أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - عبد الرحمن بوطيب: هذه -ابنة رحلة الموت التي علّمتها كيف تكتب الحياة-: قراءة نقدية في ورقة إبداعية للأديبة السورية لينا حسين















المزيد.....

عبد الرحمن بوطيب: هذه -ابنة رحلة الموت التي علّمتها كيف تكتب الحياة-: قراءة نقدية في ورقة إبداعية للأديبة السورية لينا حسين


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:29
المحور: الادب والفن
    


هذه "ابنة رحلة الموت التي علّمتها كيف تكتب الحياة"

ليست كل الكتابات وليدة الترف القرائي، ولا كل التجارب الإبداعية تبدأ من عتبات المكتبات ومناهج التكوين الأكاديمي، فثمة كتابات تنبثق من عمق التجربة الإنسانية، ومن احتكاك الروح بأسئلة الوجود، ومن ذاكرة تحمل ندوب الحياة وأوجاعها، حتى تصبح الكتابة ضرورة داخلية، ووسيلة لمقاومة النسيان، وإعادة بناء ما هدمته قسوة الأيام.
من هذا المنحى الإنساني والجمالي، نلتقي بالأديبة السورية لينا حسين، القادمة من عفرين، والمقيمة في هولندا، حاملة معها ذاكرة وطن لم يغادر وجدانها، وتجربة إنسانية تشكلت بين رائحة الياسمين ومرارة الحرب، وبين دفء التفاصيل اليومية وقسوة الرحيل، وبين انكسارات الذات ومحاولاتها المتجددة لاستعادة الحياة بالكلمة.
تقدم لنا لينا حسين في ورقتها الإبداعية الذاتية "ابنة رحلة الموت التي علّمتها كيف تكتب الحياة" سيرة مختلفة للتكون الأدبي، لا تتأسس على الشهادات والألقاب، بقدر ما تتأسس على التجربة والمعاناة والنجاة... إنها كتابة تعيد ترتيب العلاقة بين الحياة والأدب، وتجعل من الذاكرة مصدرا للمعرفة، ومن الألم مادة للتعبير، ومن الحرف مساحة لمقاومة المحو.
ولعل عبارتها المكثفة: "لست كاتبة بالشهادة... أنا كاتبة بالنجاة"، تختزل المدخل الأعمق لفهم تجربتها، حيث لا تبدو الكتابة مجرد ممارسة جمالية، وإنما فعل استرداد للذات، وشهادة على ما عاشه الإنسان حين يجد نفسه في مواجهة أقسى احتمالات الوجود.
لقد كان للقراءة المتأخرة أثرها في فتح أفقها الأدبي، غير أن التحول الحاسم في علاقتها بالكتابة ارتبط بتجربة الحرب وما حملته من مشاهد الفقد والتهجير والخوف، ومن احتكاك مباشر بمصائر الناس وانكساراتهم، عندئذ انتقل القلم من هامش التسلية إلى مركز الضرورة، ومن التعبير عن الذات إلى الإصغاء لذوات الآخرين، ولا سيما النساء والأطفال الذين حملوا من المأساة ما تعجز اللغة اليومية عن احتوائه.
من هنا تتخذ الذاكرة في كتابتها وظيفة تتجاوز الاسترجاع الحنيني، لتصبح ذاكرة شاهدة، تحفظ ما كان مهددا بالغياب، وتمنح التجارب الإنسانية المنسية حقها في الحضور... إنها لا تكتب الألم باعتباره واقعة عابرة، بل تحاول تفكيك آثاره النفسية والاجتماعية، واستنطاق ما يختبئ خلف الصمت، وما تعجز الحكايات المألوفة عن قوله.
وعلى مستوى الاختيارات التعبيرية، تتوزع تجربتها بين قصيدة النثر، والقصة، والكتابة ذات النفس الإنساني، مع انفتاحها على فن الهايكو بما يتيحه من اقتصاد لغوي وتكثيف دلالي وصمت موحٍ.
وفي هذا التنوع تتجلى محاولة للبحث عن الشكل الذي يستطيع احتضان التجربة، من الخاطرة الأولى المشبعة برائحة الياسمين، إلى قصيدة تحمل آثار الألم، ثم إلى الحكاية التي تستعيد وجوه الذين عبروا أرصفة الحياة مثقلين بالأسئلة والجراح.
ولا تنفصل هذه التجربة الإبداعية عن تفاصيل سيرة صاحبتها، فهي امرأة جمعت بين أدوار الأسرة ومسؤوليات البيت والأمومة، وبين رغبة داخلية في اكتشاف عوالم الكتابة، متكئة على ثقافة اكتسبت كثيرا من ملامحها عبر القراءة والتأمل ومعايشة الناس.
وقد أثمرت هذه الرحلة كتابها الأول "همس الياسمين"، فيما تستعد لإصدار كتابها الثاني "قصص على أرصفة العمر"، الذي يضم حكايات ومواقف وحالات إنسانية تركت آثارها في الذاكرة والوجدان.
إننا، ونحن نصغي إلى هذه الورقة، لا نكون أمام سيرة كاتبة فحسب، بل أمام محاولة لتفسير كيف تتحول المحنة إلى وعي، والذاكرة إلى كتابة، والنجاة إلى مسؤولية إنسانية وجمالية، كما نكون أمام سؤال إبداعي يستحق التأمل:
(كيف يستطيع الكاتب أن يستخرج من أقسى التجارب مادة للحياة، دون أن يستسلم لسلطة الألم، أو يحول المأساة إلى مجرد خطاب انفعالي؟).
إن لينا حسين، في هذا المسار، لا تدعي امتلاك تجربة مكتملة، بل تعلن انتماءها إلى بداياتها المفتوحة، وإلى حقول الأدب التي ما تزال تستكشف ألوانها وأشكالها، وربما تكمن قيمة هذه المصارحة في أنها تجعلنا نقرأ تجربتها بوصفها ورشة مستمرة لاكتشاف الذات والآخر، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم من خلال الكتابة.
من "عفرين"، حيث الياسمين ذاكرة المكان، إلى ضفاف اللجوء حيث صار الحرف وطنا آخر، تمتد رحلة لينا حسين، لا لتروي كيف نجت من الموت فحسب، بل لتكشف كيف استطاعت أن تجعل من الكتابة شكلا من أشكال الحياة، ومن الحكاية جسرا يصل بين الذاكرة الفردية والوجع الإنساني المشترك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الورقة الإبداعية
" ابنة رحلة الموت التي علّمتها كيف تكتب الحياة"
الأديبة لينا حسين

أول كتاب لامسته يدي، كنتُ في الثلاثة عشرة من عمري كان عنوانه "تاجر البندقية" لوليم شكسبير "، لم أكن أقرأ حينها، كنتُ أختبر نفسي: هل أستطيع؟
أرهقني الاختبار وتركته...
ثم جاءت قراءتي الحقيقية متأخرة، بعد سن الخامسة والثلاثين، هناك فقط، فتحتُ عيني.
قرأتُ للدكتور محمد رمضان البوطي، فأخذني برقةِ قلبه، بأسلوبٍ يشبه الدعاء، رقيقٍ كصلاةٍ في آخر الليل، وقرأتُ لخالد الحسيني "ألف شمس ساطعة"، و "عدّاء الطائرة الورقية" فبكيت، وقرأتُ "ساق البامبو"، و "الأم" لغوركي، فكبرت... هناك رقَّ الفكرُ ولان.
وبعد طول صمت بدأ قلمي يجري خلف الورقة، يغازلها طويلا حتى تأذن له أن يلمس بياضها برفق.
أنا ابنة رحلة الموت التي علّمتني كيف أكتب الحياة.
لست كاتبة بالشهادة... أنا كاتبة بالنجاة.
كان بيتي أربعةَ جدرانٍ من الخوف... كان بحرا... كان مقبرة مؤقتة للأحلام.

بدأت الكتابة قبل خمس عشرة سنة، كانت مجرد خربشات على هامشِ دفتر صغير ... هاوية تبحث عن تسلية، حتى جاءت الحرب.
في الحرب، سقط كل شيء... رأيت ما لا يقال: القتل، الأشلاء، الخطف، والخوف الذي يسكن العيون، رأيت المخيمات وهي تبلع الناس، ورأيت رحلة الموت عبر البحر إلى أوروبا، ذلك البحر الذي أخذ منا أكثر مما أعطى.
هناك، في قلبِ ذلك الرعب لم يعد القلم هواية، أصبح رئة ثالثة، أصبح لا يفارقني، ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أكتب عني فقط، أصبحت أكتب معاناة الناس في كلَّ ما رأيته... كلَّ يد صغيرةٍ شدّت طرف يدي في الزحام وقالت: لا تتركيني هنا وحدي.
ثقافتي ليست من المكتبات الفاخرة... ثقافتي من الشارع، ومن الخيمة، ومن وجه أمي وهي تقول لي: الذكرى حارس أمين، يحمي الماضي من النسيان، حتى لا نبقى بلا جذور.
قرأت وجع الناس قبل أن أقرأ الكتب، وتأثرت بكل امرأة بنت فوق الذكرى بيتا وولدا وحياة، ثم مرّت بها ياسمينةٌ فعادت حافية إلى أول الطريق.
لذلك أكتب قصيدة النثر، أفكك فيها الذكرى، أفكك فيها الناقوسَ الذي يدقُ في داخلي كي لا أنسى أنها كانت، فحِبري هو مدادي الذي يجري بما لا يشتهي ورقي، ودمعي الذي يهمي بلا روْد من الحدق.
بعد رحلة الموت، كان شاطئ الحياةِ ينتظرني برفق، لامست روحي عزفُ الهايكو بصمته الموسيقي... إيقاع غريب لا يسمع بالأذن، بل بالروح، كجرس بعيد يدق في فراغ القلب، فكانت لي بعض الكتابات الخجولة، منها:

"ينسلُّ الخيطُ
من ذاكرةِ امرأةٍ
قُبلةُ وداع"

كفراشات أتنقل بين روائح زهور الأدب، من خربشات الياسمين حيث كنت أنا الفتاة الصغيرة العاشقة كتبَ خربشات الحب، إلى قصيدة نثرية تمشي على الألم، إلى قصص ومآسي الحرب، وروايات الحب الموجوع.
أنا اليومَ بين ربيع الشباب وخريف العمر، أعيش أجمل لحظات فجري الأدبي، لأن فكري بات حرا، وقلمي أكثر نضجا وإبداعا.
اكتشفت أن الحكاية لا تموت، وأنها أكبر مختبر اجتماعي... كنت أحكي لنساء المخيم والجيران ما أكتب فأجدهن يبكين، لأني كتبت ما لم يستطعن قوله... أصبحت حارسة ذاكرةٍ صغيرةٍ في محيطي، أسمعُ، أواسي، وأكتب، أنقل وجع امرأة خُطفت، وخوفَ طفلة كانت ترقص مع الفراشات، وقيل لها فجأة: اكبري.
جئت من رحاب الحرب إلى رحاب الحرف، لأن الحرف في قلمي لم يُقصف.
هنا بدأت أصغي والصمت يكتبني ترانيم متصوفة.
أنا لا أملكُ سيرة ذاتية مليئة بالألقاب، لكنني أملكُ ذاكرة مليئة بالحياة والموت... وهذا في نظري هو أصدق سيرة.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تمظهرات الكاليغرافيا ودلالاتها وشعريتها في قصائد عبد الرحمن ...
- أسابيع الرؤى الثقافية - إدارة عبد الرحمن بوطيب - الكتاب الرق ...
- قراءة نقدية - هجيرٌ في ثوب البرد: شعرية الزمن المتصدّع في شذ ...
- د. منير محقق: من التلقي إلى إعادة تشكيل المعنى: قراءة في تفا ...
- د. منير محقق: حين يمطر الحنين: من رثاء الأم إلى أفق الوطن: ق ...
- تبرئة ذمة - ورقة أدبية ذاتية - بوح: عبد الرحمن بوطيب
- قراءة نقدية في القصيدة النثرية -شتاءٌ لن يأتي- للشاعرة العرا ...
- نقاش نقدي معمق حول نص -حكايات الشيوخ الصباحية- للشاعر عبد ال ...
- -حلقة الشعراء المتقاعدين... وتلك القبلة الحمراء في أعماق ألا ...
- سقوط... غير حر - قصة قصيرة - الكاتب عبد الرحمن بوطيب - إنارة ...
- حلقة الشعراء المتقاعدين... وتلك القبلة الحمراء في أعماق ألاس ...
- قيم إنسانية على المحك: حين تصبح الإنسانية تمرينا يوميا وقفة ...
- الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب: من عبور العمر إلى خلود الأثر ...
- شعرية إبداع تمزقات نسائية... وصمود / في إبداع الأديبة كوثر ج ...
- الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب: من عبور العمر إلى خلود الأثر ...
- قراءة نقدية في القصة القصيرة -نصف يوم- للكاتبة السورية كوثر ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...
- شعرية المشي في مواجهة الحقد والغياب / قراءة نقدية في قصيدة « ...
- الأديبة السورية الكاتبة كوثر جعفر في حوار ثقافي مع الأديب ال ...
- شعرية الائتلاف والاختلاف في بنية عناوين ديوان -رابعة الأثافي ...


المزيد.....




- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...
- مهرجان تورينو السينمائي يكرم جون ترافولتا بجائزة الإنجاز الف ...
- الكاتب فيليب جاينادا يحصد جائزة غونكور الأدبية لعام 2026 برو ...
- شاهد.. الأديب حامد ياسين يكشف للجزيرة سر دموعه التي أيقظت ال ...
- ذاكرة السينما تعود إلى الشاشة.. 27 فيلما مرمما في مهرجان الق ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - عبد الرحمن بوطيب: هذه -ابنة رحلة الموت التي علّمتها كيف تكتب الحياة-: قراءة نقدية في ورقة إبداعية للأديبة السورية لينا حسين