أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - هندسة التهميش النقابي وصمت الهيئات الدولية - نحو رؤية تنموية للتعافي-














المزيد.....

هندسة التهميش النقابي وصمت الهيئات الدولية - نحو رؤية تنموية للتعافي-


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 18:03
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


إن ما يشهده سوق العمل في فلسطين عموماً، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، يتجاوز حدود الأزمات البنيوية المألوفة ليمثل انهياراً شاملاً وتدميراً ممنهجاً لكل مقومات الحياة والإنتاج تحت وطأة حرب الإبادة والدمار؛ غير أن الأشد خطورة من تداعيات الأزمة ذاتها هو ذلك التشوه البنيوي الذي أصاب الحضور النقابي والمجتمعي؛ حيث تحولت التدخلات المفترضة لحماية العمال إلى مسارات فوقية تلتف على البنية الجوهرية للحركة العمالية، إننا لا نواجه مجرد نزوح وكارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، بل أمام محاولة لإعادة تشكيل الواقع النقابي وتغييب دوره الإيجابي في حماية الطبقة العاملة والفئات الأكثر هشاشة، مما يحول الأزمة من مجرد محنة طارئة إلى تجريف متقصد لهوية العمل ومكتسباته التاريخية.
ففي الوقت الذي تتجاوز فيه الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية كل الاحتمالات، وتتراكم الخسائر الفادحة على كاهل الفئات المهمشة حيث يفقد مئات الآلاف من العمال مصدر رزقهم الوحيد وتتلاشى أبسط مقومات الحماية الاجتماعية، يمارس متخذو القرار والمؤسسات المتداخلة سلوكيات تنكرية تجعل من التخطيط لمستقبل سوق العمل وإغاثته مساراً فوقياً يمر فوق رؤوس العمال وقواعدهم العريضة وأجساد المتضررين دون أدنى مشاركة فعلية من ممثليهم الميدانيين.
إن المتابع عن كثب للمشهد يرى بوضوح كيف تراجع مفهوم الحرمة النقابية في كثير من المحطات ليتحول التمثيل من إطار مؤسسي فاعل إلى هياكل افتقدت لاستقلاب نبض الميدان؛ فلم يعد ميكانيزم اتخاذ القرار يعكس كفاءة الاستجابة لأولويات العمال النازحين والمتضررين، بل تراجع لصالح قوالب شكلية تفتقر لأدوات الحوكمة الرشيدة والشفافية المؤسسية، وإن الالتفاف على القوانين والتشريعات الوطنية ومعايير العمل الدولية أدى إلى شلّ أدوات الضغط والتأثير، ليحل محلها منطق المساومة والمصالح الضيقة التي تتغذى على معاناة القطاعات الأكثر تضرراً، مما يتطلب هندسة وبناء الأطر النقابية من جديد على أسس انتخابية وتمثيلية صلبة.
وفي قلب هذه المأساة، تجلت سلوكيات الجهات المانحة والمؤسسات الدولية والمحلية بطريقة تثير أشد علامات الاستفهام حول بوصلتها الأخلاقية والمهنية؛ إذ بدلاً من صون الشراكة الاجتماعية وتوجيه برامج الدعم والإنقاذ نحو تعزيز صمود العمال وإعادة بناء شبكات أمان اجتماعي صلبة، اتجهت التدخلات الإسعافية نحو هندسة مشوهة للواقع النقابي تعتمد تقوية طرف على حساب طرف آخر لخدمة أجندات محددة وصنع استقرار زائف، ولقد أدى هذا النهج إلى تصدر المنتفعين والمستفيدين من الأزمات لمشهد العمل العمالي والإغاثي، وتحويل المؤسسات النقابية من منابر نضالية مطلبية تسعى إلى إقرار العدالة الاجتماعية والحماية الصلبة، إلى واجهات لتنفيذ مشاريع مشروطة تكرس الاعتمادية وتصادر القرار المستقل للقواعد العريضة.
والأكثر إيلاماً أن حتى البرامج التي تستهدف التدريب المهني ودعم القطاع الخاص وتقديم المساعدات لم تراعي خصوصية العمال النازحين والمشردين في الخيام ومراكز الإيواء بفقر وقلة حيلة؛ فتحولت الحقوق الأصيلة التي كفلتها التشريعات إلى مجرد طرود إغاثية ومساومات مشروطة تُدار بمنطق المنّة والاستغلال؛ إن التمكين الحقيقي لسوق العمل يقتضي اجتثاث نموذج "الاعتمادية الإغاثية"، والانتقال بالعمل النقابي من منطق إدارة الأزمات المؤقتة إلى صياغة سياسات وطنية للتنمية المستدامة والتشغيل اللائق التي تعيد للعمال كرامتهم الإنتاجية وحقهم في تقرير مصيرهم الاقتصادي.
إن الشراكة الحقيقية في عالم العمل ليست منّة من أحد، بل هي التزام أصيل وأساس متين تنص عليه كافة المواثيق والأعراف الدولية والتشريعات القائمة، وهو ما يجعل القفز عنها أو تحويلها إلى حوارات صورية شريكاً مباشراً في تفاقم الخسائر المجتمعية، وفي هذا السياق بالذات، تتضاعف المسؤولية الأخلاقية والقانونية على عاتق الهيئات والمنظمات الدولية المعنية بعالم العمل، وعلى رأسها منظمة العمل الدولية؛ إذ يتوجب تحميلها المسؤولية المباشرة والكاملة عن أي تحركات أو مبادرات أو برامج إغاثية أو خطط للتعافي لا تضع الشريك العمالي الحقيقي وقواعده الميدانية في موقع القرار والقيادة، ولا تستجيب بالشكل المطلوب والمكافئ لاستحقاقات الميدان.
إن صمت المنظمات الدولية وتغافلها عن تعاطي المؤسسات والجهات المانحة مع هياكل نقابية مفرغة من مضمونها الاستقلالي وقواعدها الميدانية الحية لا يمثل مجرد قصور إداري أو خلل إجرائي، بل هو مشاركة صريحة في مأسسة الإقصاء وشرعنة هندسة التهميش التي تذبح العدالة الاجتماعية على مذبح المصالح الضيقة، ومن هنا، فإن كسر هذا الحصار المؤسسي يتطلب الانعتاق الفوري من وثن الاعتمادية الإغاثية والمسكنات المؤقتة، والاندفاع بجرأة نحو صياغة أفق تنموي بديل يُعيد لمفهوم الحرمة النقابية قدسيتها، ولعالم العمل هيبته المستحقة؛ أفقٍ يمر حتماً عبر تدشين إدارة تشاركية صلبة للتعافي العمالي، تلزم المانحين بأعلى درجات الشفافية والحوكمة، وتضع الشريك العمالي الأصيل والحيوي في موقعه الطبيعي قيادياً في التخطيط، وشريكاً أصيلاً في إعادة إعمار المستقبل، ورافعاً لراية الكرامة والتشغيل اللائق فوق أركان الركام.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقابية في واقع الأزمة وآفاق الحل للقضايا العمالية
- غزة في مفترق الطرق بين الحوكمة الانتقالية، وحماية الحقوق، وص ...
- من أجل استدامة العمل الإنساني يجب تجسيد التعاون الحقيقي بين ...
- حين يمتزج الشغف العمالي بملوحة البحر وشموخ المخيم.. وداعاً ل ...
- أزمة مواصلات طلبتنا في الجنوب تصرخ بحل عاجل
- ماذا ينتظر الفلسطينيون من الانتخابات الإسرائيلية؟.. أوهام ال ...
- ماذا ينتظر الفلسطينيون من الانتخابات الإسرائيلية؟.. أوهام ال ...
- من الشراكة إلى العزلة وكيف أعادت الحرب صياغة دور المرأة في ق ...
- أخلاقيات العمل والمسؤولية المهنية تمثل الضمير المهني
- الأونروا بين التفويض الأممي وإجراءات التقليص: الدفاع عن حقوق ...
- سوسيولوجيا المهنة وتضامن أبنائها بين أخلاقيات التأسيس وواقع ...
- تداعيات تقليص المساعدات تجويعٌ مُمنهج وانهيارٌ للنسيج الاجتم ...
- استراتيجية بنيوية لإنقاذ وإحياء قطاع العمل الفلسطيني
- أسباب تراجع التنظيم العمالي وتفكك الجبهة النقابية الفلسطينية
- دور الشركاء الاجتماعيين في إعادة صياغة عقد اجتماعي عادل
- التدخلات الإغاثية المشوهة وأثرها على قضايا العمال الفلسطينيي ...
- من يستفيد من إهدار مقدرات الدولة وتغييب القانون ؟
- تحديات البطالة في فلسطين وانعدام الأمان الوظيفي
- التفكك البنيوي لسوق العمل الفلسطيني وأزمة الوجود التنموي
- سوسيولوجيا المكان والذاكرة حين يتحول الركام إلى سردية بقاء


المزيد.....




- “صحة النواب” تُقر اتفاق تمويل منظومة التأمين الصحي الشامل مع ...
- إندونيسيا.. إقالة رئيس هيئة العاملين في القصر الرئاسي على خل ...
- نقيب المحامين يرأس جلسة حلف اليمين للأعضاء الجدد بالنقابات ا ...
- السفارة الأمريكية لدى اليمن تطالب الحوثيين بالإفراج الفوري ع ...
- مصر.. تحرك برلماني لـ-تشديد- مكافحة عمالة الأطفال بعد حادث - ...
- موسكو تستدعي سفير النرويج احتجاجا على احتجاز أوسلو سفينة روس ...
- انتخابات التجديد النصفي في صور الناخبون ومراكز التصويت والع ...
- معلمو ليبيا يواصلون الإضراب حتى تحقيق مطالبهم
- هل يمكن لليمن تحقيق أمن غذائي ومواجهة البطالة والفقر والخروج ...
- البطالة في المغرب ترتفع إلى 10.5% في الربع الثالث


المزيد.....

- كراسات شيوعية: كتيبان عن الحركة العمالية في كوريا الجنوبية [ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - هندسة التهميش النقابي وصمت الهيئات الدولية - نحو رؤية تنموية للتعافي-