أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال














المزيد.....

إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 14:47
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


تضع الحالة الفلسطينية المركبة ولا سيما في قطاع غزة في ظل استمرار الحرب والحصار وتدمير المقومات الأساسية للحياة والإنتاج؛ الطبقة العاملة أمام اختبار وجودي يتجاوز القراءة التقليدية لمفاهيم البطالة والركود الاقتصادي؛ فشلل مؤسسات العمل المنظم وغياب البنية التحتية لم يدفعا العمال إلى الاستسلام أو الاكتفاء بـالتكيف السلبي، بل فرضا عليهم اندفاعاً قسرياً نحو ما يُعرف سوسيولوجياً بـإبداع الضرورة، غير أن الرسالة الجوهرية التي ينبغي أن ينطلق منها أي تحليل نقدي لهذا المفهوم هي رفض اختزال المعاناة الإنسانية في حكايات بطولية أو الترويج لـرومانسية التكيف؛ فالابتكار الميداني هنا ليس رفاهية معرفية ولا خياراً حراً، بل هو آلية دفاع اجتماعي ومهني قسرية، ينقّب فيها الإنسان عن أدوات بقائه وسط ركام التجريد الشامل من أسباب العيش، ومن هنا، يستهدف هذا الطرح تشريح هذه الظاهرة نقدياً للوقوف على أبعادها السلوكية والمهنية، والتحذير من خطر تطبيعها كأمر واقع، تمهيداً لتحويل هذه الاستجابات الاضطرارية إلى مدخل لإعادة صياغة أدوار الشركاء الاجتماعيين والسياسات التنموية.
لقد فرض الفقدان الكامل للخدمات الأساسية كالكهرباء والوقود والمياه والسلع الاستهلاكية ارتداداً سوسيولوجياً نحو وسائل بدائية أدارها المجتمع العمالي بوعي تنظيمي وكفاءة عملية حديثة، وفي قلب هذا الارتداد، تجلت بصمة المرأة العاملة وربات البيوت كعنصر محوري في قيادة عمليات التدوير وإعادة إنتاج الحياة اليومية، حيث تحملت النساء العبء الأكبر في حياكة الخيام، وتصنيع البدائل المنزلية، وإدارة شح الغذاء والمياه، إلى جانب انخراطهن المباشر في المهن البديلة والمشروعات المنزلية الصغيرة، ورغم وجود قدرات مالية محدودة لدى بعض الأفراد لشراء السلع الجديدة، إلا أن السلوك الجماعي السائد مال نحو إعادة التدوير والتحوير الاستخدام للملابس والأثاث والخيام، وإن كان هذا النمط الاستهلاكي المبتكر يمثل شبكة أمان تكافلية منعت الانهيار الأخلاقي، إلا أنه ينطوي على استنزاف بدني ونفسي هائل يجعل من الحصول على أبسط الاحتياجات العادية إنجازاً شاقاً يستنزف طاقة الفرد والعائلة.
و على المستوى المهني وبنيوية سوق العمل، أدى تدمير المنشآت الإنتاجية إلى بروز اقتصاد هامشي مستحدث، نقل فيه العمال مهاراتهم إلى الشوارع وأزقة المخيمات ومراكز النزوح، ونشأت نتيجة لذلك طبقة حرفية تخصصت في صيانة المستحيل وتوليد البدائل، كتحويل المحركات التالفة لمصادر طاقة، وإصلاح القداحات وبوابير الكاز، وتطويع الأدوات البدائية لطحن الحبوب وضخ المياه، جنباً إلى جنب مع تحول أصحاب المؤهلات الأكاديمية والمهنية؛ كالمعلمين والمحاسبين والمحامين نحو التجارة البسيطة والبسطات؛ غير أن هذا الاقتصاد الهامشي، ورغم دوره في صون الكرامة، نشأ في بيئة مسمومة بتغولات اقتصاد الحرب، حيث وقع مبتكر الضرورة بين فكي الحصار الخارجي واستغلال احتكارات الأسواق السوداء التي تسلطت على أسعار المواد الخام والوقود الشحيح، كما يواجه هذا الواقع تحدياً مضاعفاً يتعلق بتهميش العمال الذين أصيبوا بإعاقات دائمة جراء العدوان، وكبار السن ممن يعجزون عن الجهد البدني القاسي الذي يتطلبه هذا النمط البدائي من العمل، ويُضاف إلى ذلك ظهور أنماط عمل مرنة ومستحدثة عبر المؤسسات والجمعيات الأهلية والدولية، أو العمل عن بعد عبر اقتصاد المنصات، والتي تُمارَس في ظروف غير آمنة وغير مستقرة، مما يستدعي تفكيراً نوعياً لحماية مصالح العمال والموظفين والمهنيين في ميادين العمل المختلفة وفق رؤية نقابية قادرة على تلبية الاحتياجات وحماية الحقوق.
إن هذا التحول البنيوي الحاد يضع الحركة النقابية والاتحادات والنقابات القطاعية أمام مسؤولية تاريخية غير مسبوقة، تجعل من الأطر النقابية التقليدية عاجزة عن الاستجابة للواقع الجديد، فالتحول نحو العمالة الهامشية والمستقلة يتطلب مرونة هيكلية تنقل العمل النقابي من حصر دوره في المطالبة بالأجور والتعويضات، إلى مد المظلة الحقوقية والتوعوية لعمال الاقتصاد البديل، مع إيلاء أولوية قصوى لحماية النساء العاملات، ودمج العمال ذوي الإعاقات المستحدثة عبر مطالبات بتكييف أدوات العمل البديلة لتناسب قدراتهم، ويستوجب هذا الدور توفير إرشادات السلامة الميدانية، وتوفير الدعم الاجتماعي والسلامة النفسية لمواجهة الصدمات والضغوط المركبة، كما يقتضي الأمر الانتقال التنفيذي من نقد المساعدات الإغاثية إلى طرح أدوات عمل عملية، كإنشاء بنوك أدوات مجتمعية توفر العُدد والحِرَف مجاناً أو بكلفة رمزية، وتأسيس صناديق دعم ميكرو-مهنية دوّارة تمول المشروعات الصغيرة المبتكرة بعيداً عن ارتهان الطرود الغذائية الاستهلاكية.
أخيراً، إن الغاية الأسمى من قراءة إبداع الضرورة ليست توثيق أشكال الصمود الفردي فحسب، بل تحويل هذا الصمود إلى مشروع إستراتيجي ملزم للشركاء الاجتماعيين كافة، وإن إنقاذ الواقع العمالي والارتقاء به يتطلبان صياغة عقود جديدة للعمل التشاركي تتكامل فيها جهود الحكومة، والعمال عبر نقاباتهم، وأصحاب العمل، لرفض اختزال حقوق الإنسان في مجرد القدرة على التعايش مع المأساة، وإن هذه المهارات والحلول المبتكرة في قلب الكارثة لا ينبغي التخلي عنها أو التعامل معها كمرحلة عابرة تزول بانتهاء الحرب، بل يجب صهرها وتطويرها لتكون نواة لـاقتصاد مقاوم ومستدام يُدرج ضمن خطط التعافي المبكر وإعادة الإعمار، بما يقلل الارتهان للخارج، ويؤسس لبيئة أمان حقوقية ونفسية واقتصادية تضمن للعمال حظهم العادل في العمل اللائق والكرامة الإنسانية.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة
- عصام سالم.. - أبا وسام- قامةٌ من نور، ورسالةٌ لا تموت
- بين حداثة المشاريع وجمود النظم التقليدية في المؤسسات
- نساء غزة بين ثقل الواقع وضرورة التعافي
- سواعد غزة حجر الأساس لأي تعافٍ حقيقي
- مجدي سعادة بصمات نقابية وتضحيات وطنية في ذاكرة النضال الفلسط ...
- القائد الأديب والنقابي الثائر عبد الجواد زيادة -أبو الأديب-
- الرفق بالأطفال استثمار في مستقبل المجتمع واستدامته
- جمال خليفة.. سيرة قائد نقابي بقلب إنسان ونبض ثائر
- حين تكون الابتسامة أسلوب مقاومة وصمود
- أيتام غزة المنسيون مقيدون بشروط لإغاثة طفل!
- مهارة الذكاء العاطفي في الأزمات
- عندما يُغلق المتنفذون هواتفهم في وجه ميدان يُكوى بالنار..
- فصائلية العمل النقابي من معضلة الاستقلالية لنقد المحاصصة
- من الإغاثة إلى التنمية المستدامة لإعادة بناء قطاع غزة
- فلسفة الفكرة والقرارالمستقل ولماذا -فتح-؟
- متلازمة الموظف المهدد وأخلاقيات العمل في بيئات الطوارئ
- سوسيولوجيا إبداع الضرورة النقابية في بيئات الأزمات
- سوسيولوجيا العمل النقابي في أوقات الطوارئ والازمات
- قراءة تحليليّة في مقال الرفيق خالد أبو شرخ من نقد -شرعيّة ال ...


المزيد.....




- وزيرة العمل تزور الصندوق الاجتماعي لدعم العامل المقدسي وتطلع ...
- ترامب: نتعامل بـ-هدوء- مع إيران.. وطهران تتمسك بشروطها لإعاد ...
- ترامب يقول إن واشنطن تتعامل بـ-هدوء- مع إيران، وطهران تضع شر ...
- سلطات كوسوفو تزيل علما أوكرانيا كبيرا من وسط مدينة بريشتينا ...
- رغم انقطاع الرواتب.. العاملون في قطاعي التعليم والصحة بغزة ي ...
- برلمانية المؤتمر بالشيوخ تعقيبًا على تراجع البطالة: الأهم تو ...
- -يعود إلى عصر أجهزة التلكس-.. جدل بشأن قانون ساعات العمل الأ ...
- Statement on the International Day of the World’s Indigenous ...
- بيان بمناسبة اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم
- البطالة في روسيا تسجل أدنى مستوى بين دول مجموعة العشرين


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال