أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا التهميش الإداري عندما تُدار المؤسسات بالمراجل الهشة














المزيد.....

سوسيولوجيا التهميش الإداري عندما تُدار المؤسسات بالمراجل الهشة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 15:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بسم الله الرحمن الرحيم
د. سلامه أبو زعيتر
تُشكل البيئات المؤسسية والإنتاجية ساحة مواجهة حقيقية بين المنطق التنموي المستدام وبين أنماط السلوك الإداري المنحرف؛ إذ تنتشر في بعض المؤسسات عدوى صامتة تمس في جوهرها النسق الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، ألا وهي عدوى التهميش والإقصاء الإداري، ويُظهر التحليل السوسيولوجي أن هذا الإقصاء ليس مجرد كبوة تنظيمية أو سلوك فردي عابر، بل هو اختلال بنيوي تؤكده أطروحات ماكس فيبر حول انحراف العقلانية القانونية وغياب مبدأ الجدارة والترقي النزيه، وتتحول المؤسسة في هذه الحالة من منارة لبناء الفرد وتطوير الوطن إلى بيئة هشّة تتولى إدارتها نفوس ترهبها الكفاءة والضمير الحي، فلا تجد لنفسها حصانة إلا بإبعاد النخب المهنية الشامخة وإحاطة نفسها بأتباع يمارسون التزلف والمحسوبية، مما يعيد تشكيل بيئة العمل لتصبح ساحة مغلقة لتصفية الحسابات والحروب الشخصية، ويسبب تآكلاً تدريجياً لرموزها وقيمها التنموية.
إن الوصول إلى مراكز القرار عبر إيذاء الزملاء وتهميش الشرفاء يُعبر نظامياً عما يمكن تسميته بـالمراجل الهشة؛ فالشرعية المهنية والقيادية حقيقتان لا تُبنيان بالخسة والدسائس، ووفق مفهوم بيير بورديو حول الرأس مال الرمزي والثقافي، يُحاول المتسلقون احتكار السلطة والشرعية بأساليب رخيصة تفتقر إلى الكفاءة الحقيقية، مما يضعهم في حالة زيف دائمة؛ لأن الأدوار المصنوعة بالولاء الضيق تشبه قصوراً من رمل تهوى عند أول اختبار حقيقي، لتعيد تلك البيئة إنتاج الفساد تلقائياً في تكتلات إدارية ظاهرها القوة وباطنها الهشاشة والخوف من المحاسبة، ولم تعد هذه الممارسات محصورة في الأروقة التقليدية للمؤسسات، بل امتدت في عصرنا الحديث لتأخذ أشكالاً رقمية معقدة في بيئات العمل الهجينة وعن بُعد؛ حيث يُمارَس الإقصاء الناعم عبر حجب المعلومات، والاستبعاد الصامت من قنوات التواصل والاجتماعات المصيرية، وحتى توظيف أنظمة التقييم التكنولوجية كغطاء لشرعنة التهميش السلوكي.
تتجاوز آثار هذا السلوك البُعد الفردي المتمثل في إحباط كادر مخلص لتمتد إلى تداعيات بنيوية تؤثر في منظومة العمل برمتها؛ إذ يؤدي إقصاء أهل الخبرة إلى تجلي مفهوم "الاغتراب الوظيفي" بصورته المؤسسية، حيث يفقد الموظف انتماءه لناتج عمله ولمحيطه، وبحسب إميل دوركهايم، يؤدي غياب العدالة وتفشي الفساد إلى حالة من "الأنوميا" أو ضياع المعايير الأخلاقية، فيتحول الموظف المخلص من فاعل تنموي إلى متفرج مغترب يمارس الحد الأدنى من الجهد لحماية نفسه، وعندما يتسلل هذا الفساد إلى مفاصل القطاعات الإنتاجية والخدمية، تتراجع جودة المخرجات وتتوقف عجلة الابتكار، وتتجلى هنا الآثار غير المقصودة للأنشطة الاجتماعية التي ناقشها روبرت ميرتون؛ حيث تتحول المنظمة من أداة لتحقيق المنفعة العامة إلى كائن ينفق طاقته في تسيير المصالح الشخصية للإدارة الفاسدة على حساب المجتمع، وإن هذه السياسة تكرس سلماً قيمياً مشوهاً يحل فيه الولاء الشخصي محل الإنجاز، مما يدفع الطاقات الشابة إلى ظاهرة الانسحاب الصامت أو الهجرة المؤسسية وسرقة العقول، وتؤكد الدراسات الاقتصادية والإدارية الحديثة أن التكلفة المادية لهذا التهميش باهظة جداً؛ إذ تخسر المؤسسات سنوياً أرقاماً طائلة تتجاوز مليارات الدولارات عالمياً بسبب تراجع الإنتاجية، وارتفاع معدلات دوران العمل، وتكاليف إعادة التوظيف والتدريب لتعويض الكفاءات المهاجرة، ليتجسد التحذير التاريخي الرمزي المتمثل في أن هدم الدول والمؤسسات لا يحتاج حروباً خارجية، بل يكفي فيه تمكين غير الكفء وإبعاد أهل الخبرة ليتحول المنصب إلى أداة للتفخيخ الذاتي وتدمير المستقبل.
وأمام هذا الخلل الهيكلي، لا ينبغي أن يقف التحليل عند حدود التشخيص، بل يتعداه إلى طرح معالجات تنظيمية وحصانة أخلاقية متكاملة. فمن الناحية المؤسسية، يتطلب العلاج بناء نظام حوكمة صارم يحد من السلطة التقديرية المطلقة للإدارات الفاسدة، عبر اعتماد مؤشرات قياس أداء معيارية وشفافة، وتفعيل سياسات التظلم المستقلة، وحماية المبلّغين عن الفساد والإقصاء، لضمان ألا تُركَن الكفاءات جانباً بقرارات مزاجية. وعلى المستوى الفردي، تبرز أهمية الوعي الذاتي لدى المهني المُهمّش من خلال توثيق الإنجازات، والاستثمار المستمر في المهارات الشخصية، والارتباط بشبكات مهنية خارجية تُبقي على قيمته السوقية والاحترافية.
وتكتمل هذه المنظومة الوقائية عندما يلتقي البُعد السوسيولوجي والاحترافي مع عمق الحكمة الأخلاقية والإيمانية الصافية المتمثلة في الدعاء "اللهم اصرف عنا أصحاب السوء، واصرفنا عنهم"، فهذه الدعوة تتضمن بعدين أساسيين؛ الشق الأول المتمثل في صرف أصحاب السوء هو تذكير مستمر بأن تهميش الشرفاء في منظومة فاسدة ليس دليل ضعف فيهم، بل هو شهادة ناصعة على ترفعهم عن المشاركة في الصفقات المشبوهة وحماية لكرامتهم ورزقهم من التلوث، أما الشق الثاني المتمثل في الصرف عنهم، فهو حصن نفسي وأخلاقي يمنع الفرد من الانجرار إلى مستنقع الانتقام أو تبني الأساليب الرخيصة ذاتها، بما يضمن حفظ الاستقلالية الأخلاقية ليبقى الإنسان الحر نقي الصدر ومترفعاً عن صراعات الصغار.
إن الذين يعتقدون أن السلطة الزائفة تمنحهم القدرة على قطع الأرزاق، أو محو الكفاءات، أو مصادرة حق المجتمع في التطوير، يتجاهلون حقيقة سوسيولوجية ونظامية ثابتة، وهي أن المؤسسات المبنية على التهميش تحمل بذور فنائها ذاتياً؛ فالأرزاق والأعمار والنتائج النهائية رهينة للعدالة الإلهية والسنن الكونية، فلا مسؤول يملك سلب ما كتبه الله للإنسان، ولا متسلق يستطيع إطفاء نور النزاهة والخبرة مهما تآمر، ويبقى الرهان الحقيقي دائماً على الاستقامة، وبناء الذات، والعطاء المستمر للمجتمع والوطن؛ إذ إن التاريخ المؤسسي لا يذكر المتسلقين وأصحاب المراجل الهشة إلا كظواهر عابرة، بينما تظل الكفاءات المخلصة والأخلاق الراسخة هي الجدار الصلب الذي تتهاوى عليه كل سياسات الإقصاء والتهميش.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلامة المهنية الشاملة كمدخل للتعافي الاقتصادي والصمود في غ ...
- نحو استعادة حركة فتح الرسالة، والجماهير
- قراءة في طبيعة العلاقات حول صناع القرار
- واجب الحماية للأطقم الطبية في غزة
- من اقتصاد البقاء إلى التعافي المجتمعي في غزة
- سوسيولوجيا اقتصاد البقاء وتشكّل السوق الموازي وديناميكيات ال ...
- سوسيولوجيا الخيمة والتحولات الاجتماعية والنفسية للإقامة القس ...
- سوسيولوجيا البقاء والتحول بسبب الحرب والنزوح القسري في قطاع ...
- العمل عن بُعد في فلسطين شريان للصمود والثبات والبقاء
- تحصين المجتمع الفلسطيني من المشاكل الاجتماعية في ظلال الأزمة
- إنقاذ المعرفة في غزة يبدأ بحوكمة التعليم الشعبي وتصحيح التقي ...
- المهارة الرقمية مدخل وعامل تمكين للشباب الفلسطيني
- ثورة المهارات تحميك في زمن الذكاء الاصطناعي
- الأبعاد السوسيولوجية والأخلاقية للإدارة عن بُعد في ظروف الحر ...
- من الإغاثة الطارئة إلى الاستثمار المستدام في تشغيل الأخصائيي ...
- قراءة في طبيعة العلاقات بقرب صناع القرار
- الآليات العملية والتطبيقية لإصلاح المنظمات الجماهيرية والنقا ...
- كيف نترجم السلامة النفسية والاجتماعية في بيئات العمل الفلسطي ...
- منظومة الصحة والسلامة المهنية الشاملة في سوق العمل ثلاثية ال ...
- مأسسة السلامة النفسية والاجتماعية للعمال في التشريعات والنضا ...


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يحاصرون منزلًا فلسطينيًا قبل مهاجمته
- أول سيارة باكستانية ذاتية القيادة تقود صاحبها إلى الشرطة! (ف ...
- بوتين: الشعب الروسي متضامن مع الشعب الإيراني في نضاله من أجل ...
- أزمة مياه تضرب إسرائيل.. 5 محطات تحلية تتوقف وظاهرة غامضة تع ...
- ترامب يلوّح بتغيير موقف واشنطن من جزر فوكلاند.. هل تتصدع الع ...
- -كان هناك في ساعة مبكرة-.. سارة نتنياهو تهاجم يائير غولان وت ...
- ترامب يتعهد بأن تستحوذ الولايات المتحدة على كل نفط فنزويلا م ...
- تحالف يتجاوز السلاح.. تقرير يكشف تعاوناً عسكرياً متنامياً بي ...
- مهمة فاشلة… لكن بلا عواقب
- المساعدات الاجتماعية في ألمانيا .. ما جديدها وكيف ستطبق؟


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا التهميش الإداري عندما تُدار المؤسسات بالمراجل الهشة