سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب
(Salama M.s.abu Zuaiter)
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 00:02
المحور:
سيرة ذاتية
مهما كتبنا وسطرنا من كلمات، فلن نوفي هذه القامة الوطنية حقها الواجب؛ قامةٌ جمعت بين البساطة المتناهية والشجاعة الفذة والإقدام النبيل في ميدان الحق والدفاع عن البسطاء، أكتب اليوم لأضع أساساً متيناً لمن أراد أن يضيف ويكتب عن أخٍ وصديق، وقائدٍ ورفيقِ درب، ومناضلٍ جسور استبسل حتى آخر لحظة من حياته، حنوناً كأب وأخ لكل من عرفه، وفي ذاكرة الحركة النقابية والنضالية، تبقى هناك أسماء لا تمحوها الأيام، ووجوهٌ حُفرت ملامحها في وجدان الطبقة العاملة وعقول المدافعين عن الحقوق والعدالة، وحين نكتب عن شريك العمل النقابي ورفيق المسيرة العطرة، الأخ القائد جمال خليفة (أبو محمد)، فإننا نستحضر سيرة قائدٍ وفدائيٍّ نقابيٍّ من طرازٍ فريد؛ نبت من أوجاع اللجوء وقسوة التشريد في مخيم خان يونس الصامد، حاملاً في جيناته أصل قريته البطلة "بيت دراس" (أخوالي الأعزاء الذين أعتز بهم وبإرثهم النضالي)، ونكتب ليبقى ذكره نبراساً يضيء الطريق للأجيال النقابية القادمة.
وليس غريباً أن تنبت هذه القامة الصلبة من ثرى خان يونس؛ تلك المحافظة المعطاءة ومخيمها الشامخ اللذين سطرا في صفحات التاريخ أنصع ملحمات الاستبسال دفاعاً عن القضية الوطنية، إن خان يونس لم تكن يوماً مجرد بقعة جغرافية، بل قلعة حصينة للنضال ومصنعاً لا يتوقف عن رفد الوطن بأعتى الكفاءات وأبرز القيادات والزعامات، والعلماء والباحثين المشهود لهم بالإخلاص والصفاء والعطاء اللامحدود، ومن هذا المَعين الخالد، ومن قلب أزقة مخيمها الذي شهد على التحدي والصمود، خرج شهيدنا البطل وكادرنا النقابي الراحل ليمثل روح مدينته ونبض أهله الأوفياء.
لقد أفنى النقابي الراحل عمره كاملاً في خندق الدفاع عن الحركة الوطنية والعمالية والنقابية، تاركاً إرثاً نضالياً ناصع البياض مفعماً بالمحبة والعطاء؛ حيث كان "أبو محمد" يُجسّد الكاريزما القيادية مع عقلٍ وازن وقلبٍ إنساني نابض، سداً منيعاً في الدفاع عن الكادحين، وصوتاً حراً للبسطاء حين تضيق بهم السبل، فذلك القائد صاحب الشارب العريض، والكلمة الصادقة، والنخوة الأصيلة، وملامح الشقاء الشريفة.. رجلٌ يُغضبُه تجاوز الحق، فيقف شامخاً "ظهره إلى الجدار" لا يهادن ولا يخون قضايا زملائه من العمال حتى يُنصف مظلوماً أو يُثبت حقاً ويعيده لأصحابه، ويشهد له الكثير بالتضامن ومناصرة الحق وإخوته في الميدان، وبالتضحية حين يتطلب منه ذلك.
ولد الأخ القائد جمال خليفة في 30 يونيو 1957 في مخيم خان يونس للاجئين، وتلقى تعليمه في مدارس "الأونروا" قبل أن يحصل على دبلوم المراكز المهنية عام 1974، وفي عام 1975، اغترب طلباً للرزق في ليبيا وانضم لصفوف حركة فتح عبر مكتب طرابلس، وعقب عودته للوطن عام 1979، أسس أسرته الكريمة (4 بنين و4 بنات)، وخاض غمار العمل الحر في مهن شاقة كالكهرباء وحفر الآبار ليكسب قوته بعرق جبينه وكبريائه.
وعلى الصعيد الوطني، سجّل حضوراً طليعياً متقدماً؛ فالتحق بالشبيبة عام 1982، وكان شعلة في قيادة التظاهرات ضد الاحتلال، ومع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 عمل في القيادة الوطنية الموحدة ثم انضم للقوات الضاربة عام 1989، كما دفع ثمناً غالياً باعتقاله عام 1991 بتهمة إيواء ومساعدة المطاردين من كافة الفصائل دون تمييز، وبعد خروجه من المعتقل استمر بالعطاء وتدرج لاحقاً في المهام التنظيمية والعسكرية الرفيعة؛ فعمل منسقاً لمجموعات (صقور فتح) بين 1993-1995، ثم التحق بقوات الـ 17 عام 1995، وكُلّف برئاسة لجنة الحي بالمخيم، مستمراً في عطائه كإنسان ورجل وطني بامتياز؛ فلم يكن يوماً فئوياً أو متعصباً إلا لقضيتنا الأولى فلسطين.
ظلت بوصلته الدائمة مشدودة نحو فلسطين والإخلاص للعمال والنقابات والمجتمع والفئات الهشة والمسحوقة، ففي أوائل التسعينيات، ارتبط اسم جمال خليفة بالعمل النقابي العمالي ليصبح أحد أبرز أعمدته وأسمائه الراسخة في محافظة خان يونس وعموم الوطن؛ فقد شغل منصب أمين سر ورئيس النقابة الفرعية لعمال النقل العام بخان يونس وعضواً في مجلس إدارتها عام 1991، فقاد هذا القطاع الحيوي في أصعب ظروف الاحتلال، مدافعاً بشراسة عن حقوق السائقين، ومتصدياً للانتهاكات بحقهم، ومبتكراً حلولاً نضالية وميدانية كإنشاء مواقف خاصة ترعى شؤونهم وتخفف من وطأة الحصار، وعقب خروجه من سجون الاحتلال عام 1992، تسلم مسؤولية اللجنة الاجتماعية لاتحاد عمال فلسطين في خان يونس، مسخراً جهده وعلاقاته لتوفير مقومات الصمود لعائلات العمال والفقراء والمحتاجين.
ولم تكن نقابية "أبو محمد" محصورة في قطاع دون آخر؛ فقد كان حاضراً في كل الفعاليات والتدريبات والنضالات المطلبية، مسجلاً بصمات واضحة في نصرة السائقين وعمال البلدية، وعمال القطاع الصناعي، والعاملين في الخدمات الصحية وغيرها من القطاعات العمالية التي كانت تدافع عن مصالحها، وأذكره في موقفٍ كان فيه صلباً مطالباً بحقوق محافظة خان يونس لتكون شريكاً أصيلاً؛ إذ جلسنا في لقاءات بحضور الأخ راسم البياري لتسوية العمل النقابي ودعمه في المحافظة للانتصار لكل قضايا العمال، ولن أنسى كيف كانت استجابته مع رفاق الدرب عالية ومسؤولة ومنطلقة من المصلحة العامة، متبنياً مطالبهم العادلة بلا تردد ولا مهادنة.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، وفرض الاحتلال إغلاقاً وحصاراً مدمراً تسرح إثره مئات الآلاف من العمال وتوقف قطاع النقل، انتقل وظيفة الأخ جمال خليفة إلى الاتحاد العام لعمال فلسطين برتبة نائب مدير مفرغاً بالاتحاد، ليكون في الخطوط الأمامية؛ فقاد جنباً إلى جنب مع رفاق دربه تأسيس لجان إغاثة عاجلة لعمال خان يونس المتضررين، موزعاً الطرود الغذائية والمساعدات المادية ومؤمناً برامج التشغيل الطارئ، ولم يكتفِ بالعمل الميداني، بل حمل قضية العامل الفلسطيني إلى المحافل العربية، مشاركاً في مؤتمرات عمالية بمصر والعراق؛ حيث التقى مع زملائه بنائب رئيس العراق آنذاك طه ياسين رمضان لتحشيد الدعم النقابي العربي لعمال فلسطين، وكانت لقاءات تنتصر للقضية الفلسطينية وحقوق العمال، فكانوا خير سفراء لنقل الرواية الفلسطينية والحشد لصالح القضايا الوطنية.
ولم تكن نصرته للعمال والناس شعارات مكتوبة؛ ففي 3 ديسمبر 2000، أصيب بجراح خطيرة إثر استهداف مدفعي صهيوني غاشم لمجموعته أثناء هبتهم الإنسانية لإيواء إحدى العائلات المتضررة من الاجتياح عند حاجز التفاح، لينقل على إثرها للعناية المكثفة فداءً لأبناء شعبه وعماله، وتواصل عطاؤه النقابي والحركي؛ فكُلّف عام 2006 عضواً في أمانة سر الهيئة التنظيمية لحركة الشبيبة العمالية بإقليم خان يونس، ومنذ عام 2008 كُلّف معي لشغل عضوية المكتب الحركي المركزي للعمال على مستوى قطاع غزة ليظل فيها حتى رحيله؛ حيث خضنا معاً سنوات طويلة من التنسيق النقابي المشترك ومساندة النضالات العمالية بنفس الروح الصادقة والأمينة، وإلى جانب مسيرته النقابية والنضالية، عُرف الفقيد كقامة إصلاحية بارزة ذات هيبة وكاريزما، يقضي بين الناس بالحق ويسعى للصلح في خان يونس وعموم المحافظات، فضلاً عن تأسيسه ومشاركته الفاعلة في إدارات الجمعيات الخيرية ابتغاءً لمرضاة الله وخدمةً لأبناء شعبه، وسجل العديد من المصالحات المجتمعية والإنجازات القيمة للمجتمع...
ومع أذان فجر يوم الأحد 18 يناير 2015، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها إثر أزمة قلبية حادة، لترتسم في وداعه الأخير مأساة فقدٍ هزّت أركان المحافظة برمتها، فلقد احتضنته خان يونس بجموع غفيرة لم تشهدها المنطقة من قبل؛ إذ خرج عشرات الآلاف لتمتلئ الشوارع الممتدة حتى المقبرة بالمحبين والأصدقاء من أبناء المخيم، ورفاق الدرب، وجموع العمال، وممثلي قيادات العمل الوطني والنقابي والوجهاء والرجال الإصلاحيين من مختلف الأطياف والقطاعات، ليحتشدوا جميعاً في جنازة مهيبة حملت جثمانه على الأكتاف نحو مثواه الأخير في مقبرة أهالي "بيت دراس"، وفي ذلك اليوم المشهود، امتزجت دموع الوفاء بصدى كلمات الرثاء المعتصرة ألماً؛ حيث تعالت الأصوات مؤكدة أن فلسطين والحركة العمالية والوطنية قد فقدت قامةً استثنائية وعموداً من أعمدة النضال الصلبة التي صمدت في أحلك الظروف.
إن استذكار سير هؤلاء الرجال وتوثيق عطائهم يفرض علينا اليوم واجباً وطنياً وأخلاقياً راسخاً؛ ألا وهو ضرورة الوفاء الصادق والأمين لهؤلاء المناضلين الشرفاء، ورعاية أسرهم وعائلاتهم الكريمة، والسير بثبات على خطاهم التي عبدوها بالدم والعرق والتضحيات، وإن تذكُر "أبو محمد" ليس مجرد استحضارٍ للماضي، بل هو تجديدٌ للعهد بأن تبقى مسيرته ومواقفه البطولية الشجاعة في نقابة النقل العام، ووقوفه الصلب مع الطبقة العاملة، وعطاؤه المخلص في المكتب الحركي المركزي للعمال، وسام فخرٍ خالداً ونبراساً لا ينطفئ، ليضيء طريق الحركة النقابية الوطنية الفلسطينية، رحم الله القائد والأخ والأب الحنون أبا محمد، وأسكنه فسيح جناته، والعهد هو العهد لعمالنا وشعبنا ومناضلينا الأوفياء.
##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)
Salama__M.s.abu_Zuaiter#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟