أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - توجيهي غزة.. عندما تُهزم الزغاريدُ صمتَ الركام














المزيد.....

توجيهي غزة.. عندما تُهزم الزغاريدُ صمتَ الركام


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 13:08
المحور: المجتمع المدني
    


عندما يتراكم الركام فوق الركام، ويُخيّل للرائي أن العتمة قد أطبقت على المدى وأن صخب المآسي قد خنق كل صوت، تباغت غزة العالم برواية أخرى.. رواية يُكتب فصلها الجديد بالنور لا بالرماد.
فاليوم، لم تكن نتائج الثانوية العامة (التوجيهي) في غزة مجرد استحقاقٍ تعليمي أو محطة عبور مدرسي، بل جاءت كوثيقة صمود أسطورية، وإعلان انطلاق لجيلٍ تحالكت عليه الظروف وذاق مرارة المعاناة لكنه رفض السقوط؛ فقبض على القلم كما يَقْبض على الأمل، ونسج من قلب العتمة والوجع فرحاً يفيض نوره ليسع العالم بأكمله!
إن المشاهد التي شهدتها الأحياء ومخيمات النزوح اليوم ليست مجرد نوبات فرح عابرة، بل هي فلسفة إرادة، ورسالة وجود، وإعلان صارخ لشعبٍ يثبت في كل لحظة أنه يتقن صناعة الحياة ويسعى إليها، وينتصر للنجاح رغم أثقال المأساة.
فالفرحة التي شاهدتها وأنا أتنقل بين المخيمات اليوم تقشعر لها الأبدان؛ فلم تقف حرارة الصيف ولا مرارة النزوح ووجع التشريد حائلاً دونها، بل وضع الأهالي كل ذلك جانباً ليفرحوا ويستمتعوا بحدثٍ يتكرر مرة في العام؛ فرحة "التوجيهي" التي أصبحت جزءاً أصيلاً من ثقافتنا وذاكرتنا الوطنية، ومنذ الأمس، والناس تترقب ساعة الإعلان بمشاعر التضامن والمؤازرة؛ فحتى من لم يكن لديهم أبناء في الثانوية العامة، كانت قلوبهم مشدودة مع الجيران والأقارب والأحبة، بصفتهم شركاء في الهم والمصير...
في غزة، يكتسب العلمُ مفهومًا استثنائيًا يختلف عن كل بقاع الأرض؛ فهو ليس مجرد تحصيلٍ معرفي أو ممرٍ للحصول على شهادة، بل هو عقيدة صمود وإيمان راسخ بأن التغيير يكون بالمعرفة، والتقدم بالعلم، وأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق إلا بعقولٍ مستنيرة.
فرغم الدمار الذي طال المدارس والمؤسسات التعليمية، أَبى أهلنا أن تُطمس معالم المعرفة؛ فبين خيام النزوح وتحت أغطية القماش القاسية، اقتطع المعلمون والطلاب من قلب الضيق مساحاتٍ ليصنعوا منها صفوفًا ومجالس للتعليم؛ واجتهدوا ودرسوا وتنقلوا بين الخيام التعليمية؛ هناك حيث يُعلّق اللوح على جذع شجرة أو عمود خيمة، ويجلس الطلبة على التراب متسلحين بدفاتر بسيطة، متطلعين إلى المستقبل بأمل وثبات، ليثبتوا أن العقول المتقدة بالنور لا يمكن أن تُحاصر.
وفي هذه الساعات بعد إعلان النتائج، لم تمنع ظروف النزوح أصوات الزغاريد التي انطلقت تشق صمت التعب وتغطي على أنين الألم، حيث رسمت المشاهد أروع صور التلاحم:
• جسدها التنقل بين الخيام فتحركت العائلات بين أزقة المخيمات والخيام المتلاصقة يتبادلون التبريكات، وكأن المكان قد استحوذ على روح عيدٍ كبير.
• تلاحم القلوب فقد احتضنت الخيام فرحة المهنئين، وتحولت المساحات الضيقة إلى ساحات احتفال تفيض بكبرياء التفوق وعزيمة الاستمرار.
• طارت رسالة إلى العالم لتثبت أن هذا الفرح الجماعي هو برهانٌ على أن هذا الشعب لا يُسلب أمله، وأن البسمة التي تُنتزع من بين أنياب المعاناة هي أبلغ أشكال الانتصار.
وفي هذه اللحظات الجميلة والمميزة برغم الجراح، أبحث عن كلماتٍ تليق بحجم هذه الفرحة لأتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى طلبتنا الأبطال؛ فألف ألف مبارك لكم هذا العبور المجيد! لقد برهنتم أن العزيمة أقوى من كل الظروف، وأن شغفكم بالعلم أصلب من القسوة التي حاصرتكم. نتمنى لكم مزيدًا من التقدم والرفعة في مسيرتكم الأكاديمية والعملية، فأنتم الأمل والمستقبل الذي نراهن عليه.
ورسالاتي ملؤها التقدير إلى الأمهات والآباء العظام: طوبى لقلوبكم الصابرة، ولأيديكم التي زرعت في التربة القاسية وسقت الغرس بدعواتها وثباتها حتى أثمر تفوقًا وشرفًا، فهذه الفرحة هي تاجُ صبركم، وثمرة تعبكم وشموخكم.
إن هذه المحطة ليست النهاية، بل هي شرارة البداية لانطلاقةٍ أعظم! فإلى أبطالنا الناجحين، افتحوا أجنحتكم بثقةٍ وشغف، واستعدوا لارتياد القمم في مدرجات الجامعات؛ فالمستقبل يحتاج إلى علومكم، وإبداعاتكم، وعزائمكم الفولاذية، فأنتم لستم مجرد طلاب، بل أنتم قادة الغد، وبناة القادم الأجمل، وبكم وبسواعدكم المتقدة ستتجدد الحياة وستزهر الأرض من جديد.
سيظل أهلنا في غزة كما عرفهم التاريخ؛ كشجر الزيتون الممتد في أعمق طبقات الأرض، يضرب جذوره في الصخر الصلب، يرتوي بالإصرار، فيخضرّ رغم المأساة، ويورق زاهياً بالرغم من كل شيء، فمبارك لفلسطين هذا الفتح العلمي العظيم، ومبارك لشعبنا في كل المحافظات الفلسطينية هذا الجيل الذهبي الذي يصنع من المستحيل واقعاً، ومن العلم سلاحاً، ومن الوجع مجداً وفرحاً خالداً!



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التنشئة الحركية والتعبئة الفكرية كصمام أمان لاستعادة الذات
- نحو ممارسة أخلاقية تحمي المهنة وتصون كرامة الأخصائي والمجتمع ...
- الفتيات بين برزخ المراهقة ووطأة المعاناة النفسية والفسيولوجي ...
- بيان صحفي صادر عن د. سلامه ابو زعيتر رئيس النقابة العامة للخ ...
- دقّوا أجرَاسَ العَمَل.. ولا تَتَذرَّعُوا بالظُّرُوف!
- شهادة من الميدان.. عندما يُنصف القلمُ شرفَ العطاء
- عمال غزة بين فكّي الغلاء الفاحش وطاحونة الاستغلال
- جراح غزة التي لا تُرى بين المأساة النفسية وضرورة التدخل المج ...
- أزمة المرجعيات السياسية الجاهلة وهيمنتها على المؤسسات الوطني ...
- برامج التشغيل في غزة بين سُحْق الفئات المسحوقة وسُلْطَة الوا ...
- الأستاذ الدكتور علي ليلة.. القامة العلمية التي لا تغيب
- تنظيم النقابات المهنية وحوكمته في إطار قانوني ضرورة وطنية
- الكرامة المهنية لذوي الإعاقة بين الحق وواقع التهميش
- سرقة الجوالات في مخيمات النزوح.. جريمة فوق الاحتمال
- سيكولوجية الإحباط: كيف يُهدر الحاقدون طاقات المبدعين؟
- المؤسسات ليست ورثة.. كفى ترقيعاً ومسكنات؟!
- محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة
- التدريب من مضيعة للوقت إلى استثمار استراتيجي
- كيف يتحول شباب غزة من البحث عن الأمل إلى صناعته؟
- بين وهم عزوف الشباب ومقصلة الإقصاء السياسي والنقابي


المزيد.....




- روسيا وإسرائيل تعارضان تمديد ولاية تورك كمفوض أممي لحقوق الإ ...
- سفير إيران لدى الأمم المتحدة: سنواصل الدفاع عن شعبنا وسيادتن ...
- المحكمة الجنائية الدولية: تصويت على المدعي العام السابق كريم ...
- هل ينتقل إنفانتينو من -فيفا- إلى رئاسة الأمم المتحدة؟.. البي ...
- مباشر: الأمم المتحدة تحذر من أن التصعيد بين إيران وواشنطن في ...
- نائب ممثل إيران بالأمم المتحدة: جميع إجراءاتنا دفاعية وضروري ...
- مناظرة في الأمم المتحدة لاختيار خليفة غوتيريس وسط أزمة عميقة ...
- مفوضة حقوق الإنسان الروسية تدحض -الأساطير- التي يروجها الغرب ...
- منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات ...
- موجات عنف استمرت عقدين.. شكوى للجنائية الدولية ضد الاعتداءات ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - توجيهي غزة.. عندما تُهزم الزغاريدُ صمتَ الركام