروف في الفضاء الكتابي، لكنه لا يقدم بالضرورة كاليغرافيا خطية بالمعنى الذي يتصل بتشكيل الحرف العربي عبر تغيير بنيته الخطية أو زخرفته، إنه أقرب إلى التشكيل الحروفي أو البصري الذي يجعل هيئة الكتابة وطريقة انتظامها جزءًا من بناء النص. وهذا التحديد لا ينتقص من قيمته الجمالية، بل يمنح التحليل دقته، ويتيح التمييز بين تجليات الكاليغرافيا المباشرة وأشكال الكتابة البصرية التي تتقاطع معها.
يتخذ التشكيل البصري منحى مختلفا في قصيدة "أخي"، المنشورة ضمن أعمال الشاعر، حيث يقول:

"أخي
لا تنتظرني
اليوم أرسم في دفتر الغياب اسما واحدا
هذا يكفي"

هنا لا نواجه تفكيكا للحروف، بل بناءً يعتمد على تقطيع القول وتوزيعه على وحدات متتابعة. ويتصدر النداء "أخي" المقطع، ثم تتوالى الجمل القصيرة، وصولا إلى عبارة "هذا يكفي"، التي تبدو في موضعها نهايةً مقتضبة لمسار من الاعتراف والتخفف والغياب.
وتكشف هذه البنية عن علاقة بين التقطيع البصري والإيقاع الداخلي، فعودة النداء في مواضع مختلفة من القصيدة تمنح النص إيقاعا تكراريا، فيما يؤدي الفصل بين الجمل إلى إبطاء القراءة وإبراز كل وحدة بوصفها لحظة شعورية مستقلة نسبيًا.
كما أن عبارة "اليوم أرسم في دفتر الغياب اسما واحدا" تربط فعل الكتابة بالرسم، وتمنح الدفتر وظيفة تتجاوز تسجيل الأسماء إلى احتضان الغياب وتثبيته في الذاكرة، فالاسم المكتوب هنا لا يحضر بوصفه علامة لغوية فحسب، بل باعتباره أثرا يراد له أن يبقى في مواجهة الفقد.
أما عبارة "هذا يكفي"، فتكتسب قوتها من موقعها ومن اقتصادها التعبيري، إنها جملة قصيرة تأتي بعد صورة الكتابة في دفتر الغياب، فتبدو كأنها حَدٌّ لِمَا يمكن قوله أو فعله إزاء الخسارة، ولا يعني ذلك أن قصر السطر يحمل دلالة ثابتة على الحزن أو الانقطاع، وإنما أن موضعه داخل هذا السياق يتيح له أداء وظيفة إيقاعية ودلالية تتصل بالتوقف والاكتفاء.
هكذا تتولد شعرية المقطع من التفاعل بين اللغة وتوزيعها، لا من الشكل منفردا ولا من المعنى المعجمي وحده.
يكشف هذا المثال عن فرق مهم بين التشكيل الحروفي في "وقوف" والتقطيع البصري في "أخي"، ففي النص الأول تتفكك الكلمة إلى حروف منفردة، ويصبح الفضاء العمودي جزءا ظاهرا من بنيتها، أما في النص الثاني فتظل الكلمات مكتملة، بينما تتحدد العلاقة البصرية من خلال التتابع والتكرار والفصل بين الوحدات، ومع ذلك، فإن كلا الشكلين يشارك في تنظيم القراءة وتوجيه الانتباه، ويؤكد أن هيئة النص ليست تفصيلا خارجيا دائما، بل قد تصبح مكوّنا من مكونات بنائه الشعري.
ويتجلى اقتصاد الشكل واللغة بصورة أخرى في شذرات "لزوميات / شذرات متتاليات"، حيث يكتب بوطيب:

"أريج قهوته يوقظ القصيدة
يبتسم
ترشف القصيدة حروفه"

تقوم هذه الشذرة على حركة متبادلة بين الشاعر والقصيدة، إذ تبدأ بإيقاظ القصيدة، ثم تتوسطها كلمة "يبتسم"، قبل أن تنتهي بصورة القصيدة وهي ترتشف الحروف، ويؤدي السطر المفرد في الوسط وظيفة إيقاعية واضحة، إذ يفصل بين فعل الإيقاظ وفعل الارتشاف، ويمنح الابتسامة مساحة مستقلة داخل التكوين.
ولا يصح اعتبار هذا الفصل كاليغرافيا حرفية، لكنه مثال على كيفية مساهمة التوزيع البصري في تكثيف التجربة الشعرية، فالشذرة، بحكم قصرها، لا تملك مجالا واسعا للتفصيل، ولذلك تتضافر المفردات القليلة مع ترتيبها على الصفحة لإنتاج حركة كاملة، كما أن العلاقة بين "القصيدة" و"حروفه" تجعل الكتابة موضوعا داخل الكتابة، وتقدم صورة للقصيدة بوصفها كائنا يتلقى أثر الشاعر ويعيد تشكيله، ويصبح الفصل بين الأسطر جزءا من الإيقاع الذي ينظم هذه العلاقة، ويتيح للقارئ أن يتوقف عند كل مرحلة من مراحلها.
تتأكد هذه الخصوصية في بنية الشذرة الشعرية عموما، حيث تتجاور الكثافة الدلالية مع محدودية المساحة الكتابية، فالشذرة لا تعتمد على امتداد القول بقدر اعتمادها على قدرتها على فتح مجال واسع للتأويل من خلال عبارة مقتصدة أو صورة مكثفة، ومن هنا، قد يؤدي البياض المحيط بها وظيفة في إبراز استقلالها، بينما يتيح تقطيعها الداخلي توزيعا محسوبا للحركة والمعنى.
غير أن هذه الوظائف تظل مرتبطة بسياق النص وبطريقة نشره، ولا ينبغي إسنادها إلى قصد الشاعر بصورة نهائية من دون فحص النسخة الأصلية.
وتقدم قصيدة "كهف... غيمة" مثالا إضافيا على دور التقطيع في تنظيم الحركة الدلالية، حين تتوالى الكلمات المفردة في المقطع:

"جداول
أنهار
عيون"

يتيح هذا التتابع قراءةً تتجاوز المعنى المعجمي لكل مفردة إلى إيقاع التراكم والتصاعد، إذ ينتقل النص من وحدة إلى أخرى عبر أسطر منفصلة، فتكتسب الكلمات حضورا مستقلا نسبيا قبل أن تنتظم في المجال الدلالي الذي يحيط بها، ويكشف هذا الأسلوب عن إمكانات التقطيع في إبطاء القراءة، وإبراز المفردات، وتكوين إيقاع بصري يتجاوب مع إيقاعها اللفظي.
لكن التقطيع هنا لا يرقى، في حد ذاته، إلى الكاليغرافيا الحرفية، بل ينتمي إلى تنظيم الفضاء الشعري، وتكمن أهمية هذا التمييز في أن البحث عن الكاليغرافيا في شعر بوطيب لا ينبغي أن يجعل كل ظاهرة بصرية دليلا على اشتغال حرفي، بل أن يحدد طبيعة كل ظاهرة ووظيفتها، فالتكرار، والتقطيع، والتفكيك الحروفي، وتوزيع الأسطر، مستويات متمايزة يمكن أن تتكامل في بناء الشعرية البصرية، لكنها تحتاج إلى وصف دقيق قبل الانتقال إلى التأويل.
من هذا المنطلق، تبرز العلاقة بين الشكل والمضمون بوصفها علاقة تفاعل، لا علاقة انفصال أو تطابق آلي، فالشكل لا يقدم معنى جاهزا، ولا يمكن اختزاله في ترجمة مرئية للمضمون، وإنما يشارك في كيفية ظهوره وتلقيه.
وقد يؤدي تفكيك الكلمة إلى إبطاء القراءة وإبراز وحداتها، بينما يتيح التقطيع إبراز بعض العبارات أو تنظيم توالي الصور.
وقد يمنح السطر المستقل كلمةً أو جملةً وزنا بصريا إضافيا، إلا أن قيمة هذه الاختيارات تتحدد بمدى اندماجها في التجربة الشعرية، لا بمجرد غرابتها أو خروجها على المألوف.
تتصل هذه المسألة بشعرية الصمت والبياض في قصيدة النثر الحديثة، فالفراغ لا يكتسب دلالة لمجرد وجوده، بل من علاقته بما يحيط به، ومن دوره في تنظيم القراءة وتوجيه الانتباه، وقد يصبح الفصل بين وحدتين لغويتين مجالا للانتظار أو التوتر أو الانتقال، وقد لا يتجاوز وظيفة التنسيق الطباعي، لذلك يتعين على القراءة النقدية أن تميز بين الفراغ الذي تفرضه هيئة النشر والفراغ الذي يدخل في البناء المقصود للنص، وأن تستند إلى النسخة الأصلية قبل بناء تأويلات تتعلق بالغياب أو الصمت أو الانكسار.
في تجربة بوطيب، تسمح الشواهد السابقة بالتمييز بين مستويين متكاملين:
- مستوى التشكيل الحروفي المباشر، الذي يظهر بوضوح في تفكيك كلمتي "رجال" و"نسوان" إلى حروف متتابعة عموديا.
- ومستوى التنظيم البصري للقصيدة، الذي يتجلى في تقطيع الجمل وتكرار النداءات وتوزيع الشذرات على أسطر قصيرة.
يكشف المستوى الأول عن تدخل ظاهر في هيئة الكلمة، فيما يكشف الثاني عن تنظيم الفضاء الكتابي بوصفه عنصرا من عناصر الإيقاع والتلقي.
ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه الشواهد إلى حكم شامل على المشروع الشعري كله، فهي تثبت حضور طرائق معينة في نصوص منشورة، وتتيح وصفها وتحليلها، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مدى انتشار الكاليغرافيا في مجموع قصائد الشاعر، أو القول إنها السمة الغالبة على تجربته، فذلك يحتاج إلى مدونة أوسع، تشمل نماذج من مراحل مختلفة، وتتيح المقارنة بين النصوص التي تعتمد التقطيع المعتاد، وتلك التي توظف تفكيك الحروف أو إعادة توزيعها بصريا.
كما تقتضي الدراسة التمييز بين هيئة النص المنشور على المواقع الرقمية وهيئته الأصلية في النسخ التي أعدها الشاعر، فالتنسيق الإلكتروني قد يتأثر بعرض الشاشة أو بنظام الخط أو بطريقة معالجة المسافات، وقد يؤدي النقل من وسيط إلى آخر إلى تغيير بعض العلاقات البصرية، ولهذا، فإن الاستدلال على قصد كاليغرافي محدد ينبغي أن يستند إلى نسخة موثوقة تحفظ هيئة الكتابة كما أرادها الشاعر، لا إلى المظهر الذي قد ينتج عن التنضيد الإلكتروني وحده.
إن شعرية الكاليغرافيا لا تتحقق في جمال الحرف منفردا، بل في العلاقة التي يقيمها مع الكلمة والسياق والفضاء الكتابي، فالحرف العربي يحمل إمكانات تشكيلية واسعة، لكن هذه الإمكانات لا تصبح شعرية إلا حين تسهم في بناء تجربة متكاملة.
وبالمثل، لا يكفي التقطيع أو التوزيع العمودي لإنتاج قيمة جمالية مستقلة، وإنما تبرز أهميتهما عندما يضيفان إلى القراءة إيقاعا أو توترا أو كثافة دلالية يمكن تبيّنها من داخل النص.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن بعض نصوص عبد الرحمن بوطيب تتيح قراءة التشكيل البصري بوصفه مكوّنا فاعلا في بناء القصيدة، لا مجرد هيئة خارجية لها، وتقدم شذرة "وقوف" المثال الأوضح على الانتقال من الكلمة المكتملة إلى تفكيك الحروف، فيما تكشف "أخي" و"لزوميات / شذرات متتاليات" عن طرائق أخرى في تنظيم الإيقاع عبر التقطيع والتكثيف.
وتظل هذه المستويات مختلفة في طبيعتها، لكنها تلتقي في توسيع مجال التفاعل بين المرئي والمقروء، وفي جعل طريقة ظهور اللغة على الصفحة عنصرًا يستحق التحليل.
هكذا، فإن البحث في تمظهرات الكاليغرافيا ودلالاتها وشعريتها في قصائد عبد الرحمن بوطيب لا ينبغي أن ينتهي إلى مجرد إثبات وجود أشكال بصرية لافتة، بل إلى مساءلة الوظائف التي تؤديها هذه الأشكال، وحدود تأثيرها في المعنى، وطبيعة العلاقة التي تقيمها مع الإيقاع والتكثيف والصورة والصمت، فالقيمة النقدية لا تكمن في وصف الحروف وهي تتوزع على الصفحة فقط، وإنما في بيان ما يضيفه هذا التوزيع إلى تجربة القراءة، وكيف يساهم في توجيه التأويل من غير أن يحل محل اللغة أو ينفصل عن سياقها.
في المحصلة، تكشف الشواهد المنشورة عن إمكانات فعلية لتحليل التشكيل الحروفي والبصري في شعر بوطيب، وتمنح الدراسة أساسا تطبيقيا أكثر صلابة من الاكتفاء بالتأطير النظري، لكنها تدعونا أيضا إلى الدقة في استعمال المصطلحات، والتمييز بين الكاليغرافيا بالمعنى الدقيق والتشكيل البصري بمعناه الأوسع، ومن هذا التمييز تنطلق قراءة أكثر إنصافا وعمقا، تتعامل مع القصيدة بوصفها بنية لغوية وجمالية متكاملة، وتمنح الحرف والفضاء الكتابي قيمتهما حين يسهمان، بالفعل، في إنتاج الشعرية وتوسيع أفق الدلالة.
——————ــــ——
* المصادر النصية المعتمدة:

- عبد الرحمن بوطيب، "هجير الليالي الباردة / شذرات شعرية"⁠، منشور في الحوار المتمدن، 16 أكتوبر 2026. يتضمن شذرة "وقوف"، وهي الشاهد الأبرز على التفكيك الحروفي والتشكيل البصري.
- عبد الرحمن بوطيب، "أخي / قصيدة نثرية"⁠، منشور في الحوار المتمدن، 17 مارس 2026.
- عبد الرحمن بوطيب، "لزوميات / شذرات متتاليات"⁠، منشور في الحوار المتمدن، 29 أغسطس 2026.
- عبد الرحمن بوطيب، "كهف... غيمة / قصيدة نثرية"⁠، منشور في الحوار المتمدن، 6 أبريل 2026.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسابيع الرؤى الثقافية - إدارة عبد الرحمن بوطيب - الكتاب الرق ...
- قراءة نقدية - هجيرٌ في ثوب البرد: شعرية الزمن المتصدّع في شذ ...
- د. منير محقق: من التلقي إلى إعادة تشكيل المعنى: قراءة في تفا ...
- د. منير محقق: حين يمطر الحنين: من رثاء الأم إلى أفق الوطن: ق ...
- تبرئة ذمة - ورقة أدبية ذاتية - بوح: عبد الرحمن بوطيب
- قراءة نقدية في القصيدة النثرية -شتاءٌ لن يأتي- للشاعرة العرا ...
- نقاش نقدي معمق حول نص -حكايات الشيوخ الصباحية- للشاعر عبد ال ...
- -حلقة الشعراء المتقاعدين... وتلك القبلة الحمراء في أعماق ألا ...
- سقوط... غير حر - قصة قصيرة - الكاتب عبد الرحمن بوطيب - إنارة ...
- حلقة الشعراء المتقاعدين... وتلك القبلة الحمراء في أعماق ألاس ...
- قيم إنسانية على المحك: حين تصبح الإنسانية تمرينا يوميا وقفة ...
- الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب: من عبور العمر إلى خلود الأثر ...
- شعرية إبداع تمزقات نسائية... وصمود / في إبداع الأديبة كوثر ج ...
- الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب: من عبور العمر إلى خلود الأثر ...
- قراءة نقدية في القصة القصيرة -نصف يوم- للكاتبة السورية كوثر ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- شعرية المشي في مواجهة الحقد والغياب / قراءة نقدية في قصيدة « ...
- الأديبة السورية الكاتبة كوثر جعفر في حوار ثقافي مع الأديب ال ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- [ شعرية المشي في مواجهة الحقد والغياب ] قراءة نقدية في قصيدة ...


المزيد.....




- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...
- «قساطل».. سينما لبنانية ترصد صراع البقاء والوحدة في قرية منس ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - تمظهرات الكاليغرافيا ودلالاتها وشعريتها في قصائد عبد الرحمن بوطيب - دراسة نقدية: قراءة في التشكيل البصري، وانتفاح الدلالة، وأفق الشعرية.