|
|
سوسيولوجيا البقاء والتحول بسبب الحرب والنزوح القسري في قطاع غزة
سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب
(Salama M.s.abu Zuaiter)
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 17:44
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تُشكّل الحرب الممتدة والأزمة المتواصلة في قطاع غزة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام لحظة مفصلية في البحث السوسيولوجي؛ إذ لا تكتفي بتدمير البنى التحتية والمادية، بل تعيد تفكيك وصياغة المجال الاجتماعي بأكمله؛ فقد تجاوزت تداعيات الحرب وآليات النزوح القسري المتكرر حدود الكارثة الإنسانية التقليدية لتحدث زلزالاً بنيوياً في هيكلية المجتمع الفلسطيني، مخلّفة بيئة اجتماعية ذات معالم جديدة؛ وفي هذا السياق، يتجلى تحليلي السوسيولوجي برصد انعكاسات الحرب والنزوح عبر ثلاثة محاور متداخلة؛ أولها أزمة الشباب من كلا الجنسين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة حالة من التعطيل القسري للمستقبل وانقلاب الأدوار الاجتماعية والجندرية، وثانيها ديناميكيات التضامن الاجتماعي والتكافل حيث جرى اختبار شبكات القرابة والأولية تحت وطأة شح الموارد والتزاحم المكاني في مراكز الإيواء والمخيمات، بهدف تفكيك آليات التكيف اليومي والممارسات المستحدثة لمواجهة تفكك البناء التقليدي وإعادة الرصد السوسيولوجي أمام مسؤولياته الأخلاقية والمعرفية، وثالثها سوسيولوجيا المكان والهوية العلاقية التي فرضتها تداعيات فقدان الحيز السكني وانعكاس ذلك على طبيعة العلاقات والتفاعلات الاجتماعية. ولغرض بناء إطار منهجي متكامل يراعي الدقة العلمية والمشاهدة الميدانية المباشرة، يعتمد هذا الطرح السوسيولوجي على منهجية البحث الكيفي الميداني، مستنداً إلى أدوات الملاحظة بالمشاركة داخل مراكز الإيواء ومخيمات النزوح (في مناطق دير البلح، خان يونس، والمواصي)، بالإضافة إلى إجراء سلسلة من الجلسات البؤرية المركزة والمقابلات المتعمقة مع عينات ممثلة من الشبان والشابات، والفاعلين المحليين، والقائمين على لجان التكافل العفوية، ويهدف هذا المنهج إلى استكشاف المعاني والتمثلات الاجتماعية التي يضفيها الفاعلون على تجربة العيش في مجتمعات الإيواء الهشة، ورصد التحولات البنيوية في التفاعلات اليومية عن كثب بعيداً عن القراءات الكمية المجردة. المحور الأول: أزمة الشباب وإعادة هيكلة الأدوار والجندرية إن التحليل السوسيولوجي لبنية الشباب في قطاع غزة كشف -من خلال التواصل المباشر والجلسات المركزة- عن وقوع هذه الفئة العمرية في حبائل أزمة بنوية تُعرف بالرشد المعلق؛ وهي حالة تتوقف فيها القنوات الانتقالية الطبيعية التي تؤهل الفرد للانتقال من مرحلة الشباب إلى الاستقلالية وتكوين الأسرة، فقد أدى التدمير المادي للمؤسسات التعليمية وسوق العمل إلى انقطاع قسري عن التحصيل الأكاديمي والمهني، ما ترتب عليه تفكيك الخرائط الذهنية والتخطيط المستقبلي لدى الشبان والشابات، ولم يعد معيار التخطيط بعيد المدى مقولة قابلة للتطبيق سوسيولوجياً، بل حلت محله "معركة البقاء"، حيث ينحصر أفق الفعل والتدبير في النطاق اليومي المباشر، وهذا الاحتجاز البنيوي في منطقة برزخية بين الصبا والمسؤولية الكاملة أدى إلى إعادة تعريف مفاهيم محورية مثل "الحق في العمل"، و"ممارسة المهنة"، و"تكوين الأسرة"، إذ أصبحت هذه الاستحقاقات الاجتماعية مؤجلة حكماً، مما يولد ضغوطاً نفسية واجتماعية تعيد تشكيل هويات الشباب وموقعهم داخل النسق المجتمعي. ورافق هذا الاحتجاز البنيوي تداخلٌ عميق في الأدوار بين الجنسين لسد الفجوات التي أفرزتها حياة الخيمة والنزوح، مما فرض تحولاً في الأدوار الجندرية التقليدية داخل الأسرة والمخيمات؛ ففي الوقت الذي فقد فيه العديد من الرجال أدوارهم التقليدية المتمثلة في "المعيل والموفر للحماية" جراء الانكماش الاقتصادي وفقدان الممتلكات، برز دور النساء والشابات كفاعلات أساسيات في إدارة اقتصاد الكفاف والبقاء اليومي؛ وتتولى الشابات اليوم مسؤوليات مركبة تمتد من إدارة الموارد الشحيحة داخل الخيمة، وتنسيق الحصول على المساعدات والمياه، إلى التكيف مع العنف الرمزي والمادي المحيط بفضاءات النزوح، وإن هذا التأنيث الإجباري للصمود، لم يكن نتاج مسار تحرري ناعم، بل وليد ضرورة بنيوية ضاغطة فرضت إتاحة المجال العام للشابات للعب أدوار قيادية وتنظيمية في شبكات التكافل الميداني، مما يتسبب في إعادة هيكلة موازين القوة داخل البناء الأسري التقليدي وخلق ديناميكيات تفاعلية جديدة بين الجنسين. غير أن هذه التحولات في الهوية الجندرية والشبابية لا تحدث على نحو متجانس بين جميع الفئات، إذ تبرز تقاطعات اجتماعية حادة تشكل تجربة كل فئة على حدة؛ فالشابات المتعلمات والخريجات يواجهن إحباطاً مزدوجاً يجمع بين فقدان المكتسبات الأكاديمية والمهنية والانخراط في الأعمال المنزلية الشاقة في الخيام، بينما تقع على كاهل الشبان المتزوجين حديثاً والآباء الشباب مسؤوليات مركبة تحت وطأة العجز عن حماية أسرهم وتوفير أدنى مقومات الحياة، وفي الوقت ذاته، تعاني الفئات الأشد هشاشة، مثل الجرحى الجدد وذوي الإعاقة جراء الحرب من عزلة واقتلاع مزدوج يتطلب إعادة تكييف قسرية للبيئة الفيزيقية والاجتماعية الهشة داخل مخيمات النزوح. وأمام هذا الانغلاق الأفق، برزت استراتيجيات التكيف وتشكيل الهويات الميدانية المستحدثة، حيث لم يقف الشباب في موقف المستهلك المنفعل لأحداث الحرب، بل أنتجوا استراتيجيات تكيف تعبر عن قدرة عالية على ابتكار أشكال جديدة من الفعل الاجتماعي، وتجلى ذلك في تشكيل مجموعات شبابية غير رسمية تتولى مهمات التنظيم الذاتي للمخيمات قدر الإمكان، وإدارة المبادرات الإغاثية والتعليمية البديلة للأطفال داخل فضاءات النزوح، وتُظهر هذه الممارسات إعادة تعريف مفهوم المواطنة والمشاركة الاجتماعية بعيداً عن أطر المؤسسات الرسمية المفككة والقوي السياسية والاحزب، حيث ينبثق رأس مال اجتماعي جديد قائم على الثقة الأفقية والعمل الشبكي الميداني والمبادرات النظيفة، وإن هذا التحول في الدور من متلقٍ مأزوم للخدمات إلى مدير ميداني لواقع النزوح يعكس صياغة جديدة للهوية الشبابية؛ هوية تتأرجح باستمرار بين وطأة الشعور بالصدمة وفقدان الجدوى من جهة، والالتزام الأخلاقي والسوسيولوجي بالتضامن البقائي من جهة أخرى. المحور الثاني: ديناميكيات التكافل والتضامن الاجتماعي وتحديات الإنهاك الشبكي تكشف القراءة السوسيولوجية لشبكات الدعم عن تحول بنيوي آخر في طبيعة التضامن الاجتماعي، حيث تراجعت الأطر التقليدية القائمة على القرابة العائلية الممتدة جراء التشتت الجغرافي والنزوح القسري المتكرر، ليحل محلها تضامن مجتمعي جديد قائم على الجوار الجغرافي الشديد، ويُظهر هذا التحول الانتقال مما أسماه إميل دوركهايم بالتضامن الآلي (القائم على التشابه والروابط العائلية المستقرة) إلى نموذج مستحدث من التكافل العضوي البقائي، حيث تنشأ روابط سريعة بين غرباء يتشاركون المساحة الجغرافية والمصير اليومي نفسه، وتتجلى هذه الديناميكية في تقاسم الموارد المحدودة مثل الطعام والمياه ومساحات الخيام وأدوات الطهي، مما يعكس إعادة تشكيل سريعة لشبكات الأمان الاجتماعي خارج البنى المؤسسية والأسرية التقليدية. ويعتمد هذا الصمود الميداني بشكل رئيسي على رأس المال الاجتماعي الأفقي باعتباره المعيار الأكثر نجاعة في مواجهة غياب أو تداعي الأجهزة الإغاثية الرسمية، حيث يبرز من خلال المبادرات العفوية للتنظيم المحلي، مثل مطابخ التكافل الجماعية "التكيات "، ولجان إدارة الموارد داخل المخيمات، ومجموعات الرعاية المشتركة للأطفال، ومع ذلك، يعاني هذا رأس المال الاجتماعي من ضغوط شديدة تُعرف بـالإنهاك الشبكي، إذ تؤدي الاستطالة الزمنية للحرب وشح الموارد الحاد إلى إنهاك قدرة الأسر على تقديم الدعم غير المشروط لبعضها البعض، لينشأ توتر دائم بين الرغبة الأخلاقية الجمعية في الإيثار والتكافل، وبين الواقع المادي الضاغط الذي يفرض أولوية البقاء الفردي، وهو ما يعيد اختبار متانة الروابط الاجتماعية بشكل مستمر. ولا يمكن فصل هذا الإنهاك الشبكي عن الاقتصاد السياسي للنزوح ولحظات الأزمة، حيث تتشابك آليات التكافل الاجتماعي مع ضغوط الاحتكار ونشوء اقتصاد السوق السوداء والاستغلال التجاري للموارد الأساسية؛ كالوقود والمواد الغذائية الخام، ففي مقابل مبادرات التضامن العفوي، أدت الممارسات الاحتكارية وتفاوت الحصول على المساعدات الإغاثية إلى خلق علاقات قوة غير متكافئة داخل فضاءات النزوح، مما يضعف الثقة المجتمعية ويرفع من حدة الصراعات اليومية حول توزيع الإغاثة وشراء السلع الأساسية بأسعار مضاعفة. كما أدى فقدان المكان الخاص (البيت والحي) والانتقال إلى الفضاءات العامة ومراكز الإيواء والخيام إلى حالة من المشاعية الجبرية في الحياة اليومية داخل مخيمات الإيواء الفائقة الاكتظاظ، وفي هذا الفضاء تتلاشى الحدود الفاصلة بين الحيز الخاص والحيز العام، مما يُعجل بإنتاج معايير وقواعد تفاعلية جديدة ضبطاً للسلوك الجمعي وتجنباً للنزاعات الميدانية، وتُجبر هذه الظروف الأفراد على ابتكار آليات للتكيف الاجتماعي؛ كالتشارك في إدارة النظافة العامة، وحراسة المخيمات ليلاً، وتنظيم الأدوار للحصول على المساعدات، وإن هذه الممارسات ليست مجرد حلول لوجستية، بل هي عملية إعادة بناء سوسيولوجية للمجتمع المحلي من الأسفل إلى الأعلى، تُظهر قدرة الفاعلين الاجتماعيين على خلق نظام واستقرار نسبي حتى في أكثر الفضاءات اضطراباً وهشاشة. بيد أن هذه البيئة الكثيفة والمكتظة لا تخلو من التصادمات والنزاعات الداخلية؛ إذ تفرز ضغوط المشاعية الجبرية واحتكاكات العيش اليومي ظواهر جديدة من التوتر الاجتماعي، كالنزاعات الحادة على استخدام مرافق المياه والصرف الصحي، والازدحام أمام نقاط التوزيع، وتترافق هذه التوترات مع تراجع وتآكل سلطة الوجهاء والأعيان والوجاهات العشائرية التقليدية التي كانت تتولى فض النزاعات في الأوقات الاعتيادية، لتنتقل صلاحيات الضبط الميداني تدريجياً إلى قيادات شبابية جديدة ولجان تنظيم ميدانية تشكلت بفعل الأمر الواقع والمبادرة المباشرة. المحور الثالث: سوسيولوجيا المكان والصدمة الجمعية واستعادة الفاعلية وعلى مستوى سوسيولوجيا المكان، لا يقتصر البيت أو الحي السكني في القراءة السوسيولوجية على كونه مجرد بنية هندسية وخرسانية، بل يمثل المستودع المكاني للذاكرة الجمعية والهوية الاجتماعية للفرد والأسرة، ومن ثم فإن التدمير المادي الواسع للأحياء السكنية أحدث ما يمكن وصفه بـالصدمة المكانية، حيث تجرع السكان تجربة تفكيك مادي ورمزي لمعالم وجودهم اليومي، ويترتب على محو الحي السكني اقتلاع الروابط الاجتماعية المترسخة التي تشكلت عبر عقود من الجوار والتفاعل الشفاهي والرمزي، مما يؤدي إلى ارتباك في الإحساس بالاستقرار والانتماء، كما إن فقدان البيت كحيز خاص يوفر الأمان والاستقلالية يضع الفرد أمام مواجهة مباشرة مع هلامية المكان، حيث تتحول الهوية المكانية من مرجعية ثابتة ومستقرة إلى حالة من السيولة والاقتلاع المستمر. وتقترن هذه الصدمة المكانية بحدوث أزمة صحة نفسية وصدمة جمعية مركبة لدى السكان، فالاقتلاع المتكرر ومشاهد التدمير المستمرة وفقدان الأحبة والروابط المرجعية لا تقتصر آثارها على الجانب النفسي الفردي، بل تنعكس مباشرة على التفاعلات الاجتماعية والاتزان السلوكي اليومي، حيث تتجلى الصدمة الجمعية في صورة مظاهر للإنهاك العصبي، وسرعة الاستثارة، وفقدان الشعور بالأمان الاسترجاعي، مما يضع أعباء إضافية على قدرة الأسر والشبكات الاجتماعية على الاستمرار في تقديم الدعم المعنوي والعاطفي المتبادل. لقد كانت أحياء غزة تشكل تقليدياً بنى اجتماعية متضامنة قائمة على علاقات جوار ممتدة ونمط تفاعلي يومي وثيق؛ إذ كانت الأزقة والميادين المجاورة تعمل كفضاءات لتوليد رأس المال الاجتماعي والحماية المتبادلة، وقد أدى التدمير الشامل والنزوح القسري المتكرر إلى تشتيت هذه الكتل الاجتماعية في أرجاء متفرقة من مراكز الإيواء والمخيمات، وهو ما يُعرف سوسيولوجياً بالانبتات العلاقي، ولم يعد بإمكان الأفراد الاعتماد على المرجعيات الاجتماعية الجغرافية التي اعتادوا عليها، بل أُجبروا على إعادة إنتاج علاقاتهم الاجتماعية في بيئات هشة ومؤقتة، وهذا الاقتلاع المزدوج - للمكان وللشبكة الاجتماعية المرتبطة به - فرض إعادة تعريف للهوية العلاقية؛ فلم تعد الهوية تنبثق من الانتماء للحي أو الشارع، بل أصبحت تنشأ من التجربة المأساوية المشتركة كإطار مرجعي بديل يربط بين النازحين في الفضاء الجديد. ويميّز الانتقال القسري من البيت إلى الخيمة تحولاً جوهرياً في بنية الحياة اليومية وعلاقة الفرد بالحيز المكانـي؛ فالخيمة تُجسد حالة من الاغتراب والاقتراب، إذ لا توفر سياجاً حامياً للخصوصية الفردية أو الأسرية، مما يتسبب في ظاهرة الاغتراب المكاني وخلل في تنظيم المجال الخاص، ورغم هذه الهشاشة البنيوية، يمارس الفاعلون الاجتماعيون نوعاً من الفاعلية التكيفية من خلال إعادة تأثيث الخيمة محلياً وتخصيص مساحات رمزية داخلها لاستعادة شيء من معالم البيت المفقود، وتُظهر هذه الممارسات الميدانية قدرة السكان على تحويل فضاء النزوح المؤقت إلى جغرافيا صمود تعيد صياغة المعنى الاجتماعي للمكان رغماً عن ظروف الاقتلاع، وتبتكر أنماطاً جديدة من التكيف تعاند محو الأثر الاجتماعي والتاريخي للإنسان في حيزه الجغرافي. خاتمة وتوصيات السياسات الاجتماعية والإنسانية تخلص القراءة السوسيولوجية لأثر الحرب والنزوح القسري في قطاع غزة إلى أن المجتمع لا يمر بحالة تفكك شكلي للسكن فحسب، بل يعيد إنتاج نفسه أفقياً عبر آليات تكيف وصمود استثنائية لمواجهة الانهيار العمودي للبنى التشغيلية والمؤسسية، وأظهر التحليل التحول البنيوي الحاصل في الأطر الأسرية والعلاقية، حيث حلّ التكافل العضوي البقائي محل التضامن الآلي التقليدي، مشكّلاً شبكات أمان أفقية سريعة التشكل لمواجهة حالة السيولة والاقتلاع المكاني في مخيمات النزوح، وعلى مستوى الفاعلين الاجتماعيين، أفرزت تجربة الحرب إعادة تعريف جوهرية لدور الشباب من كلا الجنسين؛ ففي ظل أزمة الرشد المعلق وتعطيل المسارات التعليمية والمهنية، انخرط الشباب في ممارسات قيادية وتنظيمية ميدانية فرضتها ضرورة البقاء، والتي اقترنت بتأنيث متزايد لآليات الصمود وإعادة توزيع للأدوار الجندرية داخل الأسرة والمجتمع المحتجز، وكما أثبتت سوسيولوجيا المكان أن فقدان البيت والحي السكني -على الرغم من تسببه في صدمة مكانية واغتراب عميق- لم يلغِ قدرة السكان على تحويل فضاءات النزوح الهشة والخيام إلى جغرافيا صمود تستعيد الحد الأدنى من المعنى والخصوصية والتفاعل الاجتماعي. أخيراً، يضع هذا الواقع الاجتماعي المتشكل علم الاجتماع أمام مسؤولية استثنائية تتجاوز مجرد رصد مظاهر الحرمان والفقدان، إلى تفكيك استراتيجيات الفعل والفاعلية المجتمعية القادرة على ابتكار نظام اجتماعي متماسك من قلب الاضطراب، وبناءً على هذه الرؤية البنيوية، تنبثق مجموعة من التوصيات السياساتية والتنموية الموجهة للمؤسسات الدولية والأهلية والمخططين الاجتماعيين لمرحلة الاستجابة الفورية والتعافي: أولاً: إعادة تصميم برامج التدخل الإنساني والإغاثي والتحول من توزيع المساعدات الفردية المجردة إلى دعم شبكات التكافل الأفقية ولجان المخيمات الذاتية، مع مراعاة الحفاظ على الخصوصية والكرامة الإنسانية، وتصميم المساحات الخدمية بما يلائم التغيرات الجندرية والأدوار القيادية المستحدثة للشابات. ثانياً: التمكين النفسي والاجتماعي المدمج فيجب تجاوز الاستجابات النفسية الفردية نحو برامج دعم نفسي-اجتماعي جمعي يعالج آثار الصدمة المركبة والانبتات العلاقي، ويُسهم في الحد من النزاعات الداخلية وحالات الإنهاك الشبكي داخل مراكز الإيواء. ثالثاً: استعادة المسارات الشبابية والتعليم البديل لبناء برامج تعليمية ومهنية مرنة ومجتمعية تتناسب مع واقع الرشد المعلق، التطورات المحيطة، وتستثمر في رأس المال الاجتماعي الجديد للشباب، وتحول أدوارهم القيادية العفوية في إدارة المخيمات إلى أطر مؤسسية مستدامة. رابعاً: دعم السياسات السكنية والإعمار المستجيب اجتماعياً من خلال التأكيد على أن إعادة الإعمار المستقبلية لا ينبغي أن تقف عند إعادة بناء الكتل الخرسانية، بل يجب أن تراعي سوسيولوجيا المكان، وإعادة ترميم الأحياء السكنية بما يضمن إعادة تشكيل شبكات الجوار وتماسك الهوية العلاقية للمجتمع المحلي.
##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)
Salama__M.s.abu_Zuaiter#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العمل عن بُعد في فلسطين شريان للصمود والثبات والبقاء
-
تحصين المجتمع الفلسطيني من المشاكل الاجتماعية في ظلال الأزمة
-
إنقاذ المعرفة في غزة يبدأ بحوكمة التعليم الشعبي وتصحيح التقي
...
-
المهارة الرقمية مدخل وعامل تمكين للشباب الفلسطيني
-
ثورة المهارات تحميك في زمن الذكاء الاصطناعي
-
الأبعاد السوسيولوجية والأخلاقية للإدارة عن بُعد في ظروف الحر
...
-
من الإغاثة الطارئة إلى الاستثمار المستدام في تشغيل الأخصائيي
...
-
قراءة في طبيعة العلاقات بقرب صناع القرار
-
الآليات العملية والتطبيقية لإصلاح المنظمات الجماهيرية والنقا
...
-
كيف نترجم السلامة النفسية والاجتماعية في بيئات العمل الفلسطي
...
-
منظومة الصحة والسلامة المهنية الشاملة في سوق العمل ثلاثية ال
...
-
مأسسة السلامة النفسية والاجتماعية للعمال في التشريعات والنضا
...
-
الصحة النفسية للعمال والموظفين أولويّة في مراحل التعافي والت
...
-
إستراتيجية تمكين شباب غزة من الإغاثة إلى الإنعاش الاقتصادي
-
ليالي النازحين بين جحيم الحرّ ورُعب القوارض
-
من الركام إلى الاقتصاد التضامني ...رؤية إستراتيجية وميدانية
...
-
إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال
-
سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة
-
عصام سالم.. - أبا وسام- قامةٌ من نور، ورسالةٌ لا تموت
-
بين حداثة المشاريع وجمود النظم التقليدية في المؤسسات
المزيد.....
-
زيلينسكي يتوقع حشد روسيا 300 ألف جندي إضافي في حرب أوكرانيا
...
-
مصر.. قرارات عاجلة بحق مدرسة دولية بعد فضيحة مدوية
-
دميترييف يتساءل: هل يصلح رئيس الوزراء الكندي ليكون حاكما ناج
...
-
هل نسي العالم مأساة نازحي الحرب في السودان؟
-
ألمانيا تتسلح ألكترونيا .. -قراصنة- في خدمة الجيش الألماني
-
استطلاع: غالبية الألمان تتوقع انتهاء ولاية ميرتس قبل موعدها
...
-
حظها سيء.. عقرب يلدغ مسافرة في مطار دوسلدورف بألمانيا
-
اندلاع حريق هائل بمجمع الدورة النفطي في بغداد (فيديو)
-
فوتشيتش: روسيا لبت طلبنا فورا لإرسال طائرة خاصة لإخماد الحرا
...
-
درع ترامب الحصينة: السر الخفي وراء الجرأة غير المسبوقة لـ -ت
...
المزيد.....
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
المزيد.....
|