أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - أسابيع الرؤى الثقافية - إدارة عبد الرحمن بوطيب - الكتاب الرقمي السادس - أوراق ذاتية إبداعية















المزيد.....



أسابيع الرؤى الثقافية - إدارة عبد الرحمن بوطيب - الكتاب الرقمي السادس - أوراق ذاتية إبداعية


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 00:48
المحور: الادب والفن
    


الأدباء
1/ الأستاذ حسن برما – عدد 21
2/ الأستاذ عبد الجليل التهاني الوزاني – عدد 22
3/ الأستاذة نادية الزوين – عدد 23
4/ الأستاذ عبد الرحيم هري – عدد 24

تقديم
في رحاب "أسابيع الرؤى الثقافية"، نواصل الإصغاء إلى تجارب إبداعية اختارت أن تجعل من الكتابة مساحةً لاكتشاف الذات، واستعادة الذاكرة، ومساءلة الحياة، وأن تترك في الكلمات شيئًا من أثر الإنسان وأسئلته وانحيازاته.
ويأتي هذا العدد السادس، المخصص للأوراق الذاتية الإبداعية، حاملًا أربع تجارب مغربية تتباين في مساراتها، وتلتقي في إيمانها العميق بجدوى الكتابة وطاقتها على حفظ التجربة وإعادة تشكيلها.
مع الأديب والشاعر والقاص والروائي حسن برما، نستعيد ملامح التكوين في حي المحمدي، حيث تداخلت تفاصيل الطفولة مع تحولات المجتمع، وأسهمت القراءة في صقل الوعي، لتغدو الكتابة صوتًا للهامش، وشهادةً على زمنه، وحلمًا لا يتخلى عن إمكانات التغيير.
ومع الأديب عبد الجليل التهامي الوزاني، نرافق رحلةً تتشكل فيها الكتابة من بذور الطفولة الأولى، ومن سحر الحروف والقراءات المؤسسة، ومن ذاكرة الأمكنة التي لا تبقى مجرد جغرافيا، بل تتحول إلى حياة أخرى داخل النص، وسيرة تتجدد كلما أعادت الذات قراءة نفسها والعالم.
أما الشاعرة والكاتبة نادية الزوين، فتقربنا من الكتابة بوصفها محاولةً لترميم ما تتركه الحياة من شروخ في الداخل، ونافذةً للبوح واستعادة الذات، حيث تتجاور الذاكرة والفقد والحنين، ويغدو النص أثرًا إنسانيًا يقاوم النسيان ويمنح الوحدة معنى المشاركة.
ومع الأديب عبد الرحيم هري، ينفتح البوح على تجربة تجعل من الحب قيمةً إنسانيةً جامعة، ومن القراءة والكتابة طريقًا للوعي والمسؤولية، ومن الكلمة رسالةً لا تكتمل إلا بانحيازها إلى كرامة الإنسان، واحترام الاختلاف، والإسهام في بناء مجتمع أكثر عدلًا وتسامحًا.
أربع أوراق ذاتية، وأربعة مسارات في الحياة والإبداع، تتيح لنا الاقتراب من البدايات والتحولات، ومن العلاقة المتشابكة بين التجربة الشخصية والذاكرة الجماعية، وبين ما يعيشه الكاتب وما يختار أن يمنحه حياةً أخرى في اللغة.
إنها دعوة إلى قراءة الإنسان في كتابته، والإصغاء إلى ما تقوله النصوص عن أصحابها، وما تكشفه، في الوقت نفسه، عن زمنهم وأسئلتهم وأحلامهم.
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية، تواصل من خلال هذا المشروع فتح نوافذ التواصل بين المبدعين والقراء، إيمانًا بأن كل تجربة صادقة تستحق أن تُروى، وأن الكتابة، حين تنبع من عمق الحياة، تظل قادرةً على أن تصل بين الذوات، وأن تترك أثرها في الذاكرة.
مرحبًا بكم في العدد السادس من "أسابيع الرؤى الثقافية"، حيث تتعدد الحكايات، وتلتقي الرؤى، وتظل الكلمة جسرًا بين الإنسان والحياة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العدد الواحد والعشرون
الضيف: الأستاذ حسن برما
حروف من "رحم جزيرة الحياة والحلم الممكن"
حي محمدي، وأكثر

كما قالت العرافة.. يبدو أن الأغنية ما زالت مستمرة، ما دام المغني يرفع صوته بالحنين، يغني للشوق قصيدة حياة اقتربت من اكتمالها، يفصح عن بدايات الصرخة الأولى، في فضاء ازدحم بأحلام بريئة قادمة من كل جهات الوطن، وقبلها.. كان مخاض الوقت المكتظ بركض الخارجين من معركة الحرية في الحي المحمدي، هنا كانت صدفة الولادة، واستنشقت رائحة وجود استعارت من دروب البسطاء هوية عنيدة وفخر انتماء.
نهاية خمسينيات القرن الميت، استمع الطفل وهو يزحف على أربع لموال أصيل استمد لحنه من تربة سخية شكلت سهول الشاوية ودكالة لوحة صافية تلاحمت مع إيقاعات القادمين من جبال الأطلس الشامخ وصحارى الرؤية الحكيمة، علمته الأم أن ينام على شَدْوِ وطن يعتصم برغبة قوية في أن يعيش الكائن المغربي بكرامة وشكل أحسن.
وبعد تعلمِ الوقوف، مع الخطوات الأولى والخروج من رحم العائلة الصغيرة، رأى آثار خطوه ترتسم على تربة حي هويته ضاحية الهامش المقصي من بركات المركز، كان الدرب محاطا من الجهة الشمالية الشرقية بإسفلت أجرب أطلقوا عليه شارع الحزام الكبير واعتبروه نهاية تمدن وانتساب لمدينة صارت شبحا فيما بعد، كانت لعبه هو أقرانه ترابية المادة بدائية التفصيل، وعند باب الدرب شجرة عجوز تحرس المنازل وتهدي الأطفال ظلا كبيرا وأغصانا يصنعون منها أسلحة معارك جاهلية تدور رحاها بين مشاغبي الدروب المجاورة و المراهقين الراغبين في إثبات ذواتهم المهزومة.
وقبل الدخول للمدرسة الابتدائية، عاش الطفل لحظة ظلت موشومة في جمجمته الشقية، لعلها كانت في وسط عقد الستينيات، شباب محتجون يصرخون ويرددون الشعارات في تقاطع شارع الحزام الكبير والشارع المؤدي لقيسارية الحي المحمدي المقابلة لعمارات ومارشي بلوك بازيل، لسذاجته... اعتقد الطفل الغر أنها مظاهرة كروية خاصة بجماهير الطاس أو الترجي أو الأهرام، فجأة ركض الشبان في كل الاتجاهات، فروا وحاولوا الإفلات من مطاردات رجال الشرطة والقوات المساعدة، فيما بعد فهم أن الأمر له علاقة بالتمرد والثورة وأن سنوات الجمر والرصاص كانت في أوج الصراع والمواجهات الدامية.
من سوء حظ الطفل الدراسي، فرضوا عليه التمدرس في ابتدائية اسمها مدرسة جانكير، بعيدة عن بلوك السعادة والنمرة جوج بأكثر من كيلومتر تقريبا، كانت في خلاء رملي محاذية لمقبرة اليهود جنوبا وشرقا وثكنة عسكرية غربا، هذا التفصيل الجغرافي سيترك في ذاكرة الطفل ذكريات اصطادها في فترات الانتظار وما قبل الدخول إلى القاعات الدراسية، وأبرز ما رسخ في البال، موسيقى عسكرية يمارس على إيقاعاتها الحربية الحماسية جنود شباب تمرينات في صفوف متراصة بخطوات واثقة، وفي سنته الثانية، قد تكون 1967، تسلل مع أطفال جانكير لمقبرة اليهود وكسروا رخام بعض القبور انتقاما مما سمعوه عن حرب الأيام الستة وفروا خائفين من عصي حراسها المسلمين.
في ظهيرة منفلتة عن شيطان النسيان، كان الطفل مصحوبا برفيق طريق حدثه عن جماعة "هداوة" قدموا سهرة في تلفزيون الأبيض والأسود، أخبره بأنهم من أبناء الحي المحمدي، ولم يكن يعلم أن تلك الجماعة في أول ظهور لها على شاشة التلفزيون المغربي هي مجموعة "ناس الغيوان" بملابسها التقليدية وأدوات عزفها الأصيلة ودعدوع "بوجميع" الشبيه بطعريجة كبيرة يحملها مجاذيب يرددون كلاما مسجوعا ويطلبون الصدقة.
بثانوية المستقبل الإعدادية، ابتسم الحظ للطفل، كانت المؤسسة الوحيدة في الحي المحمدي التي يستفيد تلامذتها وتلميذاتها من فرجة سينمائية عشية كل جمعة بمقابل مادي لا يتجاوز ثلاثين سنتيما، ومعها تعلق بشاشة كبيرة عرضت عليهم إبداعات عالمية من خالدات الويسترن وأفلام الحركة والحروب، كان مدير المؤسسة "السي قوبي" أديبا مثقفا، صارما في تعامله مع التلاميذ والطاقم التربوي المكون من أساتذة مغاربة وسوريين وفرنسيين وهنغاريين، وكان تأثيرهم كبيرا على جيل عصامي استفاد من تأطير تربوي سليم.
سنة 1975، ظلت طوابير الشاحنات المحملة بمتطوعي المسيرة الخضراء تملأ الفضاء الزغاريد والأغاني والشعارات، ونحن أمام باب إعدادية المستقبل نتأمل تلك الصفوف الطويلة من الدواب الحديدية من فورد وبيرليي والطايمس وحماس الرجال والنساء، نأخذ نصيبنا من جرعات الوطنية والدعاء بالسلامة للمتطوعين، وحين ندخل لحصة اللغة العربية، كان التلاميذ يرجونني ان أكتب سؤالا مرتجلا وأضعه فوق مكتب الأستاذ العمراني لينشغل المسكين بالرد علينا طيلة الساعة ونرتاج من البرنامج الثقيل لقواعد اللغة والشكل الإعراب، وبالمقابل، نحن المساكين لم نكن نعلم بان الأستاذ العمراني كان من نخبة الدعاة المنتمين لفصيل ملتحين صنعهم إدريس البصري لمواجهة اليسار واغتيال الشهيد عمر بنجلون، من أجل ذلك سامحه الله، لم يكن يدرسنا البرنامج الرسمي المقرر، بل كان يمارس علينا نحن التلاميذ الدعوة ويشحن أدمغتنا بأدبيات الإخوان المسلمين القادمة من الشرق الموبوء ويحذرنا من خطورة الدراسة في الثانوي والجامعة ومن الخروج عن الإسلام واتباع الأفكار الهدامة.
وفي هذه السنة أيضا، أصابني داء إدمان قراءة الجرائد الوطنية، في الجهة المقابلة للمدخل الرئيسي لثانوية المستقبل، كان دكان السي علي الخاص ببيع المواد الغذائية الجرائد والمجلات والروايات العربية، ذاك الأمازيغي الحر، كان يكره تجمع التلاميذ فوق عتبة دكانه، يطردهم، ولسبب ما لا علم لي به، ربما كان يبدو علي أني مهادن مسالم، كنت التلميذ الوحيد الذي يتركه واقفا أمام باب دكانه، والمفاجئ أنه كان يمدني مجانا بجرائد معينة، ومن حينها غرس في حب مطالعة الروايات العربية وقراءة الإعلام المغربي، وصرت مواظبا على قراءة الملاحق الثقافية للمحرر والعلم والبيان وفيما بعد أنوال الثقافي.
بعد داء إدمان الجرائد وحبرها الأسود، أصابتني لوثة قراءة كتب في طبعات شعبية معظمها لمصطفى لطفي المنفلوطي وخبران خليل جبران وفيما بعد جاءت مرحلة الرواية العاطفية مع إحسان عبد القدوس وسميرة بنت الجزيرة العربية ومحمد عبد الحليم عبد الله والرواية الواقعية مع نجيب محفوظ وروايات يوسف السباعي الاجتماعية والمحكي الغرائبي في ألف ليلة وليلة وكتب "التنمية الذاتية" عند سلامة موسى وسير ذاتية في أيام طه حسين وكتاب حياتي لأحمد أمين ودواوين نزار قباني وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش.. وبقية لائحة مطبوعات شعبية كنت تجدها بسهولة في المكتبات وأكشاك بيع الجرائد وباعة التبغ والسجائر الفاخرة ومول الحمص.
ونظرا لضيق ذات اليد وسطوة داء القراءة والتهام الكتب بسرعة، صار الطفل الذي تحول لمراهق حالم زبونا دائما على مكتبة حميد المتواضعة المنزوية في إحدى أركان جوطية السوق الفوقاني، هناك وجد ضالته، واتسعت لديه لعبة اختيار كتب مستعملة باللغتين الفرنسية والعربية وبأثمان رمزية رخيصة.
في السبعينيات وما قبلها، كانت العطلة الدراسية عند الوالد والوالدة تعني السفر للبادية والعودة للأصول، رحلتان موزعتان دون عدل لا تغيير فيهما، رحلة الشتاء والربيع لحقول شتوكة السخية، ورحلة الصيف الكبيرة لجنان دكالة المعطاء، كان الذهاب إليهما بمثابة السفر لجامعة أصيلة علمتنا حياة البادية ومعها تعرفنا على تفاصيل الحياة في الحقل والبيدر والغابة.
لملء وقت الفراغ، كان الشاب يوفر الريالات، يتزود من جوطية السوق الفوقاني بمجموعة من الكتب متنوعة المحتوى واللغة، يقتني كتب الجيب لستاندال وبيير بينوا وجول فيرن وتولستوي ودويستويفسكي وبؤساء فيكتور هوغو وذهب مع الريح لمارغريت ميتشيل ومناوشات جان بول سارتر وسيمون ديبوفوار وغرائبيات مارسيل بروست وجيمس جويس ومجلدات صادق الرافعي ومحمد عبده والجاحظ وأبي العلاء المعري وأشعار صلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي ومعلقات الشعر الجاهلي وديوان المتنبي وروايات جبرا إبراهيم جبرا وصنع الله إبراهيم وإميل حبيبي.
استثمر الشاب وقت العطلة، التهم هاته العناوين نهارا مرفوقا بغناء طيور محتمية بأغصان أشجار التين وعلى ضوء شمعة تزين ليلا مزدحما بنباح الكلاب وخوار الأبقار وأناشيد طيّاب العنب الذي لا يتعب، كل الوقت كان للقراءة، وبعض الزمن محطات مهمة ساهمت في تشكيل شخصية عشقت الكلمة وآمنت بجدواها وفعاليتها في عالم متحول لا يتوقف ليستريح.
مع الحبيب الأول، اكتشف متعة الإيقاع الحبيبة عن طريق رسائل عشق اقتفى فيها آثار تأملات جبران ومبالغات المنفلوطي سذاجة سميرة بنت الجزيرة، كان التقليد ناجحا، والحبيبة انتظرت الرسائل بلهفة لتتمتع بأسلوب حالم وتعابير تسقط الزرزور من فوق السور، وحين تختفي انفعالات المراهق ينشغل بكتابة مذكرات يومية ذات نفس تخييلي لا يحترم كرونولوجيا الواقع اليومي وتقريرية البوح المباشر، وفي ليالي الربيع المبتسم كتب قصائد حب قلد فيها شعراء المهجر وعلى رأسهم خليل مطران وتأملات بدر شاكر السياب، ومع الأيام.. صارت الكتابة طقسا يوميا يمتحن فيه الشاب قدرته على البوح والاعتراف والتأمل وتعلم كيفية التعامل مع واقع الحي المحمدي و"نعمة" التواجد فيه.
ومن المحطات المؤثرة في شخصيته، ما حدث خلال السنة الثانية ثانوي تأهيلي، رفض التلاميذ ومن يؤطرونهم في الخفاء مشاريع إصلاح كاذبة كان الهدف منها إفراغ العملية التعليمية من رسالتها النبيلة ووضع العراقيل في وجه الشباب وتغيير البرامج بمحتويات ملغوم هدفها تضبيع أجيال المستقبل ونشر الفكر الخرافي مكان الفكر الفلسفي، احتج الشباب بالشعارات والأغاني، واجهتهم آلات القمع بالضرب والتنكيل والتعذيب والسجن، عاش الشاب الأحداث من الداخل، شاهد طقسا بشعا قوامه الظلم والطغيان وإهدار كرامة المواطن، ترسخ في ذهنه أن المخزن ظالم معتد لا يرحم البؤساء، ودون تردد.. انحاز لصف الطبقة الكادحة بوعيها الشقي، وآمن بجدوى النضال والحاجة لفضح أمراض الذئاب المفترسة.
وبفعل قراءته للملاحق الثقافية الرائدة آنذاك، تعرّف على أسماء أقلام مميزة في الأدب المغربي المعاصر لا علاقة لها بالأسماء المفروضة في كتب المقررات الرسمية، اكتشف أن المغرب يضم أقلاما وازنة لها مكانة في الأدب العربي، وعن طريق برنامج ثقافي اشتهرت الصحفية فاطمة التواتي بتقديمه تعرف على العناوين الجديدة، وكانت أولى مشترياته المغربية كتاب "درجة الوعي في الكتابة" للناقد نجيب العوفي و"المصطلح المشترك" للناقد إدريس الناقوري وديوان الحبيب الفرقاني "نجوم في يدي" ورواية "المغتربون" للكاتب محمد الأحسايني.
نهاية 1979، بعد الحصول على الباكالوريا، انتقل لإتمام الدراسة الجامعية في كلية الآداب بالرباط، صادف أن اختار شعبة اللغة العربية وآدابها، حينها.. درس عند الروائي الناقد محمد برادة والقاص المتميز أحمد بوزفور والناقد الرائد أحمد اليابوري والشاعر محمد بنيس والناقد عبد الفتاح كيليطو وغيرهم.. مع هؤلاء وأمثالهم، تَعمّقَ لديه الإيمان بقيمة الكتابة كسلاح فعّال في الصراع الطبقي، وتكرس لديه الوعي بلزوم الدراسة والوعي بالأساليب الحديثة لإبداع نصوص تتجاوز الكتابة التقليدية وقيمها الموروثة عن زمن السيبة والجهل وظلام التخلف المركب.
في صيف 1981 اشتعل الحي المحمدي غضبا ومعه كل أحياء الدار البيضاء الفقيرة، لم يعد للصبر حدود، انفجر تعساء الوقت الشقي ضد فيروسات الافتراس والجشع والاحتكار، غنى حزيران الحزين نشيد الثورة والتمرد والعصيان، ولأول مرة، خرجت الأسلحة الثقيلة بشوارع البؤس والفقر المدقع، اشتد الصدام بين جوعى أعماهم جوع البطن وعطش الفكر ووحوش فقدت الرغبة في نشر العدل والحرية، ظهرت الدبابة المرعبة في مدار نهاية الحافلة رقم جوج، لعلع صوت الرصاص في الأفق المختنق، سقطت أجساد فشلت في الهرب بأحلامها، وفي الزنازين الضيقة، انحبست أنفاس الشيوخ والأطفال، مات السجناء اختناقا، دفنوهم ليلا وفي سرية تامة بخلاء موحش بهامش ثكنة المطافئ، لا أحد أهتم بضحايا كوميرة كما سماهم وحش الشاوية الأبرص، ولا أحد بعدها رأى اليوم الأبيض.
وكذلك كانت الحياة، محطات في ظاهرها اصطدامات وحماقات وفي عمقها جرح كبير نزف أوجاعا وآلاما وكوابيس أزاحت الأحلام البريئة عن عرش الأماني، حلقات سلسلة من خيبات وهزائم وجدت انعكاسا لها في نصوص إبداعية تحررت من قيود الكائن وواصلت الحلم بالممكن، شعرا كانت أو قصة أو رواية، لا يهم الجنس الأدبي، بقدر ما اهتم الحالم بإسماع صوته المبحوح وأصوات المكتوين بنيران الهامش والإقصاء المؤلم، نصوص محكومة برؤية محددة للعالم استمدت مرجعيتها من محيط آمن بالإبداع الجاد واقتنع بضرورة الانصياع للحظة الكتابة ومتاهات التخييل، وعليه.. من هذه الحلقات الموشومة بإزميل السخط والرفض والامتعاض، تشكلت سلسلة إبداعات الآدمي حسن برما دون نسيان محطات رضا وسعادة عاش فيها الحب الحقيقي والفرح الصادق والأمل الدائم في غد أفضل، وهنا لم تنته الحكاية ولم تمش مع الواد، بل هناك في الأفق القريب تتمة لحياة تصر على ترك إرث جميل يقول هنا عاش حسن برما الحياة بما ينبغي من الحب والعناد وترك للأجيال القادمة كلمة هي شهادة جيل سامح الجلاد واستراح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العدد الثاني والعشرون
الضيف: الأستاذ عبد الجليل الوزاني التهامي
شهادة في المسار الحياتي والإبداعي: حين تصير الحياة نصا والمكان ذاكرة حية

في البداية، لم تكن الكتابة بالنسبة لي مشروعا واضح المعالم، ولا خيارا محسومًا، بل كانت أشبه بظل خفي يتقدم بهدوء داخل التجربة، دون أن يعلن عن نفسه. كانت أقرب إلى حدس داخلي ملتبس، إلى رغبة في الإمساك بلحظات تتفلت من الزمن، وإلى محاولة صامتة لترتيب الفوضى التي كانت تسكن الداخل دون اسم محدد.
حين أعود إلى الوراء، أجد أن البذرة الأولى لم تكن فكرة ولا وعيا نظريا بالكتابة، بل مشهدا بسيطا ظل عالقا في الذاكرة: تلك الخطوط المرتبكة التي كانت ترسم على لوح رمادي، وتلك الأصابع المرتعشة وهي تخط الحروف الأولى في حضرة الفقيه السي معاشو، رحمة الله عليه.
هناك، في بساطة المسيد وهدوئه العميق، وقداسة الآيات القرآنية، بدأ شيء ما يتشكل في داخلي. ثم امتد شغب الطفولة ليلامس أوراق الوالد الوظيفية؛ سجلات ودفاتر نظارة الأوقاف حيث كان يعمل. كان لسحر خطوطه أثر غريب في نفسي؛ تدغدغ أحاسيسي على نحو عجيب. لم يكن الأمر سردا ولا كلاما مفهوما، بل خطوطا، أسماء وأرقاما، لم تنكشف لي معالمها إلا بعد سنوات.
الكتابة... تلك اللعنة الجميلة، ذلك الحديث الصامت بين القلم والورق، حين يتحول العشق إلى هوس... يكبر، ويكبر.
لم تكن الحروف مجرد تمرين على الكتابة، بل كانت بداية تشكل علاقة غامضة بين الذات والعالم، علاقة ستتسع لاحقا لتغدو أسلوبا في العيش قبل أن تكون أسلوبا في الكتابة.
ومنذ تلك اللحظة الأولى، أخذت الكتابة تنمو في داخلي مستندة إلى قراءات مبكرة وسعت أفق رؤيتي، وأعادت صياغة صلتي باللغة وبالعالم. كانت نصوص القراءة المدرسية لأحمد بوكماخ، من "الله يرانا" إلى "أحمد والعفريت"، إلى جانب غيرها من مقررات وافدة من المشرق العربي، بمثابة العتبة الأولى لهذا الانفتاح.
ثم أقبلت صفحات مصطفى لطفي المنفلوطي، بما تحمله من رهافة عاطفية تستقر في عمق العبارة وتكسوها دفئا إنسانيا خاصا، في حين دفعتني تأملات طه حسين إلى مواجهة أسئلة العقل والشك، بما تخلقه من توتر خفي بين اليقين والاحتمال.
أما عوالم نجيب محفوظ، فقد أبانت لي كيف يمكن للمدينة أن تغدو كائنا حيا ينبض داخل النص، يشارك في صياغة المصائر، ويسهم في تشكيل وعي الشخصيات.
وإلى جانب ذلك، كانت "ألف ليلة وليلة" تفتح أمامي آفاق الدهشة على اتساعها، وتعلمني أن الخيال ليس نقيضا للواقع، بل امتداده الأكثر حرية وجرأة، القادر على إعادة خلق العالم داخل الحكاية.
كما منحتني رومنسيات محمد عبد الحليم عبد الله، وإشراقات جبران خليل جبران، بعدا آخر للكتابة، حيث تتجاور العاطفة مع التأمل، ويغدو للقلب إيقاعه الخاص، كما للقلم أنفاسه. هناك أدركت أن اللغة لا تصاغ بالعقل أو الخيال وحدهما، بل أيضا بما يختلج في الداخل من شجن وحنين وأسئلة لا تهدأ.
ومنذ ذلك التشكل الأول، لم تعد الكتابة فعلا منفصلا عن الحياة، بل صارت حياة أخرى تعاش داخل اللغة؛ حياة تعيد ترتيب الممكن والمستحيل، وتمنح الواقع احتمالاته المخفية، كما تمنح الحلم قدرته على التحقق داخل السرد.
ومع انتقالات العمر، من بلدة "بوأحمد" على الساحل المتوسطي إلى مدينة تطوان، الحمامة البيضاء، لم يكن الأمر مجرد حركة في الجغرافيا، بل كان انتقالا بطيئا في طبقات الوعي ذاته. فكل مكان عبرته لم يكن يمر بي دون أن يترك أثرا خفيا، أو يضيف طبقة جديدة إلى الذاكرة. لم تكن تلك الانتقالات فواصل بين مراحل، بل كانت تراكما صامتا تتداخل فيه الأزمنة، حيث تظل الطفولة حاضرة في عمق النضج، ويظل الماضي يعمل داخل الحاضر دون أن يرى.
وفي هذا الامتداد، لم يكن المكان مجرد خلفية محايدة، بل كان كيانا حيا يشارك في تشكيل التجربة. الأزقة التي مررت بها، والساحات التي شهدت خطواتي الأولى، لم تكن مجرد فضاءات خارجية، بل كانت عناصر داخلية أعادت صياغة إحساسي بالعالم. ومن هنا، لم يعد المكان في الكتابة مجرد إطار للأحداث، بل أصبح ذاكرة قابلة للاستعادة، وطبقة من الوعي تعاد كتابتها داخل النص.
ومع تراكم التجربة الروائية، بدأت أكتشف أن الكتابة ليست وصفا للحياة بقدر ما هي إعادة إنتاج لها من داخل الذاكرة. فالشخصيات التي تسكن نصوصي لم تكن نسخا مني، كما لم تكن غريبة عني تماما؛ كانت أشبه بإمكانات مؤجلة لذاتي، تعيش ما لم أعشه، وتقول ما ظل معلقا في الصمت.
وهكذا، ومع كل عمل جديد، كنت أكتشف أنني أكتب جزءا إضافيا من سيرتي دون أن أقصد ذلك بشكل مباشر. فالسيرة، كما بدأت أعي لاحقا، ليست نصا واحدا مغلقا، بل هي تفتت متواصل في نصوص متعددة، تتجاور فيها الأزمنة وتتصادم فيها التجارب. ومن هذا المنظور، تحولت الكتابة إلى سيرة روائية ممتدة، لا تكتب دفعة واحدة، بل تتشكل مع كل نص.
ولم يتوقف هذا المسار عند حدود المكان الأول، بل انفتح على فضاءات أخرى حملتني إليها الكتابة كما حملتني الذاكرة. هناك، لم يعد السفر مجرد انتقال جسدي، بل صار رحلة داخل الذات، محاولة لإعادة قراءة النفس في مرايا الآخرين، وفي وجوه الأمكنة الجديدة التي لا تنفصل عن القديمة إلا ظاهريا.
وفي قلب هذا المسار، ترسخ لدي إدراك عميق بأن الكتابة ليست ترفا جماليا، بل ضرورة وجودية. إنها محاولة لفهم ما يحدث في الداخل قبل الخارج، وشكل من أشكال مقاومة التلاشي والنسيان. فكل نص هو محاولة للإبقاء على أثر ما: لحظة، وجه، صوت، أو إحساس يتأرجح بين الحضور والغياب.
وحين أستعيد هذا المسار اليوم، لا أراه خطا مستقيما، بل شبكة متداخلة من التجارب التي صنعتني بقدر ما صنعتها. وكل ما أستطيع قوله إن هذه الرحلة لم تكتمل بعد، وأن الكتابة ما تزال، في كل مرة، قادرة على أن تفتح نافذة جديدة على الذات، وأن تعيد ترتيب ما كنت أظنه قد استقر في الذاكرة.
وفي النهاية، يبدو لي أنني لم أختر الكتابة بقدر ما اختارتني، وأنني لم أكتب حياتي كما عشتها، بل عشتها كما كتبتها، حتى أصبح الحد الفاصل بينهما مجرد خط رفيع، قابل دائما للمحو وإعادة الكتابة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العدد الثالث والعشرون
الضيفة: الأستاذة نادية الزوين
محاولة خفية لترميم ما تكسره الحياة في الداخل... هي الكتابة

بوح... بصيغة نثر:
الكتابة، في نظري، ليست مجرد ترتيب للكلمات، بل محاولة خفية لترميم ما تكسره الحياة في الداخل.
نحن لا نكتب لأننا نملك ما نقوله فقط، بل لأنّ هناك شيئا في أرواحنا يخاف أن يختفي دون أثر.
كل نصّ هو نسخة أخرى منا، أكثر صدقا أحيانا من وجوهنا نفسها.
حين أكتب، أشعر أنّني لا أواجه الورقة وحدها، بل أواجهني أيضا…
ذلك الشخص الذي أخفى حزنه طويلا، وتظاهر بالقوة، ثم وجد في الحروف نافذة صغيرة للتنفس.
الكتابة لا تشفي الألم دائما، لكنها تمنحه شكلا يمكن احتماله.
أؤمن أنّ الإنسان يكتب غالبا من نقص ما:
نقص دفء، أو فهم، أو طمأنينة، أو حضور.
فالذين امتلأت أرواحهم تماما نادرا ما يبحثون عن الورق.
أما الذين يسكنهم الفراغ، فيحاولون ملأه بالجمل، بالقصائد، بالاعترافات المؤجلة.
الكتابة أيضا نوع من المقاومة.
أن تكتب يعني أنك ما زلت قادرا على الشعور، رغم كل ما حاول أن يجعلك أكثر برودا.
أن تكتب يعني أنك ترفض أن يتحول ألمك إلى صمت كامل.
وأحيانا أشعر أن الكلمات أذكى من أصحابها
فنحن نظن أننا نكتب عن المطر، بينما نحن في الحقيقة نكتب عن الفقد.
نظن أننا نصف الغياب، بينما نحن نبحث عمّن يعيد إلينا أنفسنا القديمة.
أكثر ما يدهشني في الكتابة أنها تحفظ النسخ التي ماتت منا.
نقرأ نصا قديما فنكتشف أننا كنّا شخصا آخر:
أكثر خوفا، أو أكثر حبا، أو أكثر انكسارا.
وكأن الكتابة لا تحفظ اللحظة فقط، بل تحفظ الروح التي عاشت تلك اللحظة.
ومن منظور شخصي، أرى أن الكاتب لا يختار الكتابة تماما…
بل الكتابة هي التي تختاره حين يصبح قلبه ممتلئا بما لا يستطيع قوله بصوت عادي.
لهذا تبدو بعض النصوص كأنها نجاة أخيرة، لا مجرد كلمات.
وأعتقد أن أجمل ما في الكتابة أنها تمنح الوحدة معنى.
فحين يجد شخصٌ بعيد نفسه داخل سطورك، تدرك أنك لم تكن تبكي وحدك، ولم تكن تنتظر وحدك، ولم يكن حزنك استثناء في هذا العالم.
لهذا، ربما نكتب…
كي لا تضيع مشاعرنا في زحام الأيام
وكي يبقى لنا، وسط كل هذا العبور
أثرٌ صغير يقول:
"لقد مررنا من هنا… وشعرنا بكل شيء"

همس... بصيغة شعر:
أنا والمطر
نلتقي دون موعد،
كأنّ الغيم يعرف اسمي،
ويهمس به
قبل أنْ تنهمر السماء،
كأنّ بيني وبينه
عهدا قديما
لا تذكره الفصول…
أنا والمطر
رفيقان في الحنين،
هو يبكي بصوت عال،
وأنا…
أخبئ دمعي في صدري،
كي لا يفضحني الطريق،
كي لا تراني العيون
وأنا أتشقق من الغياب…
أنا والمطر
نمشي معا
في شوارع تعرف خطاي،
نعدّ البلاط حجرا حجرا،
ونستعيد ضحكات
كانت هنا…
ثم ذابت
كما تذوب الأغاني القديمة…
أنا والمطر
نكتب على الأرصفة
حكايات لا تقرأ،
نرسم على الزجاج
وجوها غائبة،
ونزرع في الزوايا
أسرار العابرين،
ثم نتركها
لتنمو في صمت
كالحسرة…
كلّ قطرة
تسقط على كفي
تسألني:
مَن تركك هكذا
مبللة بالانتظار؟
من علم قلبك
أن يثق بالغيم
ولا يخاف الرحيل؟
فأبتسم…
وأقول:
تركني الذي
كان يعدني بالشمس،
ثم اختفى
حين اشتد الغيم…
أنا والمطر
نختلف قليلا،
هو.. يعود كلّ عام،
وأنا...
ما عدت أعود كما كنت،
أضعتُ بعضي
على أرصفة الغياب،
وتركت الباقي
ينتظر معجزة
لا تأتي…
أنا والمطر
نصغي لبعضنا،
هو يروي حكاية الغيم،
وأنا أروي له
حكاية قلب
تعب من الانتظار،
قلب
كلما ظنّ أنه شفي
عاد لينبض بالألم…
وفي آخرِ الليل،
حين يهدأ المطر،
وتتعب السماء،
أبقى وحدي…
أجمع ما تبقى مني،
وأعلق على نافذتي
قطرة أخيرة،
أقول لها:
إن عاد…
أخبريه أنني
كنتُ هنا…
أنا والمطر…
ننتظره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العددالرابع والعشرون
الضيف: الأستاذ عبد الرحيم هري
أنا العاشق المتيم...أنا المحب

أحببت أول ما أحببت، أبي وأمي، وأحببت الحياة من خلالهما، ليتسع الحب كي يشمل من حولي، ثم زاد شساعة ليضم الكون أجمعه.
فمن كان مُحبا، لا يميز حبه بلون أو دين أو جنسية أو انتماء سوى الانتماء إلى خلق الله، فالله جميل يجب الجمال، وعلينا أن نتحلى بهذه الصفة، نحب ما يحبه الله ونكره ما يكرهه الله.
أحببت القراءة والكتابة حد الشغف، فكنت لا أرى العالم الذي كان كبيرا على عقلي الطفولي، إلا من خلال الكتب.
قرأت الشعر الرصين قبل أن أعرف الشعر، قرأته مرغما بتوجيه من أبي، حفظت بعضه ونسيت أكثره، وكانت هذه هي الشرارة التي أشعلت داخلي جذوة الكتابة مبكرا.
أحببت وطني، فصرت له خدوما، الصدق والأمانة كانا ملازمين لي، إلى درجة أنني كنت أشهد ضد نفسي كي لا أقترف جرم الكذب.
ولم يكن للنفاق زاوية في مخيلتي، ووسط مجتمع منافق، صرت ذلك الولد الدخيل السابح عكس التيار، ورغم الألم الذي يحدثه هذا الإحساس، إلا أنني لم أَتَخَلَّ عن صفات حباني بها الله، وكانت هي الفطرة الصافية.
كتبت ومحوت، كتبت ومزقت، حتى نضجت التجربة أو كادت، فخرجت للعلن منهكا بما قرأت وتابعت.
كتبت عن الثورة، وعن الرفض، وعن الفساد بكل تلاوينه، حتى تغير الحال، واتسعت بحبوحة الحرية، ورضيتِ النفسُ حين تصالحتْ مع ذاتها، ففكت لي وثاقَ تثمين العمل الذي تقوم به الدولة، فغدوتُ متصالحا مع الذات أولا، ثم مع النظام ثانيا، وثالثا مع قضايا الوطن الأولى.
لذلك، ومن أجل الوطن، نبتت تلك البذرة التي سقيتها من ماء زلال فاضت به التربية الأولى التي علمتني الحبو والمشي والركض حتى صرت يافعا ثم كهلا، وها هي تلازمني وأنا أطل على الشيخوخة بقلب سليم رأسماله حب دون تأشيرة عبور.
الحب لا يباع ولا يُشترى، فهو ليس بضاعة تعرض في الأسواق... الحب لحن تعزفه النفوس الطاهرة... الحب سمفونية كونية لا يسمعها إلا الطاهرون المطهرون، ولعلني أصخت السمع لمعزوفات الكون حين كنت أرابض فوق التلة أتملى بمنظر غروب الشمس وهي تغطس خلف المدى البعيد، وكنت أسمعها والليل قد جَنَّ، في تلألئ النجوم و الشهب التي تنطلق ليلا في السماء كما تنطلق السهاد من أجربتها، فالسماء لم تكن بالنسبة لي ذاك السديم البعيد المجهول، إنما كانت السماء لوحة أراها كل ليلة تتشكل أمام عيني لحظة بلحظة، حتى صرت مستأنسا بمجموعات نجوم ترسم زخارف في السماء، أحفظ شروقها وغروبها، أحفظ تحركاتها، أحفظ أعدادها، فكانت السماء لي زربية مزركشة بالأضواء والحركات، مما كان يثقل كاهلي برزمة الأسئلة كيف... ولماذا... ومن... وما الغرض؟
أسئلة وجدت لها أجوبة شافية حين ولجت الثانوية ودرست الفلسفة، التي تجيب عن الأسئلة الميتافيزيقية، وفي العلوم الطبيعية، حينها أدركت أن السماء كانت منحة ربانية تعلمنا المشي والنطق، وتعلمنا كيف نحب، وكيف يكون الحب.
بهذه الترسانة من المعارف ولجت عالم الكتابة، وأدركت أنه ليس بالخبز وحده نحيا، وأدركت أن الأدب والفن ليسا ترفا، إنما هما أساسيان في تكوين مجتمع فاعل عاملٍ بناء.
المحب لوطنه عليه الانخراط بوعي في مؤسساته، في هيئاته، عليه الانخراط في مجتمعه، لذلك وجدت نفسي دون شعور أنتمي للطبقة العاملة المعارضة... تحملت مسؤوليتي ضمن اليسار المغربي نقابة وحزبا، وبكل حب شاركت في إضرابات ومسيرات واعتصامات، نددت بالقمع والتضييق على الحريات، عاكست السلطات، انتقدت وشجبت ونددت، وكتبت.
غازلتني السلطات يوما بأن اقترحت عليّ تسهيل المرور للبرمان، لسان حال الأمة، فكان الرفض هو لسان حالي، فالمنصب الذي لا يأتي من عرق الجبين لا يليق بي.
تسلقت مناصب التوظيف، بكل حب وتفان في العمل، وحين ارتويت من التجارب العملية، طلبت إعفاء من المسؤولية الملقاة على عاتقي اختياريا، فكان لي ما أردت، وصرت حرا كطائر النورس، أحلق في السماوات السبع، وأمرح في الأرضين... وأكتب.
ما كتبته ليس كثيرا، غير أنني أومن بما كتبته، وعند انتهاء أجلي، سأوصي الأقارب بأن يُخرجوا مخطوطاتي للعلن والنشر، فقد أتعبتني دور النشر بشروطها المادية أنا الفقير إلا من مبادئي وانحيازي لحب الوطن.
الكتابة عندي ليست ترفا... الكتابة مسؤولية لا تضاهيها غير مسؤولية تنشئة الأبناء وتربيتهم... الكتابة رسالة عليها خلخلة الراكد، ونبش المسكوت عنه، بغية تعرية الخلل وإعادة التوازن للمجتمع، فإن حادت الكتابة عن هذه الأدوار، فهي ملء للفراغ، وتسويد لبياض الأوراق ليس إلا.
الكتابة حب، بمفهومه المقدس، بعيدا عن كل ما يعنيه، الحب هو ما ينقصنا في مجتمعنا، فالمجتمع الذي يحب، يكون مجتمعا سويا، مجتمعا ذا سلوك قويم.
وحين أدعو لإشاعة الحب، فلأنني أرى البغضَ محمودٌ بين الناس، يمارسونه بكل أمريكية، بينما يتقززون من الحب الذي هو الأساس في صناعة مجتمع يبني ولا يدمر، يصون ولا ينبذ، يتعايش ولا يتباغض، يوثر ولا يحترم
قد ترى وتسمع في الشارع العام الملاسنات، والنعيق المشابه للنهيق، ولا أحد يتقزز، كأن دور المجتمع تكسير طقم الفضيلة، بينما نراه يتقزز حين يرى الحب متفشيا، يشكك فيه، يلعنه، يبني حوله جدارا سميكا كي لا يُصاب بعدوى الحب.
فَلْنمارس الحب في الشارع عبر الحفاظ على نظافته، ولنمارس الحب في السماع للموسيقى، ولنمارس الحب باقتناء الكتب كما نقتني الملابس الأنيقة، ولنمارس الحب عبر إعادة الاعتبار لدور الثقافة والمسارح والمتاحف، ولنمارس الحب عبر قبول الاختلاف، ولنمارس الحب عبر احترام حرية الآخر...
وهذا هو الدور الذي يجب أن تلعبه الكتابة... من هنا علينا أن نبدأ، ومن هنا علينا أن نستمد المداد لأقلامنا، ومن هنا علينا أن نبدأ الحفر والنقش.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية - هجيرٌ في ثوب البرد: شعرية الزمن المتصدّع في شذ ...
- د. منير محقق: من التلقي إلى إعادة تشكيل المعنى: قراءة في تفا ...
- د. منير محقق: حين يمطر الحنين: من رثاء الأم إلى أفق الوطن: ق ...
- تبرئة ذمة - ورقة أدبية ذاتية - بوح: عبد الرحمن بوطيب
- قراءة نقدية في القصيدة النثرية -شتاءٌ لن يأتي- للشاعرة العرا ...
- نقاش نقدي معمق حول نص -حكايات الشيوخ الصباحية- للشاعر عبد ال ...
- -حلقة الشعراء المتقاعدين... وتلك القبلة الحمراء في أعماق ألا ...
- سقوط... غير حر - قصة قصيرة - الكاتب عبد الرحمن بوطيب - إنارة ...
- حلقة الشعراء المتقاعدين... وتلك القبلة الحمراء في أعماق ألاس ...
- قيم إنسانية على المحك: حين تصبح الإنسانية تمرينا يوميا وقفة ...
- الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب: من عبور العمر إلى خلود الأثر ...
- شعرية إبداع تمزقات نسائية... وصمود / في إبداع الأديبة كوثر ج ...
- الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب: من عبور العمر إلى خلود الأثر ...
- قراءة نقدية في القصة القصيرة -نصف يوم- للكاتبة السورية كوثر ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- شعرية المشي في مواجهة الحقد والغياب / قراءة نقدية في قصيدة « ...
- الأديبة السورية الكاتبة كوثر جعفر في حوار ثقافي مع الأديب ال ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- [ شعرية المشي في مواجهة الحقد والغياب ] قراءة نقدية في قصيدة ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...


المزيد.....




- -ولادة الإمبراطورية-.. معركة بولتافا على شاشة السينما الروسي ...
- -أنا رجل روسي-.. شامان يطلق أغنية عن الحرية الداخلية وتقبّل ...
- اليوم العالمي للطهاة.. مهنة تجمع الفن والابتكار والتراث الغذ ...
- عازف الكمان ديفيد غاريت يطلق ألبومه الجديد «Immortal» احتفاء ...
- التشكيلي طه سبع يستلهم من مراكش ليلة جديدة لألف ليلة وليلة
- توماس مان يعود مظفرا بعد الحرب الى ألمانيا.. وجلسة عن المهرج ...
- إطلاق مشروع «فضاء المدينة» في بيروت: مساحة شبابية جديدة لترم ...
- الحياة الاجتماعية العثمانية في سياحتنامه أوليا جلبي.. التعلي ...
- الإعلان عن 11 مسرحية مصرية في النسخة الـ 7 من موسم الرياض
- العودة إلى الأساطير.. لماذا يتهافت الإيرانيون على ملحمة الفر ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - أسابيع الرؤى الثقافية - إدارة عبد الرحمن بوطيب - الكتاب الرقمي السادس - أوراق ذاتية إبداعية