أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سلامه ابو زعيتر - ملحمة صمود القطاع الصحي في وجه الإبادة














المزيد.....

ملحمة صمود القطاع الصحي في وجه الإبادة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 15:37
المحور: القضية الفلسطينية
    


حين يتحدث الموت في غزة، فإنه لا ينطق بلغة العابرين، بل يرتدي رداء الأب الأبيض الملطخ بالدماء، وينطق بصوت السماعة الطبية المحروقة، فبين أروقة غرف العمليات التي تحولت إلى ركام تحت آلة الإبادة، لم يعد القطاع الصحي مجرد مرفق خدمي تقليدي يصارع من أجل البقاء، بل أصبح الشاهد الأكبر والضحية الأكثر قسوة في حرب ممنهجة استهدفت شريان الحياة الأخير للإنسان الفلسطيني، وفي مشهد تاريخي غير مسبوق من التوحش، سقطت هيبة اتفاقيات جنيف الرابعة وكل المواثيق الدولية، ولا سيما المواد الخاصة بحماية المستشفيات والكوادر الطبية، أمام صمت عالمي مخزٍ وتقاعس أممي مدوٍ، حيث سعى الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى يومنا هذا إلى كسر إرادة البقاء عبر تدمير المنظومة الصحية بكامل بنيتها ومواردها البشرية.
وتكشف لغة الأرقام اليوم عن فادحة الخسائر التي لحقت بالجسد الطبي والإنساني؛ فقد ارتقى أكثر من 1,411 شهيداً من الأطباء، والممرضين، والصيادلة، وفنيي المختبرات، والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، ومسعفي الطوارئ، والعاملين الإداريين أثناء تأدية واجبهم، فضلاً عن إصابة آلاف الكوادر بجراح وإعاقات مستدامة. وعلى صعيد البنية التحتية، تشير التقارير الأممية والدولية إلى أن أكثر من 94% من المستشفيات تعرضت لأضرار جسيمة أو دمار كامل؛ إذ خرجت أكثر من 22 مستشفى رئيسياً من أصل 36 عن الخدمة تماماً، بينما تعمل البقية بإمكانات محدودة وبطاقة حرجة ومدمرة جزئياً، إضافة إلى تدمير وإغلاق أكثر من 80 مركزاً للرعاية الأولية.
ولا يتوقف النزيف عند حدود الجراح المباشرة وقصف المؤسسات، بل يمتد ليشمل حرباً صامتة تقودها الأوبئة والأمراض المعدية التي تفشت جراء انعدام المياه النظيفة، وتكدس النفايات، وطفح مياه الصرف الصحي، وانتشار القوارض والحشرات، وفي ذات الوقت، يلاحق الموت البطيء آلاف المواليد والفئات الخاصة وذوي الأمراض المزمنة، وعلى رأسهم مرضى الفشل الكلوي الذين يجبرون على تقليص جلسات الغسيل إلى نصف أو ربع مدتها، ومرضى السرطان المحرومين تماماً من العلاج الكيميائي والإشعاعي، إلى جانب الخدج ومرضى العناية المركزة المهددين بالموت الفوري جراء أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء والحصار الدوائي الخانق، ولم تقتصر الحرب على التدمير المادي، بل امتدت لتشمل استهدافاً بشرياً مباشراً تمثل في اعتقال المئات من الكوادر الطبية، وفي مقدمتهم مدراء مستشفيات رئيسية في ظروف قهرية ومعتقلات التعذيب الممنهج، في انتهاك صارخ للحصانة التي تكفلها قواعد القانون الدولي الإنساني.
ورغم قسوة المشهد، ورغم جراحهم المفتوحة وفقدانهم للمأوى والأحباء، فإن أبطال القطاع الصحي لم يتراجعوا خطوة واحدة للخلف، بل ظلوا في مقدمة صفوف العمل يسطرون أروع ملاحم العطاء والتضحية الإنسانية لبلسمة جراح أبناء شعبنا، في رسالة صمود ناطقة بأن الإرادة الفلسطينية أقوى من الموت وأبقى من آلة الحرب، نؤكد أن عودة الحياة للقطاع الصحي ليست ترفاً سياسياً، بل هي استحقاق إنساني لا يقبل المساومة، وتستوجب استجابة فورية عبر فتح جميع المعابر لدخول المستشفيات الميدانية والأجهزة التشخيصية الحديثة، وتأمين مصادر طاقة مستدامة وإمدادات الوقود الدائمة لتشغيل المرافق، ودعم وحماية الكوادر البشرية مادياً وأمنياً وصرف مستحقاتهم وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية لهم، إلى جانب إطلاق خطة إعمار عاجلة وإنشاء ممر طبي آمن للخارج لضمان سفر آلاف الجرحى والمرضى ذوي الحالات الحرجة.
وعلى المنظومة الدولية، وخاصة منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة، إعلان غزة منطقة منكوبة صحياً بشكل رسمي، والعمل وفق ذلك، ومراقبة وحماية الكوادر الصحية، وتقديم الرعاية والتدخلات المطلوبة لتعزيز ثباتهم، وتفعيل آليات المحاسبة الدولية وملاحقة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية على جرائمهم الممنهجة بحق الطواقم والمشافي، وإلزام الاحتلال باحترام الشارات الدولية للهلال والصليب الأحمر استناداً إلى اتفاقيات جنيف والمادتين 18 و19 منها.
وختاماً، إن واقع المنظومة الصحية الفلسطينية اليوم يفرض علينا تجاوز لغة التنديد والشجب إلى أفق العمل الجاد والتحرك الفاعل؛ دولياً، ونقابياً، ودبلوماسياً، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق كل المؤسسات الدولية للتدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتوفير الإمكانات اللازمة لتمكين القطاع الصحي من أداء واجبه الإنساني المقدس تجاه المدنيين والمكلومين من مرضى ومصابين وفئات هشة. فالكوادر الطبية ليسوا مجرد مقدمي خدمة، بل هم عنوان الكرامة الإنسانية وحراساً لركيزة الصمود الفلسطيني الباقية، وحتماً، فإن نبض الحياة في غزة سينتصر على العتمة، وستنهض هذه المنظومة العريقة من ركامها أقوى وأصلب في طريق التعافي التام، بإذن الله.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معالجة المشاكل الأسرية وصحتها تحصين للمجتمع
- المنظمات الجماهيرية والشعبية بين أزمة التحلل المؤسسي وضرورة ...
- معايير الصحة والسلامة المهنية الشاملة في مشاريع الإعمار والت ...
- مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي
- صرخة لإنقاذ جيل يحارب الفوضى من أجل حقه في التعلم
- الموت الصامت يتربص بالآمنين في منازلهم المهترئة
- نحو مأسسة مهنية للعمل الاجتماعي والنفسي وبيئة ممارسة آمنة
- زواج الخيمة وبناء الأسرة في ظل النزوح بقطاع غزة
- أصالة النبل في مواجهة الخذلان
- سوسيولوجيا عمالة الأطفال في قطاع غزة في ظل حرب الإبادة
- رؤية لإسناد عمال قطاع غزة من الإغاثة العاجلة إلى سياسات التش ...
- ميثاق العمل ومدونة السلوك لحماية مستقبل الأخصائي النفسي والا ...
- الاستقلال المالي للأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة، بين الفر ...
- خلف أرقام المانحين.. الحقيقة المسكوت عنها عن ميزانيات الدعم ...
- حق الاستقرار الوظيفي والاجر العادل للأخصائي واجبة لتأسيس حيا ...
- من يداوي المداوي؟ الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة بين النب ...
- وحدة الكوادر الصحية خط أحمر.. فالواجب الوطني والإنساني لا يُ ...
- التعافي المجتمعي في غزة خط الدفاع الأول فيه الأخصائي الاجتما ...
- سوسيولوجيا التكافل والضغط البنيوي بين النازح والمقيم في غزة
- سوسيولوجيا التهميش الإداري عندما تُدار المؤسسات بالمراجل اله ...


المزيد.....




- فطريات كانديدا أوريس التي تصيب الأذن.. من أكثر الأشخاص عرضة ...
- -مشهد مخزٍ لنا جميعًا-.. ماكرون ينتقد تقاعس الدول بشأن غزة
- إسرائيل تعلن مقتل رئيس الشؤون المالية في حماس بخان يونس
- استطلاع: أغلبية الأمريكيين والكنديين ترى أن ترامب أخطأ في حر ...
- بيسكوف: موسكو على تواصل مع دمشق بشأن القواعد العسكرية الروس ...
- روسيا.. إحباط هجوم إرهابي استهدف مسؤولا رفيع المستوى في موسك ...
- -حاول خداعي فخدعته-.. أولمرت يفضح كيف خدع الأسد بينما كان يح ...
- الجيش الروسي يسيطر على بلدتين داخل منطقة التطويق في خاركوف
- -مجلس السلام- برئاسة ترامب يطرح خطة بـ2.45 مليار دولار للتعا ...
- رئيس نادي طرابزون ينفى مفاوضات التعاقد مع محمد هاني


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سلامه ابو زعيتر - ملحمة صمود القطاع الصحي في وجه الإبادة