سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب
(Salama M.s.abu Zuaiter)
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 14:07
المحور:
سيرة ذاتية
في مسيرة النضال الوطني والاجتماعي الطويلة والشاقة، يمرّ بأيامنا رجالٌ لا تزيدهم السنون إلا ألقاً وحضوراً، ولا يغيبهم الرحيل المادي إلا ليزرعوا أثرهم الطيّب عميقاً في وجدان الأمة والوطن، ومن بين أوراق ذاكرتي النقابية الحيّة، يستلّ العطاءُ صورةَ صديقٍ غالٍ ورفيق دربٍ وفيّ، شاركنا بدايات الحلم والعمل المؤسسي، وشهدت على طهارة إخلاصه وساعات كدحه طيَّاتُ الحركة النقابية الفلسطينية.
لقد تحدثنا طويلاً عن معنى الوفاء للعمال، وشاركنا سوياً – مع رفقاء وزملاء العمل النقابي ممثلي القطاعات والنقابات العمالية والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين – في الدفاع عن مصالح العمال والتشارك في صياغة التشريعات والقوانين الاجتماعية والعمالية، وبناء وتأسيس النقابات والمؤسسات الوطنية التي أرست قواعد ازدهار العمل النقابي مع بزوغ فجر السلطة الوطنية الفلسطينية؛ إنه الأخ العزيز والقائد النقابي الراحل الباسم/ فارس يحيى حسين الأخرس (أبو طارق).
ولم يكن النقابي الفارس -وله من اسمه نصيب- وليد اللحظة؛ بل كان امتداداً طبيعياً لجذورٍ أصيلة ضاربة في عمق قرية "الجورة" قضاء عسقلان، تلك القرية الساحلية العريقة التي صاغ أهلُها من هدير البحر وطيبة الأرض وعرق الكدح في البيارات قيماً راسخة وعزيمة لا تلين، فتشرب منها قيم الكرم والتكافل والتضامن والتعاضد، ونشأ على وعي وطني عميق يقدس الدفاع عن الأرض والهوية.
ومع مأساة التهجير والنكبة عام 1948م، حملت العائلةُ ذاك الإرث النضالي والقيمي ليغرسوه مجدداً في أرض اللجوء؛ حيث ولد فارسنا في مخيم جباليا (مخيم الثورة والصمود) بتاريخ 21 نوفمبر 1964م، ونشأ متوشحاً باسم المخيم ومدلولاته النضالية وما يحمله من تضحيات جسام لكوادره وأبنائه؛ تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة الغوث (الأونروا)، ونال شهادة الثانوية العامة من مدرسة الفالوجا الثانوية للبنين بجباليا، وكان شاهداً وفاعلاً مع رفاق دربه من أبطال الانتفاضة الأولى على كل أشكال نضال الشباب وأطفال الحجارة، وما حملته أرض المخيم الشاهدة على التضحيات واللجوء والمقاومة.
انخرط أبو طارق بكل وعي في صفوف حركة الشبيبة "فتح" عام 1982م، وكان حاضراً في العمل التطوعي والاجتماعي، وهو ما وضعه تحت المجهر؛ فلم تتأخر سلطات الاحتلال عن استهدافه بسبب نشاطه الميداني والوطني، وهو الذي اكتوى بلهيب الكدح اليومي كعامل فلسطيني طحنته الأيام وصنعت من صلابته رموزاً شامخة؛ فامتهن العديد من المهن العمالية، وكان آخرها حرفة في مجال الصناعات المعدنية داخل الخط الأخضر، لينتهي به المطاف بقرار جائر من الاحتلال بالمنع النهائي من الدخول للعمل، فكان هذا القيد دافعاً إضافياً ليوجّه كل طاقاته الخلاقة نحو بناء الذات والنضال المطلبي والنقابي المؤسسي.
وفي نوفمبر 1993م، بدأ الكادر النقابي المرحوم فارس الأخرس مرحلة مفصلية كبرى في حياته بالتحاقه الرسمي بالعمل النقابي، وتدرج فيه بكل عصامية وإخلاص حتى تبوأ موقع عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين،و تولى الراحل رئاسة لجنة الصحة والسلامة المهنية بالاتحاد، فكان حريصاً بكل جوارحه على أن يوفر للعمال أقصى درجات الحماية والأمان في بيئة عملهم القاسية، كما كان عضواً فاعلاً ومؤثراً في مجلس إدارة النقابة العامة لعمال الصناعات المعدنية والهندسية والميكانيكية في محافظات غزة، ورئيساً للنقابة الفرعية شمال غزة، ومثّل الاتحاد العام والنقابة في العديد من المحافل والدورات النقابية الداخلية والخارجية، وكان من أبرزها تمثيله للاتحاد ضمن وفد نقابي رفيع زار دولة جنوب أفريقيا عامي (1997م - 1998م) بنجاح واقتدار، لنقل تجربة العمال الفلسطينيين وصمودهم الأسطوري للعالم أجمع.
ولم تقتصر مسيرة النقابي "أبي طارق" على الأطر الرسمية والمكاتب؛ بل كان وطنياً بامتياز، وحدوياً في فكره وممارسته، حريصاً أشد الحرص على تعزيز الروابط الوطنية مع الزملاء ورفقاء الدرب من مختلف الفصائل الوطنية، ولم تُسجل له قط مواقف خارج الخط الوطني الجامع، وفي محطات العمل الميداني والنضال المطلبي، تجلّى إخلاصه لعمال فلسطين في أبهى صوره؛ إذ تشارك معي ومع الأخ والنقابي/ زكي خليل في قيادة التحركات والفعاليات النقابية الشجاعة التي قادتها نقابة الخياطة والنسيج في شمال غزة، وخاصة في منطقة بيت لاهيا ومنطقة إيرز الصناعية، في الدفاع عن عمال الخياطة، وقد كانت تلك الفعاليات مواجهةً حقيقية ضد استغلال بعض أصحاب العمل الذين أجبروا العمال على التوقيع على مخالصات مالية وهم على رأس عملهم، في محاولة لتجريدهم من حقوقهم عن سنوات العمل السابقة لقدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994م.
كما شاركنا الراحل "أبو طارق" جنباً إلى جنب مع النقابة في الإشراف على هذا النضال المطلبي والإضراب العمالي، وحضر الاجتماعات العمالية والاعتصامات الميدانية، فكان نصيراً صلباً لقضايا العمال المسلوبة ومسانداً شجاعاً لتحركاتهم، وتُوّج هذا النضال بتحقيق أحد أهم الإنجازات العمالية حينها، والمتمثل في إيقاف هذه الممارسات التعسفية وإبطال كل تلك الإجراءات وتثبيت حماية حقوق عمال الخياطة، بالتشارك والتعاون الكامل مع قيادة الاتحاد العام لنقابات العمال ووزارة العمل.
كما تشرفت برفقته بالسفر بمهمة عمل إلى داخل الخط الأخضر لنلتقي مع زملاء العمل النقابي في نقابة "معاً" العمالية، بهدف تطوير آفاق التشبيك النقابي وتوحيد الجهود، وعقدنا سوياً اجتماعات هامة لإنشاء عيادة قانونية بالتعاون مع المحامي الفاضل/ خالد مصاروة لتبني قضايا العمال والدفاع عن حقوقهم العادلة، وحين كنا نتحرك سوياً لمتابعة قضايا عمال الخط الأخضر، فكان "أبو طارق" نِعم الرفيق المؤنس والمساند؛ إذ كان يتقن اللغة العبرية بمهارة عالية وظّفها باقتدار لتذليل العقبات القانونية ومتابعة قضايا العمال وهمومهم اليومية.
لم تكن شخصية "أبو طارق" مجرد موقع نقابي أو مسؤولية رسمية باردة، بل كانت روحاً خفيفة الظل، قريبة من القلوب، تُتقن فن رسم البسمة على الوجوه وتخفيف أعباء النضال وضغوط العمل الشاق، وقد تميز بذكائه المتقَد وطيبة قلبه الكبيرة، وظهر ذلك جلياً في كتاباته المميزة والهادفة في مجلة "صوت العمال" تحت اسمه المستعار الشهير "شامهورش"، فكانت زاوية "شامهورش" نافذة فريدة يمضي منها الراحل إلى عمق المعاناة العمالية والمجتمعية؛ حيث كان يمارس النقد الساخر واللاذع بأسلوب تهكمي خفيف الظل لكنه ينبض بالحرقة والألم.
لم يترك موضوعاً يمس قضايا العمال أو التجاوزات الإدارية والسياسية والاجتماعية إلا وطرحه بجرأة ومحبة، واضعاً اليد على الجرح بكلمات لطيفة تبني ولا تجرح، وتُوقظ الضمائر دون إساءة، ولقد أصبحت زاوية "شامهورش" ينتظرها القرّاء من عمال ونقابيين بشغف، لأنها كانت تتحدث بلسان حال البسيط في ورشته والمظلوم في عمله، مصاغةً بابتسامة ذكية تهزم العناء وتختصر آلاف الخطب العصماء.
ولم تقتصر خفة ظله على صفحات المجلة، بل كانت حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية والاجتماعية؛ أذكر كم كان ينشرح قلبه حين نلتقي لنعدّ وليمة تجمعنا كنقابيين بحضور رئيس الاتحاد في حينها الأخ راسم البياري والإخوة والزملاء رؤساء النقابات والرفقاء في العمل العمالي، فكان أبو طارق حينها روح المجلس ونبضه الحي، يحب أن يمازح الجميع، ويسعد الحاضرين بخفة دمه ونكته الجميلة والمعبرة التي تُزيل عناء التعب، وتزرع الألفة والمحبة في نفوس الجميع.
عاش النقابي الراحل "أبو طارق" حياة حافلة بالعطاء والإخلاص، فكان أباً لأسرة كريمة تتكون من ولدين وسبع بنات، ربّاهم على قيم الشرف والعصامية، وأذكر جيداً آخر مرة رأيته فيها وهو عائدٌ من مقر الاتحاد على مفترق حي الشيخ رضوان؛ كان يُشعّ كعادته بالأمل والحرص الوطني الخالص، يحدوه أملٌ كبير بأن يتطور العمل النقابي ويرتقي، وأن يتخطى الجميع الأزمات والصعاب، متمنياً أن يظل الجميع متحدين خلف مصالح العمال وقضاياهم العادلة، ولقد كان يمقت النفاق، ويقهره المرتجفون والانتهازيون، فكان ذلك اللقاء بمثابة وصيته الأخيرة التي حملها في قلبه حتى أنفاسه الأخيرة، والتي أذكرها جيداً وأنقلها لكل رفاق دربه في هذه السطور لتنتصروا لوصيته...
وبعد رحلة نضالية وعمالية حافلة بالصبر، خاض معركة صامتة مع المرض لم تمهله طويلاً، حيث ترجل عن صهوة الحياة يوم الخميس الموافق 21 نوفمبر 2019م، عن عمر يناهز الخامسة والخمسين عاماً، قضى جلّها بين أروقة النضال وقاعات العمل النقابي والاجتماعي والتنظيمي.
رحل أبو طارق بجسده الطاهر، تاركاً خلفه أثراً لا يمحى، وتاريخاً ناصعاً من الإخلاص المطلق للطبقة العاملة الفلسطينية وللوطن ولمسيرته في حركة "فتح"، فكان قائداً ورمزاً نقابياً فريداً ترتسم على وجهه دوماً بسمته العذبة التي تعكس طيبة قلبه، وظل إرثه النقابي والإنساني حياً يرفرف في كل زاوية من زوايا العمل العمالي الفلسطيني؛ امتداداً لإرث قرية "الجورة" العريق وصفاء روحها اللذَين لم يرحلا مع التهجير، بل ظلا وصية مقدسة حملها النقابي الراحل في قلبه طوال مسيرته، متمسكاً بجذوره الساحلية وطيبتهم، ومسلحاً بصلابة أهل المخيم ويقين العودة، حتى فاضت روحه بعد رحلة حافلة بالصمود والعطاء العمالي الخالص وهو متجه للمحافظات الشمالية للعلاج، ليظل حاضراً نفتقده بيننا في العمل النقابي في كل المواقف المشرفة، يضيء لنا في ذكراه الطريق نحو الحق والعدالة والتمسك بالمبادئ التي نشأنا وتربينا نقابياً عليها.
رحم الله أخي ورفيق الدرب، القائد النقابي الباسم فارس يحيى حسين الأخرس (أبو طارق)، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وما هذه الكلمات إلا غيض من فيض...
##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)
Salama__M.s.abu_Zuaiter#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟